" عيب انتوا زلام.. العياط للبنات " هذا ما كنت أسمعه من جارنا عندما كان يرى أولاده وهم يذرفون الدموع نتيجة ضربه لهم بالعصا ، العصا الخاصة التي أوصى عليها النجار الذي يسكن قبالتنا، وقد ترسخت في داخلي اكذوبة البكاء للبنات فقط، لأن أبي وإخوتي واقاربي من الرجال الذين كانوا يسخرون مني عندما كنت أبكي وانا اتابع الأفلام العربية بالأسود والأبيض، التي تفتح ينابيع الدموع نتيجة موت البطل او البطلة أو تفريق حبيبين نتيجة الدسائس التي يحيكها الطرف الثالث الذي غالبًا ما يكون حسودًا ويضعه مخرج الفيلم طوال الوقت في خانة الشر، أما الفرح ومسح الدموع عندما تأتي النهاية بلقاء الحبيبين وينتهي الفيلم بالتصفيق.
كانت امي تقنعني أن هذا مجرد فيلم يحركه المخرج والمصور وكادر من الفنانين، وما أن ينتهي الفلم حتى يذهب الأبطال الى البنك لقبض اجورهم، لكن لم اكن اقتنع وتبقى دموعي محفوظة في زجاجة الانتظار، حتى يعاد بث الفيلم مرة أخرى، فأعود للبكاء، وتقفز السخرية من الرجال الأقوياء الذين لا يبكون، أبي إخوتي واقاربي، فهم خلقوا من الصخر، لا يتعاملون بالمشاعر والاحاسيس، فقط البنات هن من يبكين، أما الأولاد فهم الطين المخلوط ببرادة الحديد الذي يتربى على دفن المشاعر .. وامعانًا في السخرية يطلب أبي من أمي أن تأتي بشرشف كبير حتى أمسح دموعي التي أذرفها على وهم يدعى الفيلم العربي.
عندما رأيت دموع - الرجل – جدي لأول مرة وهو يبكي حزنًا يوم مقتل الرئيس العراقي عبد السلام عارف في حادث سقوط طائرة عام 1966، فوجئت بدموعه ورفضه تناول طعام الإفطار بعد صوم يوم، رغم توسل جدتي له بتناول لقمة، وكنت أتساءل كيف يمكن أن يبكي جدي والجميع يخافونه.. ولم أجد الإجابة.. لكن هذه الصورة الباكية نامت في ذاكرتي الصغيرة البريئة ! ووجدت الصورة تخرج يوم مات جمال عبد الناصر حيث كان بكاء جدي نشيجًا وبأعلى صوته ولم يهتم لنظراتنا ودهشتنا، وأيقنت عندها أن دموع جدي ليست منيعة.. وعرفت أن الرجل من الممكن أن يبكي ويكون ضعيفًا مثل المرأة، وأن له دموعًا تُذرف وان له نشيجًا مؤلمًا، وليس كما كانوا يقولون الرجل محصن ضد البكاء والبكاء للنساء فقط،
وبعدها بسنوات قرأت ما قالته عائشة الحرة والدة آخر ملوك للأندلس أبو عبد الله الصغير الذي سلم آخر المعاقل الاندلسية غرناطة لفردناند ملك قشتالة، حيث قالت أمه عائشة الحرة بلوم وقسوة تاريخية (ابك مثل النساء ملكًا مضاعًا لم تحافظ عليه مثل الرجال)، أي أن آخر شيء قد يفعله الرجل هو البكاء، وتعايره أنه مثل بكاء النساء.
لكن عندما أرسل لي أحد الاسرى الفلسطينيين قبل أكثر من عشرين سنة رسالة كتب فيها (عندما يبكي الرجال يموت كل شيء) شعرت أن هذا البكاء بالنسبة للسجين هو قمة الغضب الممزوج بغموض المشاعر الإنسانية المتضاربة.
عندما التقيت بهذا الأسير بعد خروجه، أكد أنه بكى هو ورفاقه ليس من شدة العذاب والحرمان والقضبان بل من اللامبالاة التي كانوا يعيشون بها، لا أحد يذكرهم سوى عائلاتهم التي كانت تلاحقهم من سجن الى سجن، من الصباح الباكر الى ساعات الليل الحالكة، يتحملون غضب وبذاءة السجان والأوامر والممنوعات التي يرشونها كل يوم مثل الملح على الجروح، فلا يعرفون متى سيتيح لهم السجان لقاء العائلة بلا منغصات وحواجز وشتائم.
وبعد ذلك رأيت صورًا عديدة لدموع الرجال مثل هؤلاء الذين يودعون أولادهم واحبابهم ساعة السفر، دموعًا خفية تمسح بسرعة، حتى لا تشمت النساء بضعفه، ورأيت دموع الرجال تتألق باحمرار يشير الى بوصلة الحزن حين يرحل أحد الأحبة، وتتغطى الدموع بضوء الذين يقومون بالتعزية، وبعبارات المواساة التي تشرق فوق الشفاه المتعاطفة مع أهل المتوفى.
ورأيت دموع زوجي عندما سقطت بغداد عام 2003، لم أكلمه لأنه اختصر السقوط بقوله سقطت بغداد العرب، وستكون بعدها عواصم العرب كأحجار الدومينو، تتساقط وراء بعضها البعض.
ورأيت دموع الرجال العرب الذين لجأوا الى دول أجنبية، على الحدود وفي شوارع الذل وفي الساحات يطلبون الايواء، العيش الهادئ بعد هربهم من الحروب الدائرة في دولهم، ورأيت دموعهم أيضًا وهم يحملون جثث أولادهم الذين غرقوا في البحر وهم في طريقهم الى فصل من فصول الشقاء الإنساني.
ورأيت دموع الأب الغزي الذي هدم بيته وقتلت عائلته، ورأيت دموع الأب الذي سرق الاستيطان أرضه، لكنه يتشبث بأشجاره، ورأيت الدموع الخفية لوالد الشهيد الذي يشيع ابنه ويبقى صامدًا، شامخًا لأنه زف ابنه دفاعًا عن الوطن، لكن في الخفاء يذرف الدموع بصمت انسان مكسور، بصمت رجل يخشى من الإفصاح عن عواطفه.
جميع صور البكاء الخاص بالرجال تدفقت في اليوم العالمي للأب، 21 حزيران اليوم العالمي للأب - لم يحتفل به أحد مثل عيد الأم - لكن هناك من جعله اليوم العالمي لبكاء الرجال العرب وتصدر الإعلانات (اليوم العالمي لبكاء الرجال )،لأن الرجل العربي قد وضع أوراقه على طاولة الدمار والذل والحيرة والجوع والبطالة والاستلاب، وأصبح لا يغادر ذله وموته.
الذين اطلقوا على هذا اليوم ( يوم البكاء العالمي للرجال العرب) قاموا بإهداء الواقع ملفا مؤلما للرجل العربي عناوينه، بقايا رجولة المواقف، بقايا أعراس كانت تحمل نبض التغيير، وفرض امبراطوريات الضعف والترهل.
أنا أطلق على هذا (يوم بكاء الرجال والنساء والشيب والشبان والأطفال العرب) لأننا نعيش بين طيات البكاء العربي، لا فرق بين بكاء امرأة وبكاء رجل الا بمدى الشعور بالانكسار.
