هذا العام الدراسي الجديد يختلف عن الاعوام السابقة وذلك نتيجة الاحداث السياسية المتراكمة التي شهدتها بلادنا خلال العطلة الصيفية. فالحرب على غزة خلفت الكثير الكثير من المآسي والويلات في الجانبين–مع حفظ الفروق من ناحية فداحة المآسي، بما لا يقارن- نتيجة سياسية الاحتلال التي تمارسها "الحكومة الرشيدة" لبلادنا، بلاد الحليب والعسل. فالاحتلال هو المسئول المباشر عن قتل مئات الاطفال الفلسطينيين، والاحتلال مسئول عن جريمة مقتل الطفل محمد ابو خضير بدم بارد، والاحتلال مسئول أيضًا عن خطف الشبان اليهود الثلاثة ومقتل الطفل اليهودي في "ناحل عوز"، والاحتلال مسئول عن قصف مدارس الاونروا التابعة للامم والتي كانت تأوي عائلات الاطفال الفلسطينيين من القصف الاسرائيلي، كذلك الاحتلال مسئول عن التقليصات المستقبلية في جهاز التربية والتعليم.
كيف سيستقبل تلامذة غزة العام الدراسي الجديد ومقاعد زملائهم الذين قتلتهم الصواريخ الاسرائيلية شاغرة ؟! وفي نفس الوقت كيف سيستقبل الاطفال في روضة ناحل عوز عامهم الجديد وأن زميلهم "دانئيل" لم يعد بينهم؟!
كل إنسان يحترم إنسانيته لا يفرح بمقتل طفل سواء كان الطفل فلسطينيًا او اسرائيليًا أو سوريا او عراقيًا أو من بلاد الاسكيمو، فصدق شاعرنا المناضل توفيق زيّاد عندما قال: "وأعطي نصف عمري للذي يجعل طفلًا باكيًا يضحك"، فهو لم يحدد جنسيته فكيف إذا كانت هذا الطفل لا يبكي بل مقتولًا ؟!
على خلفية الحرب الاخيرة ازدادت المظاهر العنصرية والاعتداءات الجسدية على المواطنين العرب بالاضافة للعنف الكلامي وممارسات بعض المسؤولين، مثل اقتراح القانون العنصري الذي يهدف الى الغاء اللغة العربية كلغة رسمية في الدولة، بالاضافة الى التعقيبات التحريضية في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام المختلفة.
إن الاحتلال الاسرائيلي والتصريحات غير المسؤولة من قبل عدد من المسؤولين وغرس العنصرية في مناهج التعليم، تشكل تربة خصبة لنمو الافكار الفاشية ولظهور حركات تدعو الى كراهية المواطنين العرب في اسرائيل والتي وصلت الى حد الدعوة لترحيلهم من وطنهم، فأصبحنا نستيقظ على عمليات تخريب في البلدات العربية في اسرائيل تحت مسمى "تدفيع الثمن" أو" وضع اليد" وغيرها من الممارسات العنصرية والفاشية.
هذا على مستوى السياسة أما على مستوى ما يحدث في المجتمعين اليهودي والعربي فالعنف بكافة أشكاله في ازدياد طردي خاصة في المجتمع العربي. فانتشار فوضى السلاح وسهولة الحصول عليه عزز من ظاهرة العنف المتفشية، وأصبحت اليد سهلة مستسهلة على الزناد، والمؤسسات التربوية والتعليمية فقدت حرمتها، وبلغت الأمور ذروتها بمقتل المربي يوسف الحاج يحيى مدير كلية عمال في مدينة الطيبة وهو يؤدي واجبه التربوي اتجاه طلابه وبلده.
كذلك وصل في مجتمعنا العربي التناحر والتعصب الطائفي والعائلي الى حد تقسيم البلدة الواحدة والى تخوين وتكفير الآخر حيث خفتت لغة الحوار وقبول الرأي الآخر وارتفعت حوادث القتل.
إن الوزارات المسئولة عن المؤسسات التعليمية في كافة دول العالم تدعى "وزارة التربية والتعليم" أي غرس القيم التربوية في نفوس وعقول الطلاب. التربية أولًا، قبل التعليم والتحصيل والدراسي، فكل مجتمع حضاري يصبو الى أن يتمتع أفراده بقيم تربوية الى جانب التحصيل الدراسي، فما فائدة التحصيل الدراسي دون قيم تربوية؟!
مع بداية العام الدراسي الجديد لا بد من اطلاق صرخة مدوية لانهاء الاحتلال. فيجب أن يفهم المجتمع الاسرائيلي وحكومته أن الطفل الفلسطيني تمامًا كالطفل الاسرائيلي يريد أن ينعم بالأمن والاستقرار. وشعور الام الفلسطينية لا يختلف عن شعور الام الاسرائيلية عندما يجرح أو يقتل ابنها، وقد ثبت بالبرهان القاطع وعبر التاريخ أن كل احتلال غير مرحب به وزائل لا محالة فلماذا يصر حكام بلادنا على انتهاج سياسة الاحتلال والتوسع وبناء المستوطنات وحرمان الشعب الفلسطيني من اقامة دولته الفلسطينية المستقلة الى جانب دولة اسرائيل وعاصمتها القدس العربية؟! فالسلام هو الحزام الامني الحقيقي للجميع وهو ما يجلب الأمن والاستقرار لكافة شعوب المنطقة وفي مقدمتهم الشعبان الاسرائيلي والفلسطيني، أما الحصار والحروب فستظل تجلب الويلات والمصائب.
في هذه المرحلة المصيرية يتوجب على المؤسسات التربوية والتعليمية في المجتمعين اليهودي والعربي العمل من أجل إحداث تغيير في السياسة لانهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الاوسط. وهذا يتم بغرس قيم تربوية في نفوس وعقول طلابنا وصقل مناهج تعليمية وتربوية تدعو الى الحوار والتعايش والاخوة ونبذ العنف والافكار الفاشية والعنصرية، أما غير ذلك فهو يعمّق كل ما هو سلبي ويقودنا الى ما لا تحمد عواقبه، فلتكن مقالتي هذه، صرخة من أجل مستقبل فلذات اكبادنا التي تمشي على الارض، فهل من مجيب؟
(عضو مركز نقابة المعلمين - مصمص)
