لم يشتعل جسد محمد البوعزيزي العربي التونسي الكادح، فحسب، بل اشتعل معه والهم الآلاف بل الملايين من المظلومين والناس الغلابة، ليس في العالم العربي فحسب، وإنما في أقطار وزوايا عديدة في عالمنا الواسع، حتى بلاد الحليب والعسل كما تطلق عليها الحركة الصهيونية، إسرائيل، واحة الحرية والديمقراطية، احترق جسد البوعزيزي كي ينير الطريق ويرفع من لهيب المعركة الجماهيرية ويعمق ويرفع من سقف المطالبة بالعدالة الاجتماعية وكافة المحرومين من أبناء الطبقات والشرائح الشعبية التونسية، بإحراق الجسد /النفس غدا نموذجًا جديدًا في الكفاح ونوعًا جديدًا في عملية الاحتجاج الشعبي والجماهيري على ما آلت اليه الأوضاع المأساوية والمعيشة للأكثرية الساحقة من الناس والجياع في عالمنا الواسع والقاتم في آن واحد، يأتي هذا النوع من الاجتماع والكفاح في ظل غياب وضعف الأحزاب عن طرح البديل السياسي والاقتصادي للخروج من هذا الوضع المتردي الذي تعيشه الجماهير العالمية والطبقات وشرائح الطبقة المتوسطة، ونتيجة لعنف وفساد الحكم في الكثير من الأنظمة التي تحكم بالقوة والبطش، وتخليد الحكم، نتيجة لارتباطها واذدنابها لصندوق النقد الدولي والاحتكارات الغربية والأمريكية بالذات، فإسرائيل بالرغم من تطورها الاقتصادي إلا أنها تعاني من ديون كبيرة، وتتخبط في أجواء من الأزمات السياسية والاقتصادية بتحميل عبء هذه الأزمات إلى الطبقات والشرائح الصعبة وهي بالأصل ضعيفة. لقد فجر البوعزيزي التونسي حالة غليان جماهيري، بإحراق نفسه. قدم حياته فداء وقربانًا وهدية ليس للشعب التونسي الذي خرج إلى الساحات والشوارع والميادين ومن الأحياء ليزيل عن كاهله حاكمًا طعمة يمكن وصفها بحشرة البق التي تعيش على امتصاص دم الأغلبية الساحقة من التونسيين إنما فجر في أنحاء عديدة في العالم العربي حركة الاجتماع الشعبي، ومنها إسرائيل التي قدمت قربانا جديدًا تمثل في إحراق أكثر من جسد، ومحاولات عديدة انتهت إلى محاولات الانتحار وإحراق الذات لأكثر من خمسة محاولات لغاية الآن. لم يتحرك الشارع الإسرائيلي، ولم يشعل المنتحرين انتفاضة جوع وغليان لدى مئات آلاف من المحرومين والمسحوقين من اليهود والعرب. لم يظهر الاحتجاج بقوته كما في صيف سنة 2011، فالمفروض بعد تلقي الضربات الاقتصادية الأخيرة من حكومة نتنياهو، براك، ليبرمان ان يظهر على السطح الشعبي بوادر تحرك مكثف سواء من مجموع النقابات التي أصبحت تذدنب لحكومة اليمين بعد نجاح عوفر عيني في الانتخابات 22/5/12. لكن الجماهير الشعبية المتضررة لم تعبر أو تعمم في قرارات الهستدروت بقيادتها الخنوعة والمذدنبة للرأسمال الكثير وأصحاب رؤوس الأموال من الإسرائيليين والأجانب. فان من يقف في رأس حركة الاحتجاج في إسرائيل فئات وقيادات غير متجانسة تنظيميًا ولا سياسيًا وغير معنية في تسييس الحركة الاحتجاجية ورفع سقف المطالب، العدالة والربط بين تردي أوضاعها المعيشية وتزايد الضربات الاقتصادية وارتفاع الأسعار، وبين القضايا السياسية العامة كالاحتلال والمستوطنات وقضايا السلام وزيادة وتيرة التسلح على حساب الفئات والطبقات الفقيرة. فحكومة نتنياهو – براك، هذان المقامران ليس على الصعيد الإسرائيلي فحسب، وإنما على الصعيد الإقليمي وحتى العالمي، قد فجرا فقاقيع الصابون على شكل الخطر الأمني الداهم على مستقبل إسرائيل الوحدوي، ان تكون إسرائيل أو لا تكون. ولهذا يتطلب الأمر إلى خطر يهدد الأمة، ويتطلب التوجه وإخضاع كل القدرات السياسية والاقتصادية والإعلامية، في منع إيران من امتلاك السلاح النووي أولا وهذا يتطلب زيادة المصاريف العسكرية، وحتى ثمن الضربة العسكرية المنتظرة قبل وقوعها. يعني القيام بمغامرة عسكرية باهظة التكاليف ونسبة نجاحها غير مضمونة مع تحمل رد الفعل من الجانب الآخر والذي سيكون بالتأكيد مدمرًا للغاية في الجانب الاقتصادي والاجتماعي ومئات بل آلاف القتلى والجرحى، ثانيًا الوضع في سوريا وإقحام الشعب في النقاش حول خطر الأسلحة الكيماوية وخطر وصولها إلى المقاومة اللبنانية وحزب الله تحديدًا والجماعات الإسلامية المتطرفة. مما يعني خطر توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا وبالأساس إلى مواقع تواجد هذه الأسلحة. ثالثًا عسكرة شبه جزيرة سيناء وتدفق ما يسمى الجماعات الإرهابية.. دعم حكومة مرسي لحركة حماس.. مما يعني تزايد خطر سقوط الصواريخ من قطاع غزة على جنوب البلاد. مما يعني ضرورة توجيه ضربة عسكرية إلى قطاع غزة، ولجم حكومة حماس المقالة وتعطيل مشروع الوحدة الفلسطينية. رابعًا العمل على إيهام الشعب بان التفوق الإسرائيلي امنيًا وعسكريًا، وبسط قدرات إسرائيل على مجمل التطورات في الشرق الأوسط، تجعل العالم وبالأخص العربي والإسلامي يحسبان ألف حساب لمجرد التفكير بإيذاء إسرائيل في يوم من الأيام، مما يعني إبقاء مشروع الأمن والتفوق الأمني والعسكري من خلال الغطرسة الإسرائيلية والصهيونية، هي الكفيلة في جلب الأمن والهدوء للشعب الإسرائيلي، وهي الأساس ليس بالدفاع عن امن إسرائيل فحسب بل من الواجب التدخل هنا وهناك وتغيير نظام وتعيين آخر كي يصب في خانة مصلحة وتطور إسرائيل وازدهارها، ولهذا يتطلب من المواطن الإسرائيلي البسيط كي يحيا ويعيش ان يشارك في المجهود الاستعلائي في احترام وتقديس البقرة المقدسة، وهي الأمن والمستوطنات وبسط النفوذ على ارض إسرائيل الكبرى. مما يعني غياب السلام الحقيقي وهو فعلا قد غيّب تمامًا في ظل هذه الحكومة. ونسف حل الدولتين كليًا واجترار القول للفلسطينيين لكم في نهاية الأمر دولة مستقلة، بعدما نتفاوض ونتفاوض إلى ما لا نهاية.
هل سيذهب دم سيلمان وموشيه شهداء العدالة وغيرهم هدرًا، أم بدمهما الأحمر سيفجران حراكًا من نوع آخر؟ هل الذين يُمهل ولا يُهمل – من الواضح الآن، ان قيادات الحراك الاحتجاجي تشهد هذه الأيام صراعًا داخليًا بين تيارين، الأول يتأثر بمجمل الأوضاع السياسية ويغلب عليه التأثير الحزبي والحكومي وغير معن في التقدم أكثر ويتأثر بالدعاية والأخطار التي تواجهها إسرائيل، والثاني معسكر المتضررين فعلا الذين غررت بهم الحركة الصهيونية وهم بالأساس قطاعات واسعة من أحياء الفقر إلى جانب ممثلي الفئات والطبقات المتوسطة واتي خرجت من تأثير انتمائها الحزبي واستطاعت بوعيها الربط بين أوضاعها المأساوية والمعيشية وبين آلة الحرب والمصروفات العسكرية والمستوطنات، ولهذا من المهم دعم هذا المعسكر وتقوية ليس الناحية العربية، وإنما المدن الكبرى، القدس وتل أبيب وحيفا وبئر السبع وغيرها. فالكوارث التي ستنزلها هذه الحكومة على مجموع الشعب ثقيلة وكبيرة جدًا، يتطلب الأمر النزول إلى الشوارع والساحات وتقاطع الطرق بمظاهرات الألوف المؤلفة.
كويكات/أبوسنان
