التغيير التشريعي المقترح لما يسمى اراضي اسرائيل عائق جديد امام كفاح الأقلية العربية في البلاد نحو المساواة

single

      تناقش الكنيست هذه الأيام التغيير الذي اقترحته حكومة اسرائيل بما يسمى اراضي اسرائيل ومبنى دائرة اسرائيل. مع اننا نتحدث في الحقيقة عن تغيير جذري لقانون دائرة اراضي اسرائيل ولنظام ادارة اراضي اسرائيل, يناقش التغيير المقترح بشكل خاطف وسريع لا يُمكـّن أعضاء الكنيست ومؤسسات الجمهور أن يُبدوا موقفهم بشكل مهني وكامل. عيوب التغيير المقترح كثيرة ومتعددة, الا ان في مقالتي القصيرة هذه اود ان اعالج بعضا من الأمور فيه والتي ستمسّ بشكل سافر وغير قانوني حق الأقلية العربية في البلاد بالمساواة وحقها في المسكن وبالتطور.

      كما هو معروف، إنّ دائرة أراضي إسرائيل هي الجسم الذي ُوكـّل بقانون دائرة اراضي اسرائيل لعام 1960, لإدارة الأراضي التي تملكها دولة اسرائيل والتي تبلغ نحو 94% من مساحة دولة اسرائيل, اي نحو 20 مليون دونم. باقي الأراضي والتي تبلغ نحو 6% من مساحة دولة اسرائيل, اي نحو مليون وثلاثمائة ألف دونم هي أملاك خاصة. حوالي 12% من الأراضي التي تديرها دائرة اراضي اسرائيل, اي نحو مليون واربعمائة دونم, تعود لصندوق اراضي اسرائيل او ما يسمى باللغة العبرية "הקרן הקיימת לישראל". إنّ اراضي هذا الصندوق تدار من قبل دائرة اراضي اسرائيل حسب ميثاق من عام 1961 بين الدولة وبين الصندوق الإسرائيلي, وينصّ في الأساس على أن اراضي الصندوق لا تسوّق إلاّ لليهود فقط. إنّ دائرة أراضي اسرائيل, وبحكم قانون اساسي: اراضي اسرائيل, لم تبع الأملاك التي تديرها بل قامت بإيجارها إلى أمد طويل حتى 49 عام وفي حالات معينة الى فترات اكبر, وذلك حسب عقود إيجار قابلة للتمديد مع انتهائها.

      التغيير المقترح اليوم جاء على خلفية تقرير لجنة غديش من عام 2005. هذه اللجنة, التي ترأسها المرحوم يعقوب غديش, كانت قد ُوكـّلت من قبل حكومة اسرائيل لبحث الوسائل الممكنة لتخفيف الاحتكاك بين المستأجرين ودائرة اراضي اسرائيل, وبحث الوسيلة الممكنة لزيادة الأراضي الجاهزة للتطوير في البلاد. لجنة غديش هذه أوصت بأن يُقلل الاحتكاك بين المستأجرين ودائرة اراضي اسرائيل في المناطق السكنية بطريقتين: إمّا أن تؤجر للمستأجر كل الحقوق الحالية والمستقبلية في العقار, او أن تنقل له ملكية العقار. إنّ حكومة إسرائيل بدورها أقرّت عام 2004 توصيات هذه اللجنة, واعتمدت الطريقة الثانية التي اقترحتها لجنة غديش, اي وضع نظام لنقل ملكية العقارات التي اجرتها دائرة اراضي اسرائيل. مع كلّ ما ذكر, نجد أنّ التغيير التشريعي المقترح الذي تجريه الحكومة ينافي تقرير لجنة غديش في عدة امور جوهرية. وقد نجم هذا عن اتفاقية اراها مصيرية وتشكل نقطة مفصلية لمستقبل الأقلية العربية في البلاد وُقـّعت في شهر حزيران الفائت من هذا العام بين دائرة اراضي اسرائيل وبين صندوق اراضي اسرائيل. ُتعد هذه الاتفاقية لتبادل نحو 70 الف دونم بين دولة اسرائيل وبين صندوق اراضي اسرائيل, بحيث يُنقل قسم كبير من اراضي صندوق اسرائيل الواقعة في مركز البلاد لملكية دولة اسرائيل, وبالمقابل يحصل صندوق اسرائيل على اراضٍ في الجليل والنقب.

      وحسب التغيير المقترح تقام سلطة جديدة بدلا من دائرة أراضي اسرائيل, باسم سلطة اراضي اسرائيل. ويُعيّن مدير هذه السلطة من قبل حكومة اسرائيل من بين موظفي دولة اسرائيل، ومجلس هذه السلطة الذي سيترأسه وزير، يتألف من اثني عشر عضوا: وزير تخوله الحكومة, وهو الذي سيترأس المجلس, وستة ممثلين وزاريين, وخمسة ممثلين عن صندوق دائرة اراضي اسرائيل. هنا تقتضي الإشارة إلى أنّ العيوب القانونية في تعيين هذه السلطة وتركيبها كثيرة. أولا: لم تقترح لجنة غديش اقامة سلطة جديدة مكان دائرة اراضي اسرائيل. إنّ لجنة غديش اقترحت  إجراء تغييرات في تركيب دائرة أراضي إسرائيل فقط بشكل يحسّن عملها. ثانيا: ان تعيين رئيس السلطة من قِبل الحكومة، ومن بين موظفي الدولة فقط، جاء ليضمن تعيين الأسخاص المقربين للحكومة وسياستها, وبمعنى آخر إبعاد أي شخص لا يوافق فكرُه السياسيّ مواقفَ الحكومة. ثالثا: إنّ تركيب مجلس هذه السلطة حكوميّ مَحض, أي ان غالبية اعضائه تتبع لحكومة اسرائيل. كما انه لا يشمل اي تمثيل للأقلية العربية في البلاد، وهو ما ينافي القانون وموقف محكمة العدل العليا التي قضت باعطاء تمثيل للأقلية العربية في دائرة اراضي اسرائيل. زيادة على ذلك، إنّ إعطاء صندوق أراضي إسرائيل خمسة ممثلين في المجلس، يخالف تقرير لجنة غديش التي اوصت بتقليل تمثيل صندوق اراضي اسرائيل في مجلس دائرة اراضي اسرائيل، بشكل يتناسب هو ونسبة أراضي الصندوق من مجموع الأراضي التي تديرها دائرة اراضي اسرائيل. ولو أننا طبقنا هذه التعليمات فليس على تمثيل صندوق اسرائيل في المجلس أن يزيد على عضو أو عضوين على الأكثر. هذا ما قررته حكومة إسرائيل فعلا, إلا أن الزيادة المقترحة اليوم في تمثيل صندوق اراضي اسرائيل نتجت عن الأتفاقية المذكورة بين دائرة اراضي اسرائيل وصندوق اراضي اسرائيل التي نصت على اعطاء خمسة ممثلين لصندوق اراضي اسرائيل في مجلس السلطة المقترح.

      الأمر الثاني الأساسي السيء في التغيير المقترح، هو أن هذا التغيير يفيد المستأجرين اليهود اكثر من المستأجرين العرب. التغيير يقترح, تطبيقا لتوصيات لجنة غديش, نقل ملكية الأراضي التي أجّرتها دائرة أراضي إسرائيل في المناطق السكنية والتجارية للمستأجرين دون مقابل، وذلك إذا توفرت في العقار شروط تخطيطية معينة. حسب ما اطلعت عليه, وبعد اعتمادي على دراسة حضرتها المخططة عناية بنا - جريس من المركز العربي للتخطيط البديل بخصوص التغيير المقترح, فان هذه الشروط لا تتوفر في مساحة كبيرة من الأراضي التي يستأجرها السكان العرب من دائرة اراضي اسرائيل, الأمر الذي سيكلف المواطنين العرب عبئا ماديا كبيرا كي يتمكنوا من الحصول على ملكية كاملة في الأرض المؤجرة كما هو مقترح في التغيير.

      الأمر الثالث هو ان المهمات التي أنيطت بالسلطة الجديدة لا تشتمل على أي أمر يتعلق بالأقلية العربية في البلاد. إن عدّة أمور، يجب على السلطة الجديدة ان تؤديها، غير أنها لم ُتذكر في المقترح! اذكّر أن التغيير المقترح لا يطلب من السلطة الجديدة ان تهتم بتوفير وحدات السكن للأقلية العربية في البلاد، في حين ان ضائقة السكن المتوصلة في الوسط العربي اصبحت معروفة للقاصي والداني، وذلك نتيجة لسياسة حكومية مقصودة ادّت الى انعدام مخططات هيلكية تلبي حوائج البلدات العربية.

      الأمر الأضافي الأسوأ والذي اعتبره نقطة مفصلية في كفاح الأقلية العربية نحو المساواة, هو ان الأتفاق المذكور بين دائرة اراضي اسرائيل وصندوق اراضي اسرائيل ينص على ابقاء مبدأ عدم تسويق اراضي صندوق اراضي اسرائيل, التي ستدار فيما بعد من قبل السلطة الجديدة, لغير اليهود! وهو ما يعني اقصاء الأقلية العربية عن حقها في الأرض والمسكن من مساحة ارض كبيرة جدا. هذا بالاضافة إلى أن المبادلة المقترحة والتي سيحصل حسبها صندوق اراضي اسرائيل على اراض في الجليل والنقب, لا تسوّق إلاّ لليهود فقط, ستضع الأقليّة العربيّة أمام مرحلة جديدة تساهم في انجاح المقترح الحكومي لتهويد الجليل والنقب!

        خلاصة القول, التغيير المقترح سيّء جدا بالنسبة للأقلية العربية في البلاد مما يحتـّم علينا كأفراد وجماعات، ونواب ومؤسسات أن نعمل جاهدين لأبطال القانون المقترح او تغييره بشكل جذري ليؤمن حقوق الأقلية العربية في المساواة والمسكن. حتى ولو أننا أخفقنا في تغيير الاقتراح عبر أروقة الكنيست, فعلينا ان نعدّ العدة لمقارعة هذا الأقتراح في اروقة محكمة العدل العليا.

*يعمل الكاتب أيضا محاضرا للقانون في كلية الحقوق في الجامعة العبرية بالقدس وعضوا للجنة التنظيم والبناء لنقابة المحامين في إسرائيل

قد يهمّكم أيضا..
featured

سلام الاستسلام مسموم ولن يرى النور

featured

صباحُك حَمْدٌ يا حمدين صباحي

featured

وهم الحلف الثنائي الأميركي - الصيني

featured

بثباتنا في أرضنا، نحن من سيفرض الحل للقضية الفلسطينية

featured

رَحيلُ الاصدقاء

featured

الان جاء دورعادل مناع : التسطيح الاكاديمي والافتراء الفظ على الشيوعيين وتاريخهم!

featured

مات عربي. حسنا