الراحل عنا الباقي فينا الشيوعي العريق كمال غطاس يروي سيرة "أيام بِتْبَكّي الحجر"

single



أجريتُ هذه المقابلة الصحفية مع الرفيق الراحل كمال غطاس ورفيقة حياته ودربه الرفيقة نجيبة غطاس عام 2007، أي قبل عشر سنوات من الآن، نُشِرَتْ في صحيفة "الحقيقة" الصادرة في كفرياسيف ضمن زاوية "ذاكرة وطن" الأسبوعية، وكما كان متّبعا في هذه الزاوية كُتِبَ النصّْ باللهجة الشفوية لأسباب تتعلّق بحفظ وتوثيق اللهجة والرواية الحقيقية للأحداث كما هي.


نيسان 2007


الشيوعي الأصيل، أحد رواد الرعيل الأول من الشيوعيين الذين سيكتب التاريخ أسماءهم بأحرف من ذهب كمال غطّاس (أبو مازن) (82 عامًا) ورفيقة دربه وحياته على الحلوة والمُرّة نجيبة غطاس (72 عامًا) من الرامة، لهما في ذاكرة الوطن جزءٌ ليس بقليل من تاريخ شعبنا الفلسطيني، حيث كانا من رعيل المناضلين في معركة الصمود والبقاء عام 1948، وسنوات الحكم العسكري البغيض التي لا يعرف عنها الجيل الجديد إلا القليل.
اتصلتُ برقم الهاتف الذي أريد، فردَّ عليَّ بنبرةٍ قويّةٍ "الو نعم".. قُلتْ: "بلا حسد يا أبو مازن صوتَكْ بعدُه شباب كيف حالك؟" قال: "اهلًا شُكرًا شُكرًا". تواعدتُ معه لإجراء اللقاء وتمّ ذلك بسرعة.


زُعران السلطة اعتدوا على رمزي خوري وزاهي كركبي ومزّعولهِن "الاتحاد"


بعد السلام والكلام قال ابو مازن: " قبل الاحتلال اشتغلت في الرفاينري في حيفا، كان راتِبي الشهري قدّ مَعاشْ إخِوْتي لِمعلمين (غطاس وجمال)، لكن شُغْلي بالرفاينري ما طالْ كثيرْ لأني فُصِلتْ من العمَل بِسَبب كُثُر غَلْبَتي. وأذكُرْ في أحد الأيام، اعتَدوا زعران السلطة على زاهي كركبي ورمزي خوري أثناء توزيع جريدِة حِزبنا "الاتحاد" في عكا ومَزَّعولهِنْ الجريدة، لما سْمِعتْ القصة قلت لَنَفسي: إذا اسّا منحمِلشْ الجريدة ومنوزِّعها، ما بتعود تْقُمِلنا قايمِه، دَعَونا كل الرفاق والأصدقاء ووزّعنا الجريدة بِتَحَدّ وبشكل تظاهري.
في ذلك الوقت أعلنوا شباب عصبة التحرر الوطني الموقف الجريء ودعوا للموافقة على قرار التقسيم، والتصدّي لمؤامرات الحركة الصهيونية وأميركا والرجعية العربية المبيتِة ضد فلسطين، وبذكُرْ كَتَبْ اميل حبيبي مقالة ضد الملك عبد الله "كان بعدو أمير"، وبسبَبُه أكل بُكس، لكن بعدين كتب مقالة اشدّ منها، هيك كان رَدّْنا على أي ظُلُم نِتعَرَّضْ لهُ.


شباب عصبة التحرّر الوطني اللي وقَّفوا بِوِجْه الهُتَّكْ والسَفّلِة من الرجعية العربية والرجعيِّة الفلسطينية


بَذُكْر موقِفْ عُصبِة التحرر لما اهتمّت قبل الذهاب لهيئة الامم المتحدة أن يكون الوفد الفلسطيني اللي بدُّه يشارك مُنتَخَبْ من الشعب ومِشْ موَصَّى عليه من الانتداب البريطاني. قام الرفيق إميل توما كتب بيان بِطالب بانتخاب الوفد الفلسطيني، وكانت المرّة الأولى اللي بَلتقي فيها بالشيوعيين، أجا جمال موسى قللي: خُذ اقرا البيان واعطيني رأيك، وبعد ما قريتُه سألْني: شو رأيك يا كمال توزعُه بعكا؟.. وفِعلًا حْمِلتْ البيان ووزّعتُه.. وفي آخر سوق عكا عند المسامِك، لحقوني عَشَرْ شباب، واحد منهم حاول يُضرُبني من الخَلفْ، قُمتْ وقَّفت على صحاحير الخُضَرجي، وقرأتْ البيان بصوت عالي.. الموجودين انقسموا قسمين، إشي معي وإشي ضدي، وصار نقاش بين الموجودين... رَفَعتْ صوتي وقُلتْ إسمعوا يا شباب: "أنا إسمي كمال غطاس وقريبا بِبيِّنْ مين الوطني ومين الخاين"، ثاني يوم طْلِعتْ على بِنتْ جبيل اشتريت بارودِه ومُسدَّسْ. ومن يومها دخلت عالحزب الشيوعي، لإني شفت الحقيقة.. لَكان مين غير هذول الشباب بعصبة التحرّر، اللي وقّفْ بوجه الهُتَّكْ والسفلِة من الرجعية العربية والرجعيِّة الفلسطينية.


في معتقل عتليت.. إضراب عن الطعام.. إمّا الموت وإمّا الافراج

في الـ 48 عند احتلال الجليل إعْتُقِلتْ أنا وجمال موسى ورمزي خوري ونديم موسى مع الشيوعيين من البعنة والدير، منهم صديق العُصبِه يحيى الذباح.. يومها اعتُقِلنا كأسرى حرب، وما كان في حرب، لأنُّه ما طلِع ولا طلقَه واحِدِه عالعِصابات الصهيونيِّة.
حاولوا عَزِلْ الشيوعيين عن باقي المعتقلين بس ما قبِلْنا.. أخذو جمال موسى عشان يحُطّوه بالزنزانِه، فقرّرنا نْروحْ مَعاه، ولما شافونا مُصرِّين ما نِتِركُه رجّعونا عالمعتقل، والمعتقلين استقبلونا بصف السحجِه، بعدها نفوا المجموعة القياديِّة على سجن ثاني. واللي بقيوا كتبوا منشور.. فريد زريق من عيلبون كتب بالعِبراني ويحيى الذباح بالإنكليزي، كان عنوان المنشور: "خمسِه وسبعين شيوعي في معتقل عتليت مِضربين عن الطعام.. إمّا الموت وإمّا الافراج"، وِتوزَّع المنشور في كل معسكرات العمل اللي كانوا يوخذوا المعتقلين عليها. وِصِلْ المنشور لتوفيق طوبي وأجا زارنا في السجن، وعَرَضْ الموضوع في الكنيست.. واستمر إضرابنا عن الطعام خمسة ايام.


دَفَشتُه طبّ بْحُضن يحيى الذباح...

وبٍدْيَت سياسة الشتائم والعصا ضد المُعتَقلين.. ويوم وإحنا واقفين في طابور المعتقل قال جريس وردِه من البعنة للشاويش: انسَرَقْ بنطلوني وبغدَرشْ أروح اليوم عالشُغل، قام الشاويش رفع العصاة بدّو يضربُه.. أنا كنت واقف وراه، مسِكتْ العصاة، والا هو بِتْطّلع فيّي بدّو يوكلني، قمت دَفَشتُه، طبّ بْحُضن يحيى الذباح.. ضربُه يحيى هواة والا هو باطحُه عالأرض. بعدها أخذونا انا وحسن بكري وذيب زريق وجريس وردِة وكمان واحد ناسي إسمُه ونفونا على أم خالد.
تشكّينا على الشاويش اللي أكل قتلِه، وانحكَمْ على عمِلتُه اللي ما عِمِلها، ومن يومها منعو التعذيب والشتائم في المعتقلات.


جَمَعوا البلد في ساحة دار جميل نخلِه

المُهِمّْ.. طلِعنا من المعتقل، والا الجيش طالب من الناس في الرامة تِتْجمّع في ساحة دار جميل نخلِه، والظابِط اللي أخذنا عالمعتقل قاعِد يحصي الناس وينادي على كل واحد بْإسمُه، وكل واحد كان مجبور يِرُد بـ "أمرَك يا سيدي".. وِصِل دور نديم موسى قُدّامي.. ردّ عليه نديم وقال: "نعم هيّاني هووون".. قال الظابط: "شو نعم؟  لو كنت عم تحكي مع المفتي هيك بِتْرُد؟"، ردّْ عليه نديم وقال: "المفتي ضيَّع فلسطين".. الزابِط: "وشو مع مصر؟"...  نديم: "كنت بحارب الملكيِّه بمصر".. الظابِطْ: "طيِّب إرجع محلّك".
 لَلكُلّ الظابِط قال كمِّلْ إلا لنديم قال إرجع محلَّك.. وأجا دوري، نادى الظابِط عَليّْ.. ردّيت بْمِسْخرَه: "نعوووم".. الظابِطْ: "وإنتي؟".. جاوَبتْ: "مِثِلْ ما قال نديم".. الضابِط: "بتِعرف تْطُخْ بِالبارودِه؟".. جاوَبتْ: "نعم".. الضابِط: "يعني اشْتغَلتْ عند القاوُقجي؟".. قُلت: "فشَرتْ.. أنا قاوَمتُه".. الضابِط: "طيِّب إرجع لعِند نديم".
بعدين كبّوا 35 واحد من الرامة خارج لِحدود، وبعد تَدخُّلْ الرفيق توفيق طوبي تَمّْ إرجاعهِن.


أهل البعنِه اخذوا التصاريح غصبِن عن الحاكم العسكري

مرّة الحاكم العسكري تآمر مع زلامُه في البعنِه، يِرَتْبوا وفد من البعنة ييجي عند الحاكم العسكري بدون الشيوعيِّه عشان يعطي أهل البلد تصاريح ذِهاب للعمل، وبهيك بكِسروا شوكِة الشيوعيِّه في البعنِه.
دِري الرفيق حسن بكري وسِمع إنهِن مجتمعين عند المختار، راح وفات عالإجتماع وقلهِنْ: أووه! منيح اللي لاقيتكوا هون أحسن ما أدور على بيوتكوا واحد واحد.. أحد الموجودين قال لَحَسن: "شو السيرِه، خير ابو محمد؟".. حسن بكري: "يعني بصير هيك تظلّ البلد بلا شغل وبلا أكِل؟.. إسّا لازِمْ نشكِّل وفد، ونروح بُكرَه عند الحاكم العسكري نطالِب بِتصاريح لأهل البلد". وبعد جدال طويل وافقوا المجتمعين على تِشكيل الوفد، وطلبوا من حسن بكري بلاش البلد تنزل معاهِن. لكن حسن بكري دار بالليل ودعا كل اهل البلد، وثاني يوم فات الوفد عند الحاكم العسكري وكان حسن بكري وحنا ابراهيم من قُدّام وأخذوا التصاريح غصبِن عن الحاكم العسكري.


سمعان يعقوب السمعان ضل بشغلُه وما تنازل

في الـ 49 كانو العمال يشتغلوا في أعمال البِناء، ومنظّمين بـ ِ"مؤتمر العمال العرب" بقيادِة الشيوعيين. المهم اتفقنا على الاضراب عشان نْطالِبْ بِرفع الأجور. صاروا زْلام السُلطَة يُطلبوا من العمال يِتُركوا "مؤتمر العمال العرب" ويِتْسَجَّلوا في "اتحاد عمال اسرائيل".. أجا عامل إسمُه سمعان يعقوب السمعان وقللي إنُّ كل العمال انتسبوا لاتحاد عمال اسرائيل ما عدا أنا، وقرروا فصلي من الشغل إلا إذا انضميت زي غيري".. قلت لسمعان: مِنروح بُكره عالشغُل ومنشوف.. الصبح طْلِعتْ معاه عالشغل، وحْمِلنا كل واحد شوال شمينتو.. أجا "الفورمَنْ" المسؤول وسأل سمعان: "انتي مين اللي بعثك؟"..قلت: "انا".. الفورمن: "طيب تعالوا لِثنين عند المدير".. قللي المدير: "هاذا الزلمِة بِشتغل هون وعرِفنا بس انتي ما بتشتغِل عِنّا !!".. قلت: "طيِّب سجِّل عندك أنا مروِّح بس هذا الزلمِه برجع عشُغلُه".. وهيك بقي سمعان بالشغل وضل بمؤتمر العمال العرب.


شرّدوني عنِّك يا بلادي..اوف اوف ويا ويلو الجاني

كان أبو مازن يُسرُدْ على مسامعي هذه الاحداث التاريخيّة وتساعده في ذلك الزوجة أم مازن اذا نسي تفاصيل معيّنة.. طلبتُ من أم مازن أن تحدِّثني ولو بقصّة واحدة على الأقل وقالت:" أنا من مواليد البعنة وسكنّا بحيفا وتعلّمت هناك، وبأيام القاوقجي كنت في البعنة.
إخوتي وزوج أُختي حنا بشارة اخذوهِنْ عالمعتقل، وبقيت أنا وأُختي إم عصام وإمي لحالنا، وبعد ما قتلوا أربع شباب من البعنة ودير الأسد هجّجونا على ساجور، وِرْجعنا بعدها عالبعنة، كنت أراقِبْ تحرُّكات الجيش وأبلِّغ أخوي جمال موسى ورمزي خوري اللي كانوا مطاردين أوَّل بأوَّل.


عملنا حفلِة تبّولِه وكعِك في دار بولص وعرَضنا مسرحيَّة "حوار"

أقمنا فرقة تمثيل من الصبايا، وشكّلنا خليِّة فتيات، وعملنا حفلة تبّولِه وكعِك في دار بولص وعرَضنا مسرحيَّة إسمها "حوار"، بتِحكي عن حياة وهموم الناس، وبِديَتْ تِتْوَسَّعْ وتِنْتْشِرْ حلقات الفتيات والنساء في كل قرى منطقة عكا. مع الوقت سِمْعوا عَنّا الرفيقات في حيفا وأجوا يدوّروا علينا، وشاركَتْ اولغا مَرْت توفيق طوبي في حفلة كبيرة عِنّا في البعنِة، ولمّا صار عمري 15 سنه دخلت الشبيبة الشيوعية. أخوي جمال بِحسب توصيات الحزب نقلْ على عكا ونديم ضلّ في البعنة. وصُرنا نخطِّط كيف نستقبل المعتقلين لما يرجعوا من المعتقل، واعْمِلنا مسرحية عرضناها في كنيسة الكاثوليك، مثّلناها أنا وحياة قمر خوري، وسهام الخازن وماري الياس. ياسمين إم طنوس خيّطت الملابس، وغنّينا أغنية الّفها حنا ابراهيم، إسمها "شرّدوني عنِّك يابلادي" على لحِن "عالأوف مشعل أوف مشعلاني".
قلت لإم مازن قُليلي كلمات الأغنية.. قالت إم مازن وساعدها أبو مازن في سردْ الأغنية:
"شرّدوني عنِّك يا بلادي.. أوف أوف ويا ويلُه الجاني"
"نزعوني منِّك يا بلادي..أوف أوف وقصّوا جِنحاني"
"قذف المستعمِر بِولادي.. أوف أوف  للجوع الطاغي"
"يا ويلُه المستهتِر يابلادي.. أوف أوف ويا ويلو الجاني"
"أنا ساكت يا بلادي.. أوف أوف وفي قلبي جمرة"
"وخلفي الأُفق الحالك يا بلادي.. أوف أوف وتكمُن الثورة"
"ما عُدْنا نِتحمَّل يا بلادي.. أوف أوف والآلام المُرَّه"
"في جوفِ المستقبل يا بلادي..  أوف أوف ودولتنا الحُرَّه"

فجأة قام أبو مازن من مكانُه متملمِلًا ولم ينجح بحبس بكائه وبَكَتْ أم مازن معاه وبكيتُ معهم، وخيّم على المكان لحظات حزينة، وبدا عليهم وكأن عجلة الزمان عادت معهم ستّين عاما إلى الوراء.
وقالت ام مازن: "بعد ما غنّينا هاي الأغنية بِكْيَتْ الناس تَشِبْعَت".

قد يهمّكم أيضا..
featured

فوضى السلاح بمسؤولية الحكومة مباشرة!

featured

مشروع ضمّ المنطقة (ج)!

featured

الدكتور مرسي والموقف المخزي

featured

مقالات في الذات والآخر: الخيال الذي نعتقده واقعا

featured

نتنياهو وأردوغان، حملتان مكارثيتان

featured

سنفتقدك... وسينتصر شعبك

featured

البرازيل: "لا" كبيرة للإستيطان..

featured

هل ترسم رسالة البغدادي خطوط الاستنزاف؟