أطفال يغرقون وأطفال يتزوجون

single

من يحاول مزج ألوان الربيع وسكبه في قالب الطفولة العربية يهرب من الحقيقة، من يحاول تصوير الطفل العربي كأنه في جنة الدلال وهو الطير المحلق في سماء العز، عليه أن يعرف الواقع جيدًا ويدقق في الصور والأرقام.
الطفل عامة بحاجة إلى أسرة ومجتمع وبيئة مناسبة لنشأته، بيئة تمنحه الحب والصحة والتعليم والأمان والأمن والمدرسة والبرامج الثقافية والفنية والدعم المادي والمعنوي حتى يخرج مواطنًا صالحًا لمجتمعه، يمنح مجتمعه مستقبلًا القوة والاختراع والاكتشاف والنجاح، هكذا تُبنى المجتمعات وتبنى الشعوب التي تسعى لرفع قيمة مجتمعاتها.
حكايات المآسي والحروب والاقتتال والفقر والجوع والهروب جميعها تتكلم وتنضح بالأرقام والإحصائيات  الجامدة، الباردة، التي تمشي على أطراف أصابعها خوفًا من إزعاج النائمين في عسل المؤامرات والذين يحلمون بتحطيم الأوطان، حتى أصبح لقاء يضم زعيمين عربيين معناه هناك مؤامرة على زعيم ثالث وتدمير دولته، ولا أحد ينتبه على وجه الطفل العربي الذي يطل من بين شقوق  الوجه المفعم بالخوف، حاملًا في نظراته الألم والانكسار، لا أحد ينتبه ويلتفت إلى الطفل الذي ينام على الرصيف أو في خيمة أو يتسول على المفارق، لا أحد ينتبه إلى الوجع الذي سيحمله وكيف ستصبح شخصيته التي ستقود المجتمع غدًا.
إذا كانت صورة الطفل السوري الغريق (ايلان الكردي) قد حركت ضمير العالم، وصار جسده الصغير علامة مسجلة للظلم، يلسع بوجهه المطمور بالرمل مشاعر الذين وضعوا فخاخ الموت في وطنه وأخذوا يتفرجون على عمليات قنص الأرواح، لكن تحريك الضمير كان لفترة قصيرة، فهذا جزء من مسرحية عبثية لأن (ايلان) أصبح نسيًا منسيًا، فقط الذين استمروا في الاستفادة، هم أصحاب القوارب الذين تحولت تجارتهم، تجارة الهرب من الوطن،  موسوعة إنسانية ضخمة صفحاتها الشقاء وحروفها الذل وسطورها الأرباح والأموال.
الطفل العربي يعيش في حرمان لمعنى الطفولة، لم نسمع عن طفولة عربية تمتعت بالمعنى عبر الميزانيات والاهتمامات وتوفير الخدمات، لم نسمع عن طفولة عربية كانت محط اهتمام الدولة وحكوماتها، لكن في السنوات الأخيرة كان فصل هزيمة طفولة الطفولة، دول عربية تنهار وتدمر  وتعيش في متاهات الحروب التي يرافقها الهروب والجوع والتنقل والفقر المدقع والضرب والركل والاهانات والتسول والنوم على الأرصفة والخرائب والخيام، يكون الطفل هو حقيقة الحرمان والرمي فوق أكياس الهموم، فرب الأسرة يسعى إلى توفير الخبز للعائلة،ولا يهمه طفله الصغير الذي ينظر إلى عالمه الجديد  بدهشة وخوف،  القسوة تحيط به من كل الجوانب، حيث يكبر فجأة ويدخل عالم الكبار بدموعهم وظروفهم، يبرز  القانون السائد قانون خطف لقمة العيش ولو مغمَّسة بالقهر، القهر في عالم يفتش عن لحظة عيش حتى لو كان العيش بدون كرامة، ويصبح شعار (حياة من قلة الموت) من أسس الوجود في هذه البيئة الهاربة أو الباقية تحت نيران الحرب والفقر والجوع والحصار.
في دراسة لليونسيف (أكثر من نصف مليون طفل عراقي سيكونون بحاجة إلى علاج نفسي نتيجة الحرب) سابقًا في لبنان أصدرت اليونسيف دراسة أكدت فيها أن 5000 طفل لبناني ممن عايشوا مذبحة قانا الثانية منهم 30%  لا يزالون يعانون من إضرابات في النوم و 14% يعانون من اكتئاب و40% يفكرون بالانتحار.
وأطفال ليبيا، أطفال اليمن، أطفال سوريا، أطفال العراق، جميعهم يتعرضون لأبشع حالات الانكسار الروحي والنفسي والجسدي، أرقام القتلى تمر يوميًا أمامنا، لا أحد يهتز ولا نحاول التفتيش بين الأسماء، ولا نمد المستقبل أمامنا ونقول قد يكون الطفل الذي غرق سيصبح عالمًا أو فنانًا أو مخترعًا أو مكتشفًا أو.. أو رب أسرة فاضلًا.
أرقام الأطفال القتلى  لا تثير في صدورنا الوجع، بل نشاهدها ونحن نفتش عن أغنية لنانسي عجرم أو هيفاء وهبي  أو عمرو دياب، تمر الدماء والصرخات والحروق والثياب الطفولية الممزقة كأنها أفلام نسجتها أيدي المخرجين في استوديوهات التشويق.
الآن تستقر صور الأطفال الذين يهربون عبر قوارب الموت، تستقبلهم محطات الرعاية ودول النفاق، كمن يطعن بيد ويناولك القطن واليود لعلاج الجرح باليد الأخرى، وهناك المئات من الأطفال كانوا ضحايا البحار والغرق، وحتى الآن لا يوجد إحصائية دقيقة لعدد الذين غرقوا، لكن هناك إحصائية اجتماعية يعرفها كل واحد منا أن كل طفل خرج من وطنه عبر طرق الموت والنجاة من المياه، أو النجاة من حرس الحدود الأجنبي  وزحف تحت السياج مع أهله وشاهد بأم عينيه الدموع والصراخ وتوسل أمه للجندي وضرب أبيه لن يكون مستقبلًا إنسانًا سويًا، يعيش بأفكاره وأحاسيسه الطبيعية. 
لقد مر أطفال فلسطين  وما زالوا يمرون في نفق الموت والحصار والخوف، وصورة مقتل الطفل محمد الدرة بإطلاق الرصاص عليه أمام وسائل الإعلام، ومقتل الطفل علي الدوابشة حرقًا، ومقتل الصبي محمد أبو خضير حرقًا أيضًا،ومئات الأطفال الذين دخلوا قوائم الشهادة، وكنا نعوِّل على الطفل العربي الذي سينهض غدًا ويخرج من القمقم صانعًا مستقبلًا أكثر إشراقًا، كنا نتحدّى السقوط السياسي الذي تتميز به الأنظمة العربية بالأجيال الصاعدة التي ستعرف حقيقة الكرامة، ترفع رايات التغيير، لكن ها هو الطفل العربي تحت الأقدام يدوسون عليه، يمزقون طفولته، يسرقون أحلامه، هذا إذا بقي له حلم. لأن الرعب هو شاشة الحلم الآن.
مع أن شرائع الأمم المتحدة تنادي بحماية الأطفال وعدم تعرضهم للأذى  النفسي والجسدي،لكن حكايات الأطفال العرب لا تحرك ساكنًا، من يسمع صراخ أطفال اليمن أو العراق أو لبنان أو سوريا أو العراق أو ليبيا.
وحين نفتح صفحات الطفولة نهزأ من الذين يحاولون تلوين الطفولة بألوان السعادة الفارغة، ففي مصر يتم خطوبة الطفلة (نهى) 11 سنة على الصبي وجيه 16 سنة، وهناك ظاهرة في مصر وبعض الدول العربية أشهرها اليمن زواج الأطفال.. ففي مصر يؤكد والد العروس سترة الطفلة بالزواج، والحكومة لا تقوم بأي رد فعل سوى الإعجاب والدهشة وتقديم الطفلة إلى الإعلام، حيث يخضع الوجه البريء  للشاشة حتى يراها الجميع وهي بكامل مكياجها، تعرض خاتم الخِطبة بفرح.
كانوا يقولون (طفل اليوم رجل الغد) في خضم هذا الحرمان  والاستعباد، لم نتكلم عن الأعمال الشاقة التي يقوم بها الأطفال مثل الورش الصناعية وفي البناء..الخ، وهناك استغلال جنسي تكشف عنه بعض الجهات. لنتخيل كيف سيكون شكل المجتمعات العربية بهذه الطفولة البائسة. كيف ستكون مجتمعات ناجحة برجال ونساء يعانون من عقد نفسية.
قد يهمّكم أيضا..
featured

الى عكا والناصرة يا اهل الكفاح !

featured

عندما تلتقي أمريكا مع تنظيم القاعدة في سوريا..!

featured

الانتحار العقلي

featured

شفاعمرو.. حطام زجاج وأشياء أخرى

featured

هل أصبح اليمن على ابواب مواجهة حرب استراتيجية امبريالية لاحتلاله!

featured

المُشتركة: ثلاثةُ وُجوهٍ للأمل

featured

الكلام الفضفاض عن اشتراك المرأة في النضال الوطني لا يكفي

featured

التغيير التشريعي المقترح لما يسمى اراضي اسرائيل عائق جديد امام كفاح الأقلية العربية في البلاد نحو المساواة