يقول المثل الشعبيّ "إللي ما إلو شانس لا يروح ولا يجي" وكلمة"شانس" انجليزية معناها حظ وقد دخلت لغتنا المحكية أيام الانتداب البريطاني البغيض الذي ربض على صدر شعبنا ثلاثين عاما وتآمر على الشعب والوطن.
تذكرت هذا المثل، على الرغم من انّي لا أؤمن به، بعد ان شاركت مستمعا في الاسبوع الماضي في احتفالين في مدينتين وفي مناسبتين عزيزتين أولاهما مناسبة سعيدة مفرحة وثانيهما ذكرى شخصية وطنية كبيرة، وخرجت بعد نهاية الحفلين مرهقا متعبا بعد ان سمعت اربعة عشر خطيبا في الحفل الاول وأربعة وعشرين خطيبا في الحفل الثاني. وكان المتكلمون رجالا بشوارب محفيّة وبشوارب مهندسة ومهندمة فقط لا غير وكأن الوطنيّة ذكوريّة وكأن الخطاب ذكوريّة ايضا منذ قس بن ساعدة الايادي حتى الشيخ حسن نصرالله وقد قلت في سرّي ساخرا: يبدو انه لا توجد في شعبتا امرأة وطنيّة قارئة كاتبة تستطيع ان تعلو المنابر او انه لا توجد سيّدة تعشق سيبويه مثل هؤلاء الذكور من ذريّة ابي الاسود الدؤليّ الذين لا يلحنون.
وأصارحكم بانه بعد ان جلست ساعات على الكرسي مشدودا مشدوها بالبلاغة وبالفصاحة وبالتعابير الانشائية المنمقة وبالوصف وبالسجع وبالاستعارة وبالكناية وبالترصيع تأوّه عمودي الفقري وتأخأخت ساقاي ولولا الحياء لقلت لكم ما حدث ل... شو هالقعدة؟ وأمّا الوقت المهدور المسفوح المستباح فلن اتحدث عنه لاننا من قوم يؤمنون بان "يوم الطاحونة يوم" وهذا الذي اسمه وقت هو كلب جعاري اجلّكم الله.
هل نحن شعب كلمنجي؟وهل نحن شعب يبدد طاقته في تنميق الكلام وتزويق الكلام وتجميل الكلام واطالة الكلام بكلام؟
لماذا نعاقب الحاضرين المستمعين الذين تفضلوا وغامروا وحضروا الحفل وتركوا اعمالهم ومكاتبهم وبيوتهم وساعات راحتهم بخطب رنّانة طنّانة ذات معنى واحد، ومغزى واحد، وفكرة واحدة ؟ لماذا لا نرحمهم ونشفق عليهم حتى يعودوا مرة ثانية وحتى لا نقول "وين الشعب العربي وين؟"؟
ألا يكفي ثلاثة خطباء، وفي القلب خطيبة، في أي احتفال أو مناسبة يقولون كلاما فيه فكر وفيه رأي وفيه متعة. بدون زخارف لغوية وبدون جعجعة وبدون "طق حنك"
وبدون "كلام فاضي" وبدون انا..انا..انانية؟!
لماذا علينا ان نقضي ساعتين او ثلاث ساعات او اربع ساعات في الاستماع الى كلام الكلمنجيّة في حين اننا نستطيع ان ننهي أي احتفال بإتقان وبكمال وبالصلاة على النبي في ساعة واحدة؟
اعرف ان هناك اشخاصا كلمنجيّين يحبّون المنابر وإذا إعتلوها ينسون الجمهور وينسون الوقت وينسون انفسهم ويطيرون ويحلّقون في الفضاء اذا حدث تصفيق لهم وانهم يغتصبون المناسبات وان الخطابة بالنسبة لهم قضية حياة او موت.
واعرف اننا القينا مئات الخطب بل آلاف الخطب معنمدين على الجناس والطباق والاستعارة والسجع من اجل نحرير القدس ومن اجل عروبتها وفلسطينيتها وضد تهويدها ولكن هذه الخطب امّحت وتلاشت في هدير البولدوزرات الاسرائيلية ورنين الدولارات الصهيونية وكل ما جنيناه هو استقالة وزير شؤون القدس في السلطنة الوطنية الفلسطينية.
وأعرف اننا تسابقنا في ذمّ جدار الفصل العنصري شعرا ونثرا ولكن هذا النثر وهذا الشعر لا يعادل دقيقة من مظاهرة في نعلين او بلعين.
انا انسان صناعتي الكلام. ولا اقلل من قيمة الكلمة الفنيّة بل اقدسها واقدّر دورها ومساهمتها وفعلها ولكنني امقت واكره الثرثرة والكلام التافه الفارغ.
ارحمونا!!!
لا تمتهنوا الكلام!!!
انقذونا من الكلمنجيّ!
