الاختراعات الحديثة المتطوّرة نعمة كبرى للإنسان تخدمه وتقدّم له وسائلَ الرّاحة لينعم بها ويترفّه في حياته، وتزوّده بالمعلومات التي يحتاج إليها أو يرغب بها في شتّى المواضيع ، وهذه الاختراعات تُولَدُ وتتوالد يوميًّا وتتحسّن شكلا و"عقلا"، نلمسها في البيت والمطعم والسّيارة والحافلة والقطار والطائرة والسّفينة والمجمّع التّجاريّ والمصارف والبنوك.
لو أخذنا الهاتف النّقّال. مثالا، الذي كان ملكا للأغنياء. ولرجال الأعمال وللمسؤولين الكبار في سبعينات بل ثمانينات القرن الماضي، صار جهازا شعبيّا يحمله الجميع: الرّجال والنّساء والشّيوخ والأطفال ، والمتسوّلون أيضا الذين "فاعوا" في هذه الأيّام واحتّلوا مفارق الطّرق وطرقوا أبواب بيوتنا في أوقات راحتنا. بل صار جهازا ملازما للمرء لا يستطيع أن يتخلّى عنه ولو لفترة قصيرة حتى لو شارك في فرح أو مأتم أو تناول طعامه... و" طار" وتطوّر فصار يصل المرء بالداخل وبالخارج، بالأهل وبالأصدقاء وبالمعارف، وبالّدوائر وبالمؤسسّات وتحّول إلى كنز أو بنك للمعلومات في مختلف المواضيع... يقدّم لحامله الأغاني والمعزوفات التي يحبّ سماعها.. ويضحكه ويبكيه، ويخبره ويسلّيه، ويرشده ويوجهّه.. بل صار "خير رفيق".
من كان منّا يتخيّل قبل عقود قليلة أنّ الهاتف النّقال سيكون لنا الدّليل القدير والخبير الأمين في المدن الكبرى وفي المدن البعيدة؟ ومن كان منّا يتصوّر بأنّ هذا الجهاز "الجنّيّ الذي بحجم راحة اليد يحتوي على بحر من المعلومات يفوق ما تحتويه مكتبات وموسوعات؟ هذا شيء مدهش يدلّ على تطوّر العلم بسرعة في هذا العصر التّكنولوجيّ، إلا أنّ هذا الجهاز الصّغير الكبير الذكيّ العاقل العالم المؤرّخ الدّليل اللغويّ الفنّان الصدّيق الرّفيق يتحوّل في فترات ما إلى نقمة على الإنسان تسلبه الرّاحة والخصوصيّة وأمور أخرى من نعم الله. فهو يشي للمعنيّين بتحرّكات حامله وأماكن تواجده وأفكاره ولا حاجة بعد اليوم للرّاصدين الذين يراقبون تحرّكات المرء وتنقّلاته وصولاته وجولاته بل أقواله وأفكاره. وهو يسلب الإنسان متعا عديدة مثل: الكلام والحوار فقد تجد جماعة من المعارف أو الأقارب أو الأصدقاء التقوا في بيت أو ديوان أو نادٍ لا يتبادلون الحديث بل تجد كلّ فرد منه يداعب نقّاله بأنامله ويقرأ على شاشته الصّغيرة ما يصل إليه أو ما يرسله ويكتب عليه متواصلا بالآخرين، فأيّة سهرة هذه وأيّة جلسة؟! وأين العلاقة الإنسانية والابتسامات المتبادلة بين النّاس؟
سلب هذا الجهاز خصوصيّات الإنسان وجعله عاريا أمام السّلطات وأجهزتها وأذرعها يعرفون سفره وحركاته وحسابه في المصرف وأفكاره ونواياه ونوع دمه و....
وهناك من يزعم بأنّ هذا الجهاز يؤثّر على صحّة الإنسان ويؤدّي إلى إصابته بذلك الدّاء اللعين الذي نتجنّب تسميته. وقد تقولون هناك مناقب وهناك مثالب لكلّ اختراع ولكن أيّهم الأفضل والأقوى في هذا الجهاز؟
عجبي!
