رسالة فخر واعتزاز لأستاذي الفاضل إبراهيم طه

single

"لا تستوحشوا طريق الحق لقلّة سالكيه"
علمّتني نكبة وطني أن لا أجيد مدح الأشخاص..
لكنّ بعض الأشخاص ما هم إلا شامة على خد هذا الوطن الأشمّ..تدفعني للثناء الصادق.
بعض الأشخاص رسل صمود بفضلهم نزداد تمسكا ونفاخر بحقنا بهذا الوطن الجريح.. لأنّ في مقاومتهم الرّاقية شيئا من رتق جراح وطن ذبيح..
فهل رأيت أجمل وأروع من شعب مهما مزقته وشرذمته آليّات الاحتلال، فإنه ما زال يزرع بأقلامه الخضراء بابونجًا وطيّونًا يداوي به عنق الوطن النازف إثر ذبحه، ليدحر موته، وإن كان جرحهُ عميقا عميقا؟
أستاذي ها قد فزِعتُ من نومي مجدّدًا.. بعد أن قاومني النوم عاتِبًا.. كيف لم أشكرك قبل أن أغفو بعد أن قرأت رسالتك "بلّها واشرب ميتها" مرارًا وعيناي تدمعان حينًا، وثغري يبتسمُ اعتزازًا وفخرًا حينًا آخر!
رأيتُ نفسي وشعبي كلّه، هويتي وإنسانيتي ووجودي، ننتشي  بعبق عطر حروفك الرقيقة رقة سيف، تأهب ليقاوم منتهكه، أو رقة جناح نحلة شفاف وأنيق لكنّه يبشّر بالوجع أو الزوال فور ملامسته ومحاولة نسفه! حروف أشعلت حريقا دفّأ أوصالي المنهكة من برد الاضطهاد والتّمييز العنصري.
أستاذي كنت أفتخر وأعتزّ دائمًا لأنني أتتلمذ على يديك، لأنك من العلم والمعرفة بحر يستفزّني لمواصلة السّباحة، مرّة مع التيّار ومرّة ضدّه .
أما اليوم فإني أراك الأستاذ الأستاذ، قدوتي التي أتعلم منها كيف أقف أمام طلابي شامخة وأنا أخبرهم بانّ سرّ "الأستذة" لا يكمن بعمق المعرفة فحسب.. فهي متوفّرة في بطون الكتب والمواقع الالكترونية وربّما تكون أغنى بكثير ممّا أعطيهم..
أن أكون معلّمة يعني أن أكون صادقة، حقيقيّة لا أنسلخ عن أصلي وهويتي، أن أقف جبّارة في كلِ موقف وأرفض أن أكون جبانة.. لأن حضوري هو مرآة ينعكسُ من خلالها جيل كامل، يدفعني واجبي الوطنيّ  أن أُغنيهِ بالقوّة والشجاعة. قد يَدهمني الخوفُ والقلق والألم، لكن عليَّ - كما فعلتَ أستاذي - أن أدحض الجُبنَ وأرديهِ قتيلًا أمام العدل والحقّ والإنسانيّة.

أشكرك أستاذي باسم جدّي وأبي وأحفادي الذين لم يأتوا بعد.. وباسم كلِّ فلسطيني لا يزالُ يتشبّثُ بوجودهِ وهوّيته التي قاومَ وحافظَ عليها أدبُنا ونقدُنا وعلمُنا وثقافتنا..
أشكرك لأنك بكلامك أثبتَّ لنا وللعالم أجمع أننا لا يمكن أن نكون نسيا منسيًّا، وأن الفلسطينيّ الأصيل مهما وصل وارتقى سيبقى شجرة زيتون شامخة صلبة، معطاءة، رائعة الجمال والسّحر.. متواضعة رغم شموخها وأنفتها.
فما بلادنا إلّا كروم زيتونٍ صامد أنتَ واحد من زيتوناتها.. ونعتّز بك.
وحذارِ من كل من تسّول له نفسه أن يُعكّر زيتنا الصافي، الدسم، الباقي أبدا، متحديّا كل محاولات الطمس الممنهجة..
فإذا كنت أستاذنا بارعًا في أن تكون جِسرًا آمِنًا يأخذنا إلى عمق أعماق الأدب لنغرق في جماليته شكلًا ومضمونًا.. مهما كانَ نوعهُ وموقفهُ وانتماؤه.. جاعِلًا  منا متذوقين شغوفين متعمقين بأدب العالم أجمع، فكيف يكون بإمكانك  التّنصل من أدب  يَسكنك بجزيئاته الصغيرة المُعششة بذاكرة قرويّة زاخرة بتفاصيل دفعها الاحتلال دون أن ينتبه لتتحول إلى أدب.؟ وهل يمكنك أن تتنحى عن تفكيك الأدب الذي عرفتهُ بالفطرة قبل أن تخوض غِمار نظريّات الأدب لتعيدَ بناءهُ من جديد فاتحا آفاقا  ومعانيَ كانت خافية عن القارئ؟
هل يمكن لرجل قرأ أدب العالم منذ نعومة أظفاره في ظلِّ تينةٍ تشهدُ أنه لم يُفارقها ما دامت الشمسُ تمده بالضوء، لأن ضوء الكهرباء لم يكن قد وصلَ قريتهُ المُحتلّة بعد؟ هل بإمكانهِ أن ينسى فضلَ هذهِ التينة الجبّارة الطيّبة وهي تمُدّهُ بأسبابِ العلمِ والإبداع؟!
لتلكَ التينة فَضلٌ علينا.. فقد أنتجت لنا رَجُلًا لا يصمت ولا يكلّ وهو يعيدُ إلى تُراثِنا ماء وجهه، وإلى لُغتِنا حِفظًا من الانتهاك والزوال.
فحروفُ العربيّةِ السّاحِرة التي فُرِضَت على الكثير من زوايا الحرمِ الجامعيّ في جامعةِ حيفا تؤكد أنَّ كل محاولةٍ لطمسها باءت بالفشل.. وأن قسم اللّغةِ العربيّة في الجامعة قد أعطى للّغة حقّها ومكانتها، وذلك يعودُ إلى نشاط وإصرار مُحاضريها الأحرار كأُستاذِنا المبدع..
أستاذي.. تأكدتُ وأنا أقرأ كلماتكَ أنّنا لا يُمكن أن ننتهي، وأن هناك، وإنّ قلَّ المُناضلون من أجلِ حِفظِ التُراث والحضارة العربية، هناك من يُؤتمن على وجودنا.. والحقيقة لم أُفاجأ لا من كلامكَ الجذّاب القاطع المصيب، ولا من موقِفِكَ الرّاقي المشرّف، فقد اعتدت عليه منك. ولكَ مِنّي ومِن كُل طُلّابك، أبناء شعبك،  الفخر كلّه  والاعتزاز،  كقائد في معركة الدفاع عن حقنا في الوجود الإنسانيّ والوطنيّ والقوميّ.
طالبتك إيمان بكر حمدان
(شفاعمرو)

قد يهمّكم أيضا..
featured

السلفية تخترق جماعة الإخوان المسلمين

featured

اوقفوا "عدوانكم" على الانترنت؟!!

featured

الكبير الذي أغبطه

featured

خيارات وحسابات مركّبة أمام الإدارة الأمريكية: بين نار الجمهوريين ورمضاء نتنياهو وسائر أزمات المنطقة

featured

دبلوماسية الهاتف

featured

كل التقدير لروسيا والصين على مواقفهما ضد المؤامرة على سورية

featured

بوركت سواعدكم

featured

شعب ليبيا سيهزم السفّاح!