مما لا شك فيه ان الرياضة، على شتى انواعها، كرة قدم، كرة سلة، جمباز وغيرها، أصبحت مقياسا هاما يعبر عن تطور الامم والشعوب وعن مستوى حضارتها.
في القرن الماضي، لعبت الرياضة دورا هاما في الصراع الطبقي العالمي الذي اخذ شكل الصراع بين المنظومتين العالميتين المنظومة الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية والمنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي.
تعتبر لعبة كرة القدم اللعبة الشعبية الاولى والاكثر شيوعا في العالم، مليارات من بني البشر يعشقونها وبالذات الفقراء وعامة الشعوب.
اصبح لكل دولة وكل شعب منتخب يلعب باسم هذه الدولة او هذا الشعب، يرفع علم الدولة او علم الشعب الذي لم يحقق الاستقلال بعد مثال شعبنا العربي الفلسطيني.
لذلك ليس غريبا ان نلاحظ صراعات جدية بين الدول صاحبة الامكانيات المادية، المالية لاستضافة عرس كرة القدم العالمي، المونديال، مهرجان كأس العالم.
في اسرائيل "واحة الديمقراطية" في الصحراء الشرق اوسطية "الدكتاتورية" كانت لعبة كرة القدم تعبر عن "العزة" القومية. كان منتخب كرة القدم يلعب من أجل "العلَم". وكانت الدولة ترعى المنتخب ماديا ومعنويا وتستغله لأغراضها واغراض الحركة الصهيونية لتبييض وجه اسرائيل العنصري، ولإثارة النعرة القومية بين الجاليات اليهودية في العالم، لحثها على ترك وطنها والهجرة الى اسرائيل ولجمع التبرعات المالية من الاغنياء اليهود.
كانت فرق كرة القدم تعبر بشكل عام عن الانقسام السياسي والى حد ما عن الانقسام الطبقي في المجتمع الاسرائيلي.
لنقابة العمال الهستدروت المرتبطة بحزب المباي ثم حزب العمل، فرقها الرياضية المنضوية تحت منظمة هبوعيل.
لكبار الرأسماليين والصهيونيين لهم ايضا فرقهم الرياضية المنضوية تحت منظمة مكابي.
اما لحزب الحيروت ولليمين المتطرف فلهم فرق رياضية تنضوي تحت منظمة بيتار. كان وما زال رمز هذه الفرق، فريق بيتار القدس الذي لم يلعب في صفوفه لاعبون عرب حتى الآن.
في الخمسينيات وبداية السيتنيات من القرن الماضي، لم تكن فرق كرة قدم جدية في الوسط العربي، لأن منظمة هبوعيل التابعة للهستدروت لم يكن لديها نشاط يذكر في الوسط العربي وكل ذلك من منطلقاتها العنصرية تجاه الجماهير العربية.
لكن بعد فتح صفوف الهستدروت امام العمال العرب رويدا رويدا، شنت معارك جدية بقيادة الشبيبة الشيوعية والحزب الشيوعي من أجل اقامة فرق كرة قدم وايجاد ملاعب كما حدث في ام الفحم وغيرها.
مع تطور الرأسمالية في اسرائيل وبالذات انتهاج سياسة الخصخصة، بعد فوز حيروت – الليكود وتسلم السلطة، رئاسة الحكومة، تم خصخصة كل مجالات الحياة الاجتماعية، الثقافية والرياضية. الدولة، ونقابة العمال الهستدروت رفعت ايديها وسلمت هذه المجالات الهامة للقطاع الخاص لكبار الرأسماليين، وللفارين من العدالة في بلادهم. كما هو حال الملياردير غايدامك، الذي اراد من وراء "دعم" الرياضة وشراء فريق بيتار القدس، تبييض سمعته والوصول لرئاسة بلدية القدس، ومن ثم رئاسة الحكومة، ولتحقيق هذا الهدف اقام حزبا سياسيا، سرعان ما تلاشى.
المليونير اليهودي الامريكي الشاب المتطرف والمتهور والبعض يقول انه مضطرب او منحل عقليا إغويار، تبنّى او اشترى فريق بيتار القدس لكرة القدم وايضا فريق هبوعيل القدس لكرة السلة، طلع على عشاق كرة القدم العام الماضي، برواية مضحكة مبكية، قال انه دخل قطاع غزة وحقق ما عجزت عنه اسرائيل حتى الآن، حيث وصل الى المكان المحتجز فيه جلعاد شليط، واشتبك مع حراسه، وحرره وعاد بطلا مغوارا. النتيجة كانت انه ادخل عنوة مستشفى الامراض العقلية "الله يشفيه".
اسرائيل لا تختلف من حيث الجوهر عن باقي الدول الرأسمالية في مجال كرة القدم، حيث اصبح هذا المجال مخصْخصا، واصبح جذابا لكبار الرأسماليين ورجال الاعمال، والسوق السوداء، وعالم الاجرام، لجني الارباح، ولغسل الاموال، ولتبييض سمعتهم وصورتهم في اعين الجمهور. ومن ثم الوصول الى سدة الحكم، وطنيا وقطريا ومحليا، واكبر مثال على ذلك رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برسلكوني صاحب احد اشهر الفرق الايطالية أي. سي ميلان.
ابان الصراع السياسي المصري الاخير او الثورة تبين دور جمال مبارك بن الرئيس المخلوع والذي كان سيصبح الوريث لوالده في مجال كرة القدم، وكل ذلك لكسب عشاق كرة القدم المصرية وهم كثر، وربما ايضا لتبييض الاموال.
ليس جديدا ان نسمع ونقرأ عن فضائح اخلاقية وادارية وجنائية في عالم كرة القدم، سمعنا عن ذلك في ايطاليا، اسبانيا، رومانيا وغيرها وغيرها. يدور الحديث عن فضائح جدية في الاتحاد الدولي لكرة القدم العالمي... سمعنا عن العديد من الحكام الدوليين الذين غشوا وحسموا نتائج مباريات بناء على صفقات عقدوها مع عالم الاجرام والمراهنات غير القانونية، التي تقدر بمئات ملايين الدولارات واليوروهات.
في هذه الايام تفجرت فضيحة جديدة في عالم كرة القدم الاسرائيلية ما زالت في بدايتها، حيث قامت الشرطة باستجواب رئيس اتحاد كرة القدم، آفي لوزون واصحاب فريق هبوعيل بيتح تكفا ومدربين، ولاعبين محليين واجانب واشخاص مشبوهين. ما زالت التحقيقات في بدايتها وقد تكشف الايام القادمة اشياء كثيرة.
جميع المطلعين، والعارفين في بواطن الامور في مجال كرة القدم يؤكدون حقيقة لا يختلف عليها اثنان، ان المافيا الاسرائيلية، السوق السوداء، عالم الاجرام، لهم اصابع لا بل اياد طويلة في عالم كرة القدم.
الكل يقر ويعترف انه لا يمكن لأي فريق كان ان يصل الدرجة العليا اذا لم يكن يمتلكه مليونير او اكثر، وهؤلاء يشترون، يمتلكون الفرق كأية سلعة او تحفة يتباهون بها، الفرق ان السلعة او التحفة لا توصلك للجمهور الواسع والعريض ولوسائل الاعلام مثل فريق كرة القدم.
من الواضح ان مجتمعا احتلاليا متطرفا كما هو المجتمع الاسرائيلي الرأسمالي المتطور لا يمكن له ان يبقي الرياضة، الفن والابداع بعيدا عن امراضه، ولذلك لا نبالغ حين نقول امراض كرة القدم هي في اساسها انعكاس لأمراض النظام في اسرائيل ولاحتلاله.
لا يوجد سور صيني ليفصل بين المجتمع اليهودي الاسرائيلي والوسط العربي في جميع المجالات السياسية، الاخلاقية، الرياضية، والاجتماعية، الوسط العربي يتأثر كثيرا من المجتمع الاسرائيلي، وربما يؤثر قليلا جدا على المجتمع الاسرائيلي.
في مجال كرة القدم يوجد لاعبون عرب في المنتخبات، الشبيبة، الكبار، وللوسط العربي "سفير" في الدرجة العليا لكرة القدم، ابناء سخنين الذي صمد في نهاية الموسمين الماضيين بشق الانفس ولم يهبط من الدرجة العليا.
هناك فرق عربية في كل الدرجات بعد العليا في الممتازة وبالذات في الدرجة الثالثة، الثانية، الأولى.
الشيء المشترك لهذه الفرق انه بدون تمويل السلطات المحلية، وبالاساس بدون تمويل رجال الاعمال العرب لا يمكن لها ان تستمر وتصمد، وكلما كان الفريق في درجة اعلى زاد اعتماده على الرأسماليين ورجال الاعمال العرب.
البعض يتحدثون عن تبرعات "ورعاية" بعض عائلات السوق السوداء العرب لبعض فرق كرة القدم العربية.
في ظل تخلي مؤسسات الدولة عن دعم الرياضة عامة وخاصة في الوسط العربي. في ظل عدم قدرة السلطات المحلية العربية على تبني فرق كرة القدم العربية، بسبب اوضاعها المالية الصعبة، اصبحت التربة جاهزة امام رجال الاعمال العرب للسيطرة على مجال كرة القدم.
وايضا اصبح المجال ملائما امام السوق السوداء، وسوق المراهنات غير القانونية للدخول، وربما السيطرة على مجال كرة القدم العربية.
في العقود الاخيرة ازداد تأثير الرياضة وبالذات كرة القدم على الحياة السياسية والاجتماعية في الوسط العربي.
مثلا الكثيرون يعتقدون انه لولا سطوع نجم مازن غنايم كمدير لفريق ابناء سخنين محليا وفي الوسط العربي وقطريا، كانت احتمالات وصوله لرئاسة البلدية اقل. وهذا الامر ليس حكرا على مازن غنايم.
عضو الكنيست ورئيس بلدية الطيبة المرحوم رفيق حاج يحيى، عرف جيدا ما اهمية الرياضة وخاصة كرة القدم، ولذلك عمل على وصول فريق هبوعيل الطيبة الى الدرجة الممتازة وهي اعلى درجة كانت في ذلك الوقت.
احد الاشخاص المعروفين في عالم كرة القدم العربية المسؤول عن الرياضة في بلدية الناصرة ابو ماهر علي سلام القائم بأعمال رئيس بلدية الناصرة، فهم ويفهم اهمية الرياضة واهمية فريق مكابي ابناء الناصرة، الحركة الاسلامية فهمت اهمية كرة القدم جيدا فأقامت دوري قطريا لكرة القدم، دوري اسلاميا.
الرياضة، وبالذات كرة القدم العربية تعاني من ازمة خانقة، فهي تعاني كما تعاني الرياضة من السياسة الحكومية التي تفضل المدفع، والمقاتلة والاستيطان على الملاعب، وكرة القدم، والجمباز وغيرها.
ومن الناحية الاخرى تعاني من التمييز في مجال الرياضة وكرة القدم كأقلية قومية عربية فلسطينية من مواطني اسرائيل.
بناءً عليه، من يغر على الرياضة وعلى كرة القدم في الوسط العربي عليه عدم عزلها عن السياسة، من يرد تطوير الرياضة وكرة القدم في الوسط العربي، عليه ربطها بالسياسة والنضال من اجل المساواة والسلام وكنس الاحتلال.
من يرد تطوير الرياضة وكرة القدم العربية خاصة، لا يمكنه الاعتماد فقط على رجال الاعمال العرب وانا لا اشكك في نواياهم أبدا الا ان النوايا الحسنة قد تقود الى جهنم وفي موضوعنا، هذه النوايا الحسنة قد يستغلها اصحاب النوايا غير الحسنة، من السوق السوداء وعالم المراهنات والاجرام العرب واليهود، فكما يعلم الجميع تركيبة عالم الاجرام والسوق السوداء والمراهنات غيير القانونية، تركيبة اممية يهودية عربية.
(بئر السبع)
