قد تكون زيارة باراك حسين اوباما، لدول المنطقة، وبالأساس إلى إسرائيل، بداية مرحلة من مراحل إزالة سوء التفاهم بين شريكين في المغامرة والتآمر ودفع الأمور في المنطقة إلى المزيد من الاشتعال وسفك الدم. هما لصان عالميان، واللصوص المحنكة مهما بلغت من الحكمة والمهارة في السلب والنهب، لا بد وان يقع بينها الخلاف غير التناحري. وخلاف نتنياهو – اوباما ليس على تأييد الأول لمنافس اوباما ميت رومني في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، انما طمع نتنياهو وحكام إسرائيل في البحث من خلال الانتخابات الأمريكية والساسة الأمريكيين على أشخاص وأصحاب النفوذ والقرار في تقديس العلاقة مع إسرائيل، لدرجة الاستجابة لجميع متطلباتها التي تفوق قدراتها وحجمها الطبيعي. والزيارة بحد ذاتها باعتقادي محاولة أمريكية لاحتواء السياسة الإسرائيلية، وتهدف إلى تقريب وجهات النظر في كثير من القضايا العالمية ومنها الشرق أوسطية. تفاهم في الرؤية والمصالح والأهداف وتوافق في الانسجام المشترك حول الملف الإيراني، كذلك الاتفاق على مرحلة ما بعد الأسد ورسم السيناريو المشترك لمرحلة كيفية بناء شرق أوسط جديد حسب المشهد الإسرائيلي الأمريكي، ودور ومكانة حكام إسرائيل في الشرق الجديد.
تقول كواليس الزيارة، ان المرحلة بعد سوريا بدون الأسد والنظام الحالي، تتطلب تنسيقا مباشرًا أمريكيا – إسرائيليا يتلخص في أمرين، الأول الإجهاز على المقاومة اللبنانية، وبالأساس التخلص من حزب الله الذي يقف سدا منيعا أمام تكامل المخطط الاستعماري سايكس – بيكو الجديد في الشرق الأوسط، والأمر الثاني دراسة شكل التعامل مع الحركات والمنظمات الإجرامية التي تقدم مصالح الشعب السوري على طبق من ذهب للأمريكيين وحلفائهم في المنطقة، وتدجين المدجنين أصلا، وتفويت الفرصة على الذين يريدون بناء سوريا الديمقراطية والموحدة كجزء من قوى التحرر الوطني المناوئة للاستعمار والصهيونية، من اجل بناء الدولة الإسلامية وفرض أحكام الشريعة في محاولة للعودة بالشعب السوري إلى المجهول، إضافة إلى محاولات القضاء على الحركات والقوى التقدمية والثورية في سوريا ولبنان والمنطقة العربية عامة.
أما في الشأن الفلسطيني فلا جديد في هذا الموضوع، فالتعنت الإسرائيلي بشأن المفاوضات والاستيطان والموقف من السلطة الوطنية، يبقي كلا الطرفين في مرحلة دراسة كيفية الضغط على الجانب الفلسطيني لتقديم المزيد من التنازلات، مرة في الترغيب وأخرى في الحصار وتشديد قبضة القمع لإبقاء حلم إقامة الدولة الفلسطينية مجرد حلم وحبر على ورق السياسة الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة.
الزيارة في المفهوم الإسرائيلي يمكن اعتبارها ناجحة بامتياز بحصول حكومة نتنياهو الثانية المتطرفة على الدعم السياسي الكامل والاقتصادي والعسكري، فالزيارة بحد ذاتها تظاهرة تأييد وتحدٍّ أمام الرأي العام العالمي والأوروبي بالذات، وهي إشارة أمريكية للأوروبيين وغيرهم بضرورة تقوية مثل هذه العلاقة حتى على المستوى الشعبي والرسمي والأفراد والمنظمات مع حكام إسرائيل لان إسرائيل في المفهوم الأمريكي، يجب ان تبقى القوة الضاربة سياسيا وعسكريا لحماية مصالح الغرب عموما.
الزيارة من وجهة النظر الفلسطينية، تعد فاشلة 100% إذ لم تلبِّ الحد الأدنى لا من حيث الحياد ولا من حيث الضغط على الإسرائيليين لتلبية مطالب الفلسطينيين العادلة في وقف غول الاستيطان وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية في حدود الـ 67.
ان تقييم الزيارة على المستوى الشعبي والرسمي هو واحد بفارق تراوح بين الأمل الغائب بما تقتضيه العلاقات الرسمية والدبلوماسية بين الدول والحكومات وبين المستوى الشعبي الذي قابل الزيارة بالمظاهر الاحتجاجية الرافضة لها.
جميع الرؤساء الأمريكيين تناوبوا على زيارة إسرائيل والمنطقة عشرات المرات، ليس انهم لم يقدموا شيئًا بل حملت هذه الزيارات والسياسات الكثير من الويلات لشعوب المنطقة. لن يكون اوباما أكثر حظا من غيره من الرؤساء الأمريكيين وحتى الأوروبيين. فالجميع كان يعلن الولاء والثناء ويقدم النصائح لكلا الطرفين بأهمية الجلوس على طاولة المفاوضات وضرورة إحلال السلام في المنطقة، هذه الزيارات لم تمنع حربا واحدة بادر لها حكام إسرائيل مباشرة، بل كثرة الزيارات الأمريكية إلى المنطقة وإسرائيل وزيادة التنسيق المتعدد الجوانب، كان يحمل في طياته دائما بذور الحرب وانعدام السلام والأمن.
تحمل الفلسطينيون الكثير من المحن والحروب والمجازر على يد الإسرائيليين وبالسلاح والمال الأمريكي، وكذلك الشعب اللبناني، واكتوى الشعب العراقي بالديمقراطية الأمريكية والأوروبية وها هو الشعب السوري يواجه نفس المصير انتقاما للدور الوطني لسوريا الداعم للمقاومة والقابض على جمرة الرفض للسياسة الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية في المنطقة. لقد امتدت خيوط المؤامرة إلى الشعب التونسي والليبي والسوداني والصومالي والأفغاني. فها هي تحاك المؤامرة ضد الشعب الإيراني وغيره بحجة أكذوبة العصر الحديث القضاء على الإرهاب تارة وأخرى تطبيق الديمقراطية الغربية وأخرى باسم الدفاع عن حقوق الإنسان وهلم جرا. فالنظام الأمريكي والغربي الذي تلتقي مصالحه مع مصالح منظمات الإرهاب يهدف الى محاربة يقظة الشعوب في التحرر والاستقلال من القبضة الأمريكية والغربية وإبقاء هذه الدول والشعوب تحت الجزمة الأمريكية تستجدي أمام عتبات البيت الأبيض وصندوق النقد والبنك الدولي. وها هي مصر بقيادة الاخونجي محمد مرسي تزحف لتحصل على الفتات الأمريكي.
ويتوقف الامر على شكل الرد والتعامل، فالأمر أصبح مفهوما في نظر عامة الشعوب. اما إطلاق يد إسرائيل وتهديد العرب بقوة إسرائيل أو الخضوع للشروط والسياسة الأمريكية وكلاهما مرفوضان شعبيا ورسميا من عدد من الدول والشعوب وبالذات الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية التي هي اليوم مطالبة أكثر من السابق بصيانة ورسوخ الموقف الرافض للتنازل والاملاءات الأمريكية والإسرائيلية وحتى الغربية منها. الحفاظ على المشروع الفلسطيني بالكامل الانسحاب الكامل والقدس والدولة وحق اللاجئين بالعودة حسب قرارات الأمم المتحدة والحل العادل الذي يضمن الحقوق والسيادة للجميع. فالواجب الوطني والرد على نجاح الزيارة إسرائيليا وما تعهد به اوباما للإسرائيليين يتطلب من الجانب الفلسطيني الإسراع أكثر باستعادة الوحدة الفلسطينية كي تكون الضمانة الشعبية والسياسية والجماهيرية للتصدي.
(كويكات/أبوسنان)
