لا حل ديمقراطيا مع الأسد ولا حل وطنيا بدون فاروق الشرع!

single

أي جردة حساب منطقية مع العام المنصرم من عمر الانتفاضة السورية تبين حقائق صارمة لم يعد ممكنا إخفاؤها وراء أي سبابة أو إبهام:


أولا:
إن الانتفاضة بدأت منذ ساعاتها الأولى مسلحة حتى الأسنان، ولم يكن التسلح مجرد رد فعل على إجرام السلطة وأجهزتها الأمنية، أو لمجرد الدفاع عن النفس، كما تقول سردية الرواية السائدة الآن إعلاميا وسياسيا، والتي تنطوي إما على جهل فاضح أو كذب سافر مجبول بخبث الطوية. والدليل على ذلك ليس فقط ما كشفه هيثم مناع منذ لحظاتها الأولى عن ثلاثة عروض لتزويد المعارضين بالسلاح، ولا ما كشفه الشيخ الضرير أحمد الصياصنة بعد خروجه إلى السعودية عن أن الجامع العمري في درعا استخدم منذ الأيام الأولى للانتفاضة مستودعا للسلاح ضد رغبته الشخصية، وحسب؛ بل أيضا عدد من المجازر التي ارتكبت من قبل المسلحين، وأبرزها المجزرة التي اقترفها مسلحون في درعا خلال الأسبوع الأول من الانتفاضة وراح ضحيتها خلال أقل من ساعة أكثر من خمسين شهيدا من الجيش والقوى الأمنية المرابطة في محيط المدينة، وجرت عملية "تواطؤ" بين السلطة والأهالي لعدم الحديث عنها إعلاميا. وكان موقع "الحقيقة" كشف عنها قبل يومين للمرة الأولى. هذا فضلا عن الجرائم التي ارتكبت بحق قافلة المبيت في بانياس، و الجريمة الوحشية الشهيرة التي ارتكبها مسلحو "تنسيقية حماة" بحق عناصر مخفر شرطة "حي الحاضر" حين جرى ذبحهم من الوريد إلى الوريد ونقلهم بسيارة " بيك آب" قبل إلقائهم من فوق جسر الضاهرية (جسر كازو) في نهر العاصي.

 

ثانيا:
إن الجسم الرئيس للانتفاضة، ورغم  مظاهر التسلح المنظمة التي رافقتها منذ ساعاتها الأولى، ورغم الدخول الطفيلي للإسلام الأخواني والأصولي على خطها باكرا (مقنّعا في البداية وسافرا بعد ذلك)، ظل محافظا على طابعه "المدني" و "الوطني" حتى شهر حزيران على الأقل. وبعد ذلك بدأ يتحول إلى "ثورة إسلامية سنية في مواجهة نظام علوي" بفعل دخول القوى الأخوانية والأصولية الأخرى إلى الساحة وهيمنتها على الشارع. ولا أدل على ذلك من أن الكيانين الأساسيين الناطقين باسم القوى الناشطة على الأرض ("لجان التنسيق المحلية" و "اتحاد التنسيقيات") كانتا منذ لحظتهما الأولى مجرد ذراع للأخوان المسلمين ومشتقاتهم وتنويعاتهم. ولا يغير من حقيقة هذا الأمر وجود شخص مثل ياسين الحاج صالح في صلب الهيئة الأولى، خصوصا بعد تحولاته "الفكرية" والسياسية التي أصبحت نوعا من " الليبرالية الوهابية"!

 

ثالثا:

كان الكذب والمماطلة والتسويف والخداع العناوين الرئيسة لسلوك السلطة منذ البداية؛ أي منذ اللحظة الأولى التي قررت فيها التعامل مع قضية "فتيان درعا" باحتقار وبطريقة أمنية. ولا أدل على ذلك من أمثلة بسيطة تشكل قرائن دامغة على أن جوهر سلوك السلطة هو اللعب لكسب الوقت، وعدم رغبتها على الإطلاق بإجراء أي تحول أو تغيير فعلي في آلية اشتغال النظام والدولة. فهي مثلا :
ـ ظلت رافضة لأي صوت آخر يخرج من وسائل إعلام الدولة (الممول من جيوب الشعب) سوى صوتها وأصوات أتباعها؛ إلا إذا كان يمكن اعتبار قدري جميل ومشتقاته ـ على سبيل المثال ـ صوتا معارضا، وهو القادم من عالم البزنس المالي ـ الأمني؛
ـ ظلت تمارس حملة تهويش وكذب وتشويه بحق القوى الوطنية والديمقراطية الحقيقية، التي تشكل "هيئة التنسيق الوطني" ومشتقاتها عنوانها الأبرز. فلو كان للسلطة أي رغبة حقيقية بالتغيير السلمي بعيدا عن التدويل والتدخل الخارجي، وأي رغبة بفتح باب المشاركة في الحياة السياسية، لكانت سارعت منذ الصيف الماضي على الأقل، وعلى سبيل المثال، إلى تسليم الحكومة لهذه القوى (مع احتفاظها بوزارة سيادية أو أكثر، كوزارة الدفاع والخارجية والداخلية)، وإطلاق يدها بدون قيود أو حدود في عملية التغيير الداخلي الاقتصادية والاجتماعية لصالح الشرائح والطبقات الأوسع في سوريا. ولكان هذا بمثابة خطوة مهمة إلى الأمام تبرز حسن نواياها.
ـ عمدت منذ البداية إلى ممارسة لعبة قذرة جوهرها اعتقال أو تصفية أو "نفي" آلاف الكوادر والقيادات الميدانية الوطنية والديمقراطية والعلمانية، في الوقت الذي أطلقت أيدي الأصوليين "العراعير" في الشارع دون  مضايقة تقريبا، بكل شعاراتهم الطائفية والرجعية القذرة، لا لشيء إلا لتقول للعالم "انظروا ! هؤلاء هم ثوار سوريا"! وكان ذلك بالتزامن مع إطلاق سراح الآلاف من المعتقلين الجنائيين والمجرمين والمهربين وتجار المخدرات وأبناء العالم السفلي ليعيثوا فسادا في الأرض، قتلا وتخريبا. وقد تأكد أن القسم الأكبر من هؤلاء تحول إلى مجموعات إجرامية مسلحة "بغض نظر" من السلطة وأجهزتها الأمنية، وفي أحيان كثيرة "بالتواطؤ" معهم.

 

رابعا:

مع تحول الانتفاضة إلى "ثورة إسلامية مسلحة"، على الأقل في جسمها الرئيسي، أصبح الهاجس الرئيس لممثلي هذه "الثورة"، أي "المجلس الوطني السوري" ومكونه الأساسي  من رموز التحالف الإسلامي ـ الخليجي ـ الأميركي ـ الإسرائيلي، هو إطاحة النظام بوصفه "فردا" يتجلى في شخص بشار الأسد "العلوي"، مع الاستعداد للقبول ببقاء النظام كما هو إذا ما رحل بشار الأسد بشخصه. وليس أدل على ذلك من أن مؤتمر أنطاليا، الذي كان مجرد "بروفا" أو "نسخة تجريبية" لما أصبح لاحقا "المجلس الوطني السوري"، كان أول من طالب (بعدي أنا شخصيا، ولأسباب مختلفة، في مقابلة مع قناة "الحوار" في نيسان من العام الماضي) بتسليم مقاليد السلطة لنائب الرئيس فاروق الشرع. أي أن هؤلاء كانوا، ولا يزالون في الواقع، مستعدين لقبول النظام كما هو بشرط أن يرحل الأسد وفريقه "العائلي". وإلا ما معنى  القبول بالشرع كبديل؟ أوليس هو ابنا أصيلا للنظام!؟

 

خامسا:
لقد أثبت بشار الأسد، ليس طوال سنة الأزمة فقط، بل طوال السنوات العشر الأخيرة، أنه ليس لديه أي نية حقيقية في التغيير، ولا يمكن أن يكون عنوانا حقيقيا لأي تغيير ديمقراطي حقيقي. فهو منذ اللحظة الأولى لوراثته السلطة، أحضر معه فريقا تبين لاحقا أن جميع عناصره، بلا استثناء، هم من رموز عصابات المافيا والمخربين و/أو العملاء لجهات أجنبية. وقد أطلق أيدي هؤلاء طوال السنوات الماضية ليعيثوا خرابا وتدميرا في البلاد، وهو ما أوصلها إلى الكارثة التي نخوَض في وحولها الآن. وهو لم يكتف بذلك، بل سمح ـ بضوء أخضر شخصي منه ـ لكل من أراد منهم الهرب، بعد انفجار الأزمة، أن يهرب خارج البلاد ومعه كل ما سرقه من أموال الدولة (حالة "زلمته" إياد غزال مثلا)! والواقع إن هذا الفريق، وبمعايير المنطق النسبي، أكثر سوءا وإجراما حتى من الفريق الذي كان يعمل مع والده، ودعوا غباءهم جانبا! ومن يكن عنوانا ورأسا لهذا الإجرام والتخريب كله، لا يمكن أن يكون عنوانا ذا مصداقية لأي تغيير ديمقراطي حقيقي.

 

سادسا:

لقد أصبح الانتماء المذهبي للأسد، رغم أنه ـ والحق يقال آخر من يفكر بصفته "علويا" ـ عنوانا لمشكلة جوهرية ومزمنة. وليس أدل على ذلك من أن معظم الوفود "الشعبية" التي قابلته الصيف الماضي، ومن مختلف المحافظات، طرحوا عليه سؤالا يقول "كيف تنظر إلى نفسك ؟ هل تعتبر نفسك علويا أم مسلما"!؟ وهذا ما نشره ممثلون كثر لهذه الوفود على صفحات "فيسبوك" ( وفد بلدة دوما، مثلا).

 

سابعا:

لقد تحول جوهر الأزمة، منذ الصيف الماضي على الأقل،  من " صراع من أجل سوريا" بين أبنائها إلى " صراع على سوريا" بين القوى الخارجية ومعها فريق من أبناء البلد لا يمكن الاستهانة بحجمه. وهذا الفريق يقوم مشروعه على نقطتين أساسيتين : 1ـ إخراج سوريا من المحور المسمى "محور المقاومة والممانعة" و "العداء" النسبي لواشنطن وحلفائها من أجل إلقائها في حضن المحور المقابل الذي تمثله واشنطن وحلفاؤها الخليجون والأتراك؛ بكل ما ينطوي عليه ذلك من تخل عن "المقومات الاستراتيجية" التي تمكنت سوريا من تحصيلها على مدى أربعة عقود بفضل صبر شعبها وتضحياته. والواقع إن جميع التصريحات التي أطلقها رموز وقيادات "المجلس الوطني السوري" ومشتقاته تصب في هذا المنحى. وقد عبر هؤلاء بصراحة عن برنامجهم هذا. 2 ـ إعادة تقاسم الثروة والنفوذ لصالح القوى الاقتصادية والاجتماعية الأكثر ارتباطا بالغرب وحلفائه والأكثر ارتهانا وتبعية له (علما بأن القوى الاقتصادية والاجتماعية المهيمنة اليوم في سوريا ليست أكثر "وطنية" من هؤلاء على هذا الصعيد).
  يترتب على ما تقدم أن ما تريده سوريا اليوم هو برنامج انتقالي مضاد يكفل تحقيق وإنجاز نقطتين أساسيتين : 1 ـ الحفاظ على الإنجازات الاستراتيجية الوطنية التي حققتها سوريا طيلة العقود الماضية، وتطويرها وجعلها أكثر جذرية. 2 ـ إعادة توزيع الثروة والسلطة في سوريا لصالح القوى والفئات والطبقات الشعبية وممثليها الحقيقيين، بكل ما ينطوي عليه ذلك من مصادرة مسروقات اللصوص وزعماء  التحالف المافيوزي الحاكم.
  
**

 

 

إن بشار الأسد، وللأسباب المذكورة، لا يمكن أن يقود تحولا من هذا النوع، ولا يمكن أن يشكل عنوانا لعملية انتقالية تكفل إنجاز النقطتين المشار إليهما. وربما كان فاروق الشرع هو الشخصية الوحيدة في النظام التي تتمتع بمصداقية على هذا الصعيد، للأسباب التالية:
   ـ لم يعرف عن الرجل، وقد حاولنا أن نعرف ذلك  دون طائل، أنه متورط في عمليات فساد وإجرام مافيوزي من أي نوع. وليس أدل على هذا من أن ابنه الوحيد (مضر) يعمل طيارا ـ موظفا في إحدى شركات الطيران. وكان بإمكان والده، لو أراد استخدام نفوذه على طريقة المأفون عبد الحليم خدام وباقي أركان التحالف المافيوزي الحاكم، أن ينشيء له شركة طيران بحالها.
  ـ للسبب الآنف، ولأسباب أخرى، يتمتع الرجل ـ كشخص ـ باحترام واسع في أوساط الشعب، بما في ذلك القوى الوطنية والديمقراطية المعارضة. (الجميع يتذكر وقفته  الشهيرة في مؤتمر مدريد رافعا صورة إسحاق شامير وعليها كلمة "مطلوب").
  ـ ينتمي الرجل للتيار الوطني بمعناه الواسع على الصعيد السياسي والاجتماعي. فهو من "البعثيين الحقيقيين" الذين لا يزالون يؤمنون بمفهوم الدولة الوطنية الأقرب إلى العلمانية. وحياته السياسية والاجتماعية، الشخصية والعائلية، كلها مليئة بالقرائن التي تؤكد ذلك (اختياره زوجة لابنه الوحيد من طائفة غير طائفته، وعلاقته الممتازة بممثلي جميع الطوائف والأقليات الدينية، وعدم صدور أي عبارة أو موقف منه يسيء للمواطنين الأكراد ـ القومية الثانية في سوريا).
  ـ تمتعه ـ للأسباب المذكورة وغيرها ـ بدعم كبير في أوساط الضباط المنحدرين من الطوائف الأخرى، فضلا عن الضباط متوسطي الرتبة والصغار منهم، الذين هم أقرب إلى فئات الشعب. وهو ما يمكن أن يشكل سندا له في قيادة عملية تحول ديمقراطي ـ وطني، وتجنيب البلاد خضات "أمنية ـ عسكرية" تؤدي إلى انقسام الجيش أو حتى إلى تقسيم البلاد.(هناك نزعات وميول تزاد قوة على نحو متسارع في أوساط أبناء الساحل الشعبية، والعديد من الضباط المنحدرين من المنطقة المذكورة، تقول : إن وصول الأخوان المسلمين وحلفائهم من "المجلس الوطني" إلى السلطة، يعني ـ قولا واحدا ـ تقسيم سوريا، لأن أبناء المنطقة لا يمكنهم قبول هؤلاء حكاما لسوريا تحت أي طائل، حتى ولو اقتضى الأمر التمرد المسلح ضد سلطة الدولة المركزية).
 ـ موقفه الجذري من النفوذ الأميركي وأدواته في المنطقة (لاسيما الحلف الإسرائيلي ـ السعودي). وهو ما جعله "الشخص المكروه  رقم 1" في النظام السوري من قبل واشنطن وتل أبيب والرياض.
  أن يكون المرء مكروها إلى هذه الدرجة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، كاف بذاته ـ فضلا عن ميزاته الأخرى ـ لمحضه الثقة بقيادة عملية تحول ديمقراطي في سوريا تحافظ على بعديه الوطنيين، الخارجي منه والداخلي في آن معا.

 


* الكاتب صحفي وناشط سياسي وحقوقي سوري

قد يهمّكم أيضا..
featured

بين القول والفعل ، خيط رفيع يفصل..

featured

تصعيد يميني يستدعي التصدّي

featured

"القدس عاصمة لإسرائيل وتل ابيب عاصمة لبلدنا"!

featured

ولكن الرئيس لا يجيب..!

featured

ألخلافات الفلسطينية المتواصلة جريمة لا تغتفر!!

featured

في ذكرى رحيل والدي محمود حاج خليل كساب محاميد

featured

التضامن الفعلي مع غزة

featured

ميزانية افقها الاستراتيجي مواصلة العدوان وافقار الفقراء