على كل الذين"ينظّرون"ويدّعون المعرفة والذكاء ويريدون حقا ان يعرفوا ويتأكدوا او يستفسروا، عن الدور الايجابي والمبدئي والبطولي الذي لعبه الشيوعيون العرب واليهود، في بقاء قسم من الشعب العربي الفلسطيني في وطنه، فما عليهم الا ان يقرؤوا ويطّلعوا على ذلك الكتاب الذي صدر منذ زمن ليس ببعيد باللغة العبرية ومأخوذ من ملفات المخابرات الاسرائيلية قبل وبعد قيام اسرائيل. واسم ذلك الكتاب "عرب جيدون " ومؤلفه يدعى "هيلل كوهين " ويلقي ضوءا غير مسبوق بدقته وباسماء على معظم المتعاونين والفسادين والجواسيس والعملاء والمحرضين ضد الشيوعيين، وكيف كانت المخابرات الإسرائيلية تجندهم لمحاربة الشيوعيين والاعتداء عليهم، لانهم كانوا الوحيدين الذين ناضلوا ضد الحكم العسكري الرهيب والبغيض الذي كان مفروضا على الاقلية العربية ردحا من الزمن يزيد عن العشر سنوات، وقد كنت من اولئك الذين عاشوا تلك الفترة التي كانت اسوأ واصعب فترة عشتها في حياتي "الطويلة ". ان الذي دعاني او بالاحرى اجبرني على كتابة هذه المقالة المتواضعة هو لالقاء القليل من الضوء على نضال الشيوعيين وشجاعتهم بالتصدي للحكم العسكري الذي كان يتحكم بكل شيء في حياة الاقلية العربية، في تصاريح السفر الى التحكم باماكن العمل وخاصة بمعلمي المدارس والمخاتير والموظفين في مختلف المجالات حكومية كانت ام خصوصية.
وقد لعب الشيوعيون دورا رئيسيا وفي اخطر الاوقات لاقناع شعبنا بعدم ترك الوطن والبقاء فيه والتمسك بالبيت والارض، وعدم الاستجابة والاذعان الى بعض الاذاعات العربية "القومجية" التي كانت تدعو الى مغادرة البلاد والهجرة الى الخارج"خوفا عليهم من المعارك التي ستخوضها جيوشهم دفاعا عن فلسطين " بينما الحقيقة المرة لتلك الاذاعات والقائمين عليها، كانت لتنفيذ مؤامرة استعمارية "عربية" صهيونية لتفريغ البلاد من سكانها الاصليين وجلب يهود البلاد العربية ليحلوا محل السكان الاصليين وليس من الاتحاد السوفييتي،كما يدعي "القومجيون" وحاملو لقب "الدكتوراة" والمفكرون منهم الذين يتطاولون ويتهمون الشيوعيين بشتى الاتهامات الكاذبة والدنيئة والخسيسة، بينما كان الشيوعيون رأس الحربة بالتصدي للسلطات العسكرية التي كانت تطلق لقب "المتسللين"، على كل شخص كان يتجرأ على الرجوع الى بيته متحديا كل المخاطر عند عبور الحدود الشمالية من لبنان الى حدود الدولة العبرية، وانا كنت واحدا من هؤلاء "المتسللين " الذين طردوا من بيوتهم في حيفا على ايدي قوات "الهاجانا" لاني كنت ساكنا مع عائلتي في حي قريب جدا للاحياء اليهودية، وعندما رجعت "كمتسلل" الى قرية المغار مع عدد من سكان تلك القرية ،حضرت قوة عسكرية وطوقت القرية والقت القبض على كل من ليس عنده قسيمة تسجيل السكان والقت بنا الى قرية "زبوبا" القريبة من جنين، وقد رجع معظمنا بعدئذ وحصلنا على هويات حمراء وبفضل نضال الشيوعيين ومحامي الارض الرفيق حنا نقارة حصلنا على هويات زرقاء وهكذا اصبحت "مواطنا معترفا به "
يقول "هيلل كوهين " في كتابه "عرب جيدون"ان الشيوعيين هم الوحيدون الذين ناضلوا ضد الحكم العسكري وكثيرا منهم فقدوا وظائفهم لانهم كانوا اعضاء في عصبة "التحرر الوطني"، وكل من طلب او اراد الرجوع الى وظيفته بعد قيام الدولة كان يطلب منه التوقيع على"وثيقة "بعدم التعاون مع الشيوعيين او التصويت لهم في الانتخابات وعدم قراءة جريدة "الاتحاد"، وقد تعرض الكثير من اعضاء الحزب الشيوعي للاعتداء من القومجيين والجواسيس والمتعاونين، وانا كنت واحدا من الذين اعتُدي عليهم بضربة رأس سببت لي جرحا عميقا وسُجل الاعتداء من قبل "مجهول" لان المعتدين كانوا ملثمين .
ولتذكير جيلنا الجديد الذي لم يعايش تلك الفترة ان "سيادة المطران حكيم" مطران الروم الكاثوليك في الدولة العبرية وكان مركزه في حيفا كان له دور كبير بمحاربة الشيوعيين "الملحدين الكفار"الخارجين عن الكنيسة واقام جمعية مسيحية كان اسمها "الرابطة "لمحاربتهم وهدد ابناء طائفته بعدم عقد قرانهم اذا كانوا اعضاء في الحزب الشيوعي او من المؤيدين لهم لأنهم كافرون وملحدون، وكان ذلك المطران من المتعاونين والمؤيدين للحكم العسكري ولجميع النواب "العرب" المتعاونين مع المبادئ والاحزاب الصهيونية الاخرى، كما كان من المتحالفين مع تلك الجماعات ومع الحكم العسكري ضد نضال الشيوعيين. وفي زمنه اعتدى قسم من جماعته في عيلبون على نادي الشبيبة للحزب في تلك القرية الجليلية ونتيجة لحرق ذلك المقر قتل شاب من عائلة زريق، وهذه الحادثة مذكورة في كتاب كوهين "عرب جيدون" وانا من الذين يتذكرون تلك الحادثة لاني كنت ساكنا في قرية المغار بعد
رجوعي "كمتسلل"الى الدولة العبرية، وكنت من الذين ذهبوا لتقديم العزاء الى عائلة زريق في تلك القرية التي طرد جميع اهلها الى لبنان بعد قتل عدة شبان بدم بارد وبدون اي سبب.
وعندما صدر قرار التقسيم سنة 1947 طالب الشيوعيون بالموافقة على ذلك القرار حتى ولو كان مجحفا بحق السكان الاصليين العرب منعًا لسفك الدماء ومن اجل البقاء في الوطن ،فقامت قيامة الاوساط القومجية وتجار الدين والوطن متهمين الشيوعيين "بالخيانة والتعاون والعمالة " بينما هم تاجروا وتآمروا وباعوا اوطانهم بابخس الاثمان" وهاهم الآن "يسحلون "على بطونهم بعد ستين عاما من قرار التقسيم يستعطفون حكام اسرائيل بالموافقة الى الرجوع لحدود الرابع من حزيران 1967 والى دولتين لشعبين بينما هذا الشعار رفعه الشيوعيون بعد قرار التقسيم مباشرة سنة1947.فمن هم الخونة والمتعاونون ايها القومجيون واصحاب القاب الدكتوراة والمفكرون الذين يصطادون بالماء العكر، ولكن مثلنا العربي الشعبي يقول: "اللي بستحوا ماتوا"
لكني اتجرأ واقول العكس انهم ما زالوا احياء ويتعاونون وباقين على مهنتهم القديمة التعامل والتآمر ويستمرون بمهنة آبائهم واجدادهم المذكورين في كتاب هيلل كوهين "عرب جيدون "ومثلنا الشعبي يقول:"البيت مدرسة، ومن شب على شيء شاب عليه ".
وتأكيدا لما كتب في هذه المقالة المتواضعة اسوق هذه الحادثة البسيطة التي حصلت لي شخصيا.. "بعد "الهجيج "يعني الفرار او الطرد من الوطن سنة 1948 رجعت الى قريتي"عين ابل"في جنوب لبنان تاركين وراءنا في حيفا كل شيء سوى ثيابنا وبعض ما توفر في عملنا في فلسطين الانتدابية لاني كنت اعمل سائق سيارة في الجيش البريطاني مع معاش محترم نوعا ما .
قريتي "عين ابل" كانت تعج باللاجئين من شمال فلسطين والجليل لانها حلقة وصل في المواصلات بين فلسطين ولبنان ،وكانت ترابط في قريتي فرقة مما كان يسمى "جيش الانقاذ"بقيادة "فوزي بيك القاوقجي "لا اعرف كم من الناس يعرفون او يتذكرون ذلك الاسم وقريتي "عين ابل"تبعد فقط خمسة كيلومترات عن "بنت جبيل " التي كانت مركز قيادة "جيش الانقاذ" الذي كان مسجونا به قسم من رفاقنا الشيوعيين في الجليل الذين وزعوا مناشير داعين المواطنين للبقاء في الوطن وعدم تصديق بعض الاذاعات"العربية والقومجية" وبينما كنت في نقاش مع بعض اللاجئين الذين وصلوا الى قريتنا محاولا اقناعهم بالرجوع "كمتسللين"الى الوطن وعدم السفر الى صور او صيدا او بيروت لانهم سيصبحون لاجئين الى الابد،ويا ليتنا وافقنا على "قرار التقسيم "واذا بيد تمتد الى رقبتي وتشدني من قميصي وتسحبني بقوة خارج حلقة النقاش، وعندما ابتعدنا عن الحلقة عدة امتار وكان الوقت ليلا لم استطع ان اعرف ذلك الشخص الذي بادرني بكلام قاس طالبا مني ان اكف عن ذلك الكلام والنقاش لان القرية تعج بجنود "جيش الانقاذ" الذين كانوا يعتقلون كل انسان يتكلم في السياسة وخاصة الشيوعيين .وكان ذلك الرجل معتقلا في "بنت جبيل" لعدة ايام تحت التهديد والضرب وقد آراني بعض علامات الضرب على ظهره قائلا لي" سكر نيعك واذهب الى بيتك" والا سيكون مصيرك كمصير عدة معتقلين في "بنت جبيل" وتركني متوجها الى فلسطين ليصبح متسللا في قاموس الحكم العسكري وحكام الدولة العبرية وفي قاموس المتعاونين من "العرب الجيدين" اجداد المتطاولين على اشرف بني البشر من شيوعيين ويساريين وامميين امثال تشي جيفارا فيدل كاسترو هوجو شافيز و ايفو موراليس اميل توما صليبا خميس حنا نقارة ،توفيق طوبي وغيرهم الكثير الكثير من الجنود المجهولين الذين ناضلوا وقاتلوا ولا احد يتذكرهم لانهم لم يكونوا من "ابناء العائلات والوجهاء " بل من عامة الشعب الفقير الكادح الذي "في النهار يكدحون ويبنون القصور وفي الليل يلتحفون الارض وينامون بين القبور".
بعد رجوعي"كمتسلل" والحصول على هوية حمراء وبعدها على زرقاء، وبينما كنت مرة ساهرا في احدى " مضافات "المغار انتبهت لشخص كان يراقبني كثيرا بعد سماع صوتي ولهجتي العربية فاقترب مني وسألني اذا كنت من هذه القرية فكان جوابي له بالنفي، قلت له باني من احدى قرى جنوب لبنان تدعى"عين ابل" حينئذ سألني :اتذكر ذلك الرجل الذي شدك من قميصك واخرجك من حلقة النقاش السياسي قبل حوالي السنة،قلت له نعم اتذكر،فما كان منه الا ان عانقني قائلا انا هو ذلك الشخص من عائلة بشارة من قرية ترشيحا وكان من نشيطي"عصبة التحرر الوطني"التي ناضلت ودعت الناس الى عدم ترك بيوتهم واوطانهم وعدم الانجرار وراء "القومجيين وتجار الدين والوطن" وكان لرفاق عصبة التحرر الوطني دور حاسم في عدم ترك او هجرة اهل الناصرة وليس كما يدعي تجار الدين ان الفاتيكان كان له دور في بقائهم ومنهم المرحوم الرفيق صليبا خميس والاستاذ حنا ابو حنا واحد اصدقاء العصبة الذي اصبح بعد ذلك رفيقا في الحزب حسين ابو اسعد ومعظم اصدقاء العصبة والشيوعيين في تلك الفترة من ايام نكبة شعبنا العربي في فلسطين.
وفي محاولة بائسة وفاشلة لضرب الشيوعيين ومحاولة القضاء على تنظيمهم او اضعافه سمحوا لبعض القومجيين امثال محمد نمر الهواري الذي كان قائدا لتنظيم قومجي يدعى "النجادة" وقد ارجعوه الى الدولة العبرية في سنوات الخمسين ظنا منهم ان ماضيه
"القومجي " سيساعده على التغلب على الشيوعيين ونضالهم وطلبوا منه تنظيم حركة سياسية ضد الشيوعيين لكنه فشل فشلا ذريعا، فاصبح حاكما واسمه ونشاطه "القومجي"مذكور في كتاب"هيلل كوهين" "عرب جيدون" كباقي كل المتعاونين والجواسيس ولا داعي للرد على اولئك القومجيين وتجار الدين والاوطان وخاصة على ذلك الاكاديمي من موديل آخر زمان الذي يدعي بعدم التصدي للشيوعيين لانهم كانوا مرضيا عنهم، وكل من يريد المعرفة عن تلك الحقبة السوداء من فترة الحكم العسكري فما عليه الا قراءة ذلك الكتاب المأخوذ من ملفات المخابرات زمن الانتداب الى يومنا هذا. واذا كان حقا يفتش عن الحقيقة والمعرفة وليس الاصطياد في المياه العكرة وتأجيج الافكار المذهبية والطائفية والمد اليميني الذي يرفع رأسه في كل العالم من جديد سببه عدم وجود دولة مبدئية يسارية قوية تساعد الحركات اليسارية وتحتض الثوار الامميين جميعا مثلما كان الاتحاد السوفييتي الحضن الحصين لأولئك الثوار.
( حيفا)
