التنسيق العسكري الروسي - الإسرائيلي ومراميه..!

single

الطراد الروسي "موسكو" في البحر الأبيض المتوسط، قبالة سواحل سوريا، كانون الأول 2015



عندما قرَّر الرئيس الروسي بوتين أن تدخل روسيا على خط المواجهة الساخن في سوريا لضرب المجاميع الإرهابية المسلحة بقواتها الجوية، أو صواريخها البالستية، فان الأمر لم يرق للكثيرين سواء تلك الدول الإقليمية الداعمة لهذه المجاميع، أو الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، لأن هذا يصب في النهاية لصالح الدولة السورية والجيش العربي السوري. وفي ظني ان إسرائيل كانت أكثرهم قلقا من هذا التطور النوعي الكبير في سير الأحداث على الأرض السورية، لأنها كانت تراهن كثيرا على قيام منطقة عازلة في الجولان، تكون تحت سيطرة الجماعات المسلحة التي أقامت معها علاقات تحالف وثيق، وكان لا بد لبوتين ان يطلب التنسيق مع الأمريكيين الذين يقوم طيرانهم الحربي ومنذ أكثر من عام، بشن غارات يقولون انها ضد داعش. وقد جاء طلبه من مركز قوة وحسب القانون الدولي، لأنه يجيء إلى سوريا بطلب رسمي من الحكومة الشرعية في سوريا، ولان الأمريكيين لا يملكون خيارات أخرى فقد قبلوا التنسيق مع الروسي على مضض، حتى يتجنبوا الصدام معهم . وقد وقفوا عند حدودهم في هذه الحالة، ومن الناحية الأخرى فقد استدعى الرئيس بوتين إلى منتجع سوتشي رئيس حكومة إسرائيل، ومعه قادته العسكريون، وابلغه قرار روسيا بالتدخل في سوريا وان هذا ليس موجها ضد إسرائيل، وتفاديا لأي تصادم مع الروس طالبه بان يلزم حدوده، وان لا يقترب طيرانه من الأجواء السورية حيث يعمل سلاح الجو الروسي.
وهناك فرق بين التنسيق الروسي- الأمريكي والتنسيق الروسي الإسرائيلي هو الفرق بين حجم البلدين. وقد انصاع نتنياهو مكرها للطلب الروسي ليس لأن الجانب الروسي سينسق معه مرة "اضرب أنا ومرة تضرب أنت"، فالمفهوم الروسي الحقيقي لهذا "التنسيق" ان روسيا فرضت على إسرائيل قواعد جديدة للعبة، وان ما كانت تفعله إسرائيل لم يعد متاحا أو مباحا لها، لأن الأجواء السورية أصبحت تقريبا محرَّمة على الطيران الإسرائيلي، يسرح ويمرح فيها على هواه. وهو آخر ما كانت تحلم به إسرائيل في أشد كوابيسها، وقد رأت القاذفات الروسية تضرب المجاميع المسلحة عند خط وقف إطلاق النار. كما ان إحدى الطائرات الروسية دخلت مسافة ميل واحد داخل الجولان المحتل، دون أن يعترضها الإسرائيلي أو يرد عليها، كما أفاد وزير الأمن يعالون.
وقد مكّن ذلك الجيش السوري من توجيه ضربات موجعة للمسلحين في ريف القنيطرة ومحيط السويداء ودرعا، وكان هناك تقدم ملحوظ. ولن يكون بعيدا ذلك اليوم الذي سيقف فيه الجندي العربي السوري على خط وقف إطلاق النار، لأن حلم المنطقة العازلة قد انهار تماما والشيء المثير للاستغراب ان هناك من يخرج بين الفينة والأخرى ليطعن في الموقف السوري الصلب والمثابر والصحيح، محاولا التندر حول هذا الموقف قائلا: كيف يمكن لروسيا ان تساعد سوريا في نفس الوقت الذي تنسق فيه مع إسرائيل؟! وأصحاب هذا القول فئتان: الفئة الأولى من البسطاء، والسذّج والمضللين. وهؤلاء هم أصحاب النظرة السطحية، وهم ليسوا بأعداء أو محسوبين على الطرف المعادي. ولهؤلاء أردت ان أبيّن اليوم الصورة كاملة حتى يكونوا فاهمين لكافة جوانب المعادلة.
أما الطرف الآخر فهو المعادي، الذي يعارض التدخل الروسي من الأساس لأنه المتضرر من دخول روسيا على خط المواجهة. وحين يشكّك هذا الطرف بالموقف الروسي الشجاع والمناصر للدولة السورية فإنما يفعل ذلك في إطار الحرب النفسية، والاصطياد في المياه العكرة. ولهذا الطرف أقول: موتوا بغيظكم، فالروس لن يتركوا سوريا لتقع فريسة أنيابكم المجرمة، وسوريا تسير على طريق الانتصار الحتمي، وها هي تقطع أشواطا على كافة الجبهات، في ريف اللاذقية وريف حلب الشرقي والجنوبي. وأكاد أقول، وبكل ثقة، ان الأيام القادمة ستشهد مفاجآت ميدانية كبرى، خصوصا في معركة ادلب وجسر الشغور، لأن المعطيات الميدانية تشير إلى ذلك بكل وضوح، بعد إحكام السيطرة شبه الكاملة على الريف الجنوبي لحلب، والتقدم المفاجئ في الغوطة الشرقية لدمشق، بعد السيطرة على مطار برج السلطان، وتقطيع أوصال ما يسمى بجيش الإسلام التابع لزهران علوش، احد أتباع السعودية في الغوطة، وتحديدا في منطقة دوما.
والأيام القادمة حاسمة هناك، فالروس حينما دخلوا المعركة فمن اجل حسمها والانتصار فيها، ولن يفيد المشككين أو أصحاب النوايا الخبيثة أو الساذجة فرية التشكيك في النوايا الروسية أو هذا التنسيق، حتى لو كان مع الجانب الإسرائيلي الذي اجبر على ان يلتزم الصمت. وهو الأكثر إيذاء في فترة من الفترات فالروسي كما عهدناه، ومنذ فترة الاتحاد السوفييتي السابق، كان حليفا صادقا ومخلصا وأمينا مع الشعوب العربية في كل معاركها ضد الاستعمار والحروب العدوانية الإسرائيلية.
فالخبراء السوفييت، وبالمساعدة الروسية القوية، ومن خلال الجسر الجوي الذي أقاموه بعد عدوان إسرائيل في عام 1967، استطاعوا إعادة بناء القوات المسلحة المصرية نزولا عند طلب الزعيم جمال عبد الناصر. وحين ضربت إسرائيل العمق المصري في حرب الاستنزاف قام الطيارون الروس بطلعات مثالية في مواجهة الطيران الحربي الإسرائيلي، وسقط منهم من سقط، وحموا أجواء مصر وعمقها، حتى استطاعت مصر إقامة حائط الصواريخ بدعم روسي مباشر، وكان هذا الحائط هو الذي حمى سماء مصر، ووفّر مظلة لجيشها الذي انطلق عبر قناة السويس في حرب أكتوبر 1973.
الروس لم يخذلوا مصر، ولم يخونوها، ولم يتركوها، والذي خان روسيا هو أنور السادات الذي طرد الخبراء الروس عام 1972، واتجه فيما بعد إلى أمريكا التي أوصلت مصر إلى الحالة التي وصلت إليها. وها هي روسيا اليوم تقوم بدعم كامل لمصر عبد الفتاح السيسي، في المجالات العسكرية والاقتصادية وفي مجال الطاقة الذرية. فالروس أصدقاء حقيقيون، وحلفاء يمكن الاعتماد عليهم. ونفس الشيء فعلوا مع سوريا، ولولا دعمهم للجمهورية العربية السورية، بعد خروج مصر من المعركة، لما بقيت دمشق آخر قلاع العرب. فالروس ومستشاروهم العسكريون قاتلوا مع الجيش العربي السوري في لبنان إبان الاجتياح الإسرائيلي وقبل ذلك. وبطاريات صواريخهم هي التي أسقطت الطائرات الأمريكية التي أغارت على سوريا في العام 1983، وسقوط احد الطيارين الأمريكيين أسيرا هناك. هذه هي روسيا وهذه هي مواقفها الداعمة والمساندة لسوريا والعرب ولحقوق شعب فلسطين، ولن ينال من مواقفها الثابتة والمثابرة تشكيك البسطاء، أو حقد الحاقدين الموتورين. فالوجود الروسي الحالي هو الذي ضرب أحلام السلطان العثماني الجديد، اردوغان، في إقامة منطقة عازلة في شمال سوريا، وقلّم أظفاره، ومنع طائراته من الاقتراب من الحدود السورية. ولن يفيده سعيه لإقامة شيء شبيه في شمال العراق، فالروس موجودون ولن يتركوا المنطقة العربية نهبًا لأطماع الطامعين فهم حلفاء صادقون، وقد أصبحت المعركة واحدة..!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

لنا جذور في الوطن وحصة في الدولة

featured

من النرجس وإلى النرجس تعود

featured

الارهاب الاسود يضرب مجددا في مصر..!

featured

هل يكون مصير الدولة كمصير ابن صفنا ؟

featured

لقطع دابر العنف في مدارسنا

featured

"أَرْضُ الأُمِّ"

featured

المثقف العربي و"الخصْي الفكري"

featured

عندما يصير العدوّ إنسانا