سيذكر المصريون ولن ينسوا يوم الرابع والعشرين من اكتوبر 2014 باعتباره يوم الجمعة الاسود، حيث نجح الارهاب الدولي وبأساليبه المتطورة ان يضرب في شمال سيناء وجنوب العريش بمنطقة الشيخ زويد، ليوقع ثلاثة وثلاثين جنديا مصريا، شهداء تفجير انتحاري رهيب. وكذلك مثل هذا العدد من الجرحى ابناء القوات المسلحة المصرية. والشعب المصري لن ينسى هذا اليوم لاكثر من سبب، فالشهداء الذين سقطوا وكذلك الجرحى يمثلون مختلف المحافظات المصرية، ومختلف الشرائح المصرية.
لن ينسى هذا اليوم لان توقيته غريب مريب، ففي هذا اليوم كانت مدينة السويس تحتفل بعيدها القومي حين تصدى ابناؤها، من المقاومة الشعبية وافراد الشرطة وبأسلحة فردية خفيفة، لارتال الدبابات والمدرعات الاسرائيلية، التي حاولت احتلال مدينة السويس في نهاية حرب اكتوبر 1973، وبعد الاعلان عن وقف اطلاق النار رسميا. لكن اهل المدينة الباسلة انخرطوا، ومع اول ضوء ليوم 24 اكتوبر عام 1973، في الدفاع المدني، فأقاموا المتاريس في الشوارع وانقضّوا على الدبابات الاسرائيلية وحاملات الجند من كل شارع وحارة وزقاق. وامطروها بوابل قذائف الآر.بي.جي، ودمّروها وحاصروا افرادها. وكانت حصيلة هذا اليوم مئات القتلى من الجنود الاسرائيليين، باعتراف القيادة الاسرائيلية، مما اجبرها على التقهقر والانكفاء والتراجع. ولم يستطيعوا احتلال هذه المدينة، التي يمكن وصفها بستالينغراد المصرية المصغرة. ومنذ ذلك العام فان السويس تحتفل كل عام بيوم انتصارها في يومها القومي، وهكذا كان هذا العام.
يمكن من هنا ان نربط بين هذا التاريخ وبين العملية الارهابية السوداء، التي وقعت في شمال سيناء، وراح ضحيتها عشرات الجنود المصريين. ومن حقنا ان نربط بين التاريخين حتى نستطيع ان نعرف طبيعة ما يحدث عن الارض واستهدافات الارهابيين والذي يسيّرونهم. فالعملية ليست بسيطة بل كبيرة جدا، وتحتاج الى افراد مدرّبين، والى مستوى قتالي مرموق. وتحتاج الى تخطيط دقيق، والى رصد محكم، والى معلومات حقيقية، والى تسليح مناسب، والى كفاءة وإعداد لائقين، والى مساعدة لوجستية لا غنى عنها. وكل هذه الامور اكبر من الجماعات المختبئة في الكهوف والجبال، سواء في شيخ زويد او غيرها من مناطق سيناء. وكل هذه الامور تحتاج الى اجابات من القيادة العسكرية المصرية للوصول الى الجناة المنفذين والمخططين والداعمين لوجستيا، والذين يوفرون الدفيئة والبيئة الحاضنة لامثال هذه الجماعات التي احترفت القتل والتفجير والتدمير، لان وراء كل ذلك حسابات كبرى.
ومصر، شعبا وجيشا ووطنا، مستهدفة من هذه المؤامرة، وقد يكون لدى المخابرات المصرية، والاجهزة الامنية، والقوات المسلمة، بعض اطراف الخيوط المؤدية الى العابثين بالامن القومي المصري. وربما كل الخيوط، وهو ما سيظهر في الاسابيع والاشهر القادمة. فالاجراءات التي اتخذتها القيادة المصرية، والتي ستتخذها لاحقا من فرض حالة الطوارئ على اجزاء واسعة في سيناء لثلاثة اشهر، بما فيها حظر التجوال ليلا، جزء من عملية محكمة واجراء لاجتثاث الارهاب واقتلاعه من سيناء وكل محافظات مصر. وربما تبنت هذه العملية او ستتبناها الجماعة المعروفة بـ"أنصار بيت المقدس"، التي يصنفوها على انها سلفية جهادية اشبه بداعش في سوريا والعراق.
السؤال: ما هو دور الاخوان المسلمين وحركة- حماس، ان كان لهم ادوار في مثل هذه العمليات. ونحن هنا لا نريد ان نوجه التهم جزافا لاحد بغير دليل، مع ان كل شيء جائز، وقد تتضح ملامح الصورة بشكل اكثر جلاء في المستقبل. لكن هناك ملاحظات: اولها ان مجموعات من الاخوان المسلمين قامت بالتظاهر ابتهاجا بالعملية الارهابية في محافظة المنيا بصعيد مصر، تماما كما فعل الكثير من الاخوان المسلمين بعد هزيمة عام 1967، حين صلوا شكرا لله لان عبد الناصر خسر الحرب مع اسرائيل..! وحين يفعل ذلك اي مصري او عربي فانه فاقد للانتماء الوطني والانتماء القومي. هكذا وبلا كثير شرح، امثال هؤلاء هم خونة وطابور خامس وسرطان في جسد الامة. كما ان حماس، وللاسف، لم تحافظ على كونها حركة مقاومة فلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي، وانما غلّبت اخوانيتها على فلسطينيتها في كل احداث ما سمي الربيع العربي، فناصرت الارهابيين الذين لا زالوا يقاتلون الجيش العربي السوري ويدمرون ويفجرون في كل انحاء سوريا، وسمّتهم بـ"الثوار"، وقالت إنها مع خيار الشعب السوري!! وحماس التي انكرت تدخلها في الشأنين السوري والمصري، لا زال إعلامها يصف السلطة في مصر حتى الآن بأنها "سلطة انقلاب ضد الشرعية"، وتصف نظام الحكم "بحكم العسكر". واذا لم يكن هذا تدخلا في الشأن المصري فليقولوا لنا ما هو التدخل اذا؟! ومصر من حقها اليوم ان تغلق معبر رفح الى اجل غير مسمى، حتى تتأكد تماما من ان سلطة غزة لم تكن حاضنة لاي من الارهابيين الذين نفّذوا مذبحة العريش الاخيرة. ومصر من حقها إجلاء رعاياها من رفح المصرية والشريط الحدودي مع غزة، حتى تضبط أمنها القومي، فهي في حالة حرب حقيقية مع الارهاب. وفي ظني ان التنسيق الامني خاصة سيزداد بين مصو وسوريا، لان البلدين يواجهان نفس الخطر. وهذا سيجعل كلا من مصر وسوريا والعراق في تحالف مستقبلي في وجه هذا الارهاب الدولي الذي يتخذ في كل بلد مسمى، آخر لكن رعاته وحماته هم الاعداء التاريخيون للأمة العربية، ورب ضارة نافعة.
ليس من شك بأن الارهاب الذي تتعرض له مصر، ويضرب بقوة على ارضها، نتيجة طبيعية للفراغ الامني الذي احدثته اتفاقية كاب ديفيد المشؤومة. فالملحق الامني للاتفاقية ركز على امن اسرائيل فقط، ولم يركّز على امن مصر، وانما جعل سيناء خالية من الجيش المصري حتى اصبحت مقرا وممرا لهذه الجماعات الارهابية، التي تريد القضاء على الجيش المصري- كما هو الحال في نفس الجماعات في سوريا والعراق. ومصر بحاجة اليوم ان تنظر الى امنها القومي، سواء قبلت اسرائيل بتعديل الاتفاقية ام لم تقبل. ويجب ان تكون كل سيناء تحت قبضة الجيش المصري. ومن حق هذا الجيش ان يتحرك وبكثافة في كل انحاء سيناء، وبفرق كاملة من الجيشين الثاني والثالث الميدانيين. وفي نفس الوقت فان مصر ملزمة بان تضع خطة تنمية عاجلة لسيناء، لتوفير فرص العمل لاهلها حتى لا يضطروا ان يعملوا بالتهريب والتعاون مع محترفي القتل والارهاب من كل الجنسيات. فالعين والقلب والعقل متّجه الآن الى مصر. ولا شك لدينا بأنها قادرة على ان تجتاز الصعاب، وتستعيد العافية، وتحيا مصر عزيزة، كريمة، منتصرة...!