الظروف تغيّرت...

single

لم أخلق في تركيا ولا في الإنجليز بل خلقت مثلهم في إسرائيل. وإسرائيل هنا هي تاريخ وليست جغرافيا. ونحن نحبّ أن نؤرّخ بها مثلما نؤرّخ بالإنسان. يقول الناس خلقت في إسرائيل وهم يقصدون الزمان أي بعد 1948 ولا يعنون المكان نفسه. ويقولون خلقت في الإنجليز والقصد زمن الانتداب البريطاني... إسرائيل تكبرني باثني عشر عامًا. ومانراه فيها وما نسمعه لا يسرّ القلب ولا يثلج الصدر ولا يقرّ العين!
كانت البداية جميلة، وحلوة رغم مرارتها طيّبة مثل مرار العلت كما يقول طه محمد علي (أبو نزار) رحمه الله. كانت البداية في الحارة القديمة في كابول في أعلى التلّة، بجانب الجامع القديم. والجامع القديم لا يبعد عن بيتنا إلا بضعة أمتار. هناك كنا نلعب وهناك قدّام الجامع كنا ننتظر المؤذّن كلّ رمضان حتى يعلنها "الله أكبر" فنركض وأقدامنا أعلى من رؤوسنا إلى أهلناونحن نقول بصوت واحد بأعلى ما تصل إليه حناجرنا الصغيرة أذّاااااان!" فنفطر ونستمتع بالفطور وإن كان على بصلة. هناك فوق البيادر المباركة كان يُسعدنا التمرّغ على التراب وقضاء النهارات الطويلة بحثًا عن عشّ هنا أو هناك لنتزفّر. وبعض النهارات الأخرى نقضيها نسرح ببعض رؤوس المعزى نركض وراءها كالسعادين نحن وهي... هناك درجت خطواتي الأولى وتدحرجت ونهضت حتى تدرّجت في مراتب الأكاديميا ووصلت إلى أعلاها وأرقاها. هناك حبوت حتى حباني الله بالقوّة والمنعة والفتوّة. هناك تدرّجت من مدارج السقاية والتحطيب. وهي السقاية التي علّمتني الغوص والبحث في العمق وهو التحطيب الذي أرشدني إلى معاني الصبر والجلد، وكلها أوصلتني حيث وصلت. لا تُخجلني السقاية ولا يربكني التحطيب. ما كنا نعرف المياه الجارية في المواسير. فكنا نستقي من الآبار منها ننشل حاجتنا للطعام والغسل والغسيل. وما كنا نعرف الكهرباء الجارية في أسلاك. فكنا نملك قنديلا صغيرًا نضيء به عتمتنا في الليالي المظلمة. وكان عندنا "لوكس" لا نضيئه إلا وقت الحاجة. وما كنا نعرف الغاز الجاري في المواسير، فكنا نستعين بالحطب نتدفّأ به ونطبخطعامنا المتواضع في القدور النحاسيةذوات الحَلَق.
كان هذا بعض البداية. والبداية حلوة بفقرها لا تخلو من هدأة بال رغم ما فيها من شدّة وعُسرة. وظللنا على هذا النحو حتى انتقلنا من قلب القرون الوسطى إلى عصر النانو مع القرن الحادي والعشرين وبدأنا نرى ما نراه!وما نراه ونسمعه لا يسرّ القلب ولا يثلج الصدر ولا يقرّ العين... هل ما يفعله بعض الآباء والأمهات صحيح حين يُغدقون المال على أبنائهم وبناتهم الطلبة بغير حساب ولا سؤال؟ هل هذا صحيح أخلاقيًا وتربويًا واجتماعيًا وسياسيًا حتى وإن كانوا يملكون خزائن قارون،وأكثرهم على فكرة ليسوا قارون ولا ابن عمه؟ هل هذا صحيح؟ هل هذا صحيح أن يشتري الواحد منّا سيارة لابنه الذي يدرس في رومانيا أو ألمانيا أو في أيّ مكان آخر وهو الذي يموت ستين ميتةً في العمار أو القصارة ليجمع مصاريف الدراسة لابنه؟!هل من المعقول أن يشقى هو كلّ هذا الشقاء ليسافر ابنه الذي يدرس في رومانيا إلى إفريقيا ليرتاح أسبوعين في غاباتها بعد ضغط الامتحانات الفصلية؟وهذا الكلام ليس تجنيًا على أحد بل سمعته بأذني الاثنتين. هل هذا معقول وهو نفسه لم تصل قدماه المتشقّقتان أبعد من الخضيرة حيث يعمل في العمار منذ عقود؟!من الملوم ومن المحقوق هنا هو صاحب القلب الرقيق والأصابع الغليظة أم ابنه الذي يملك قلبًا(خافقًا) من خزف مثلما يقول الشاعر الصديق حسين مهنا؟ أم أنّ ما أقوله أصلا يدخل فيباب التخلّف وضيق العين والثرثرة الفارغة؟! فالظروف قد تغيّرت والناس الذين باتوا في قلّة أصبحوا في كثرة. وبارك الله في البنوك التي لا تنهر سائلا ولا تحرم محتاجًا!
... لكنّ الكثرة قد تُبطر!

قد يهمّكم أيضا..
featured

إضراب شعب أصيل<br>(ملاحظات عن استراتيجية متشرذمة)

featured

النكبة تستحق تخليدًا وتوثيقًا

featured

عبقرية مصر - في خمسة أيام

featured

رثاء الصّديق علاء

featured

وحدة صف الجماهير العربية في إسرائيل هي المستهدفة

featured

خيَال المشنوق وثقافة السكين

featured

لمواجهة الفلتان العنصري الداشر