مستنقع العنصرية الآسن..!

single

لا أرى في الحالة المتفشية في إسرائيل، والزاحفة كالاخطبوط، مجرد اجواء عنصرية. فالأجواء متغيرة ومتحولة ولا تستقر على حالة واحدة، ولا هي مجرد ظاهرة لا تلبث ان تكون عابرة. كما انها ليست مزاجًا يتكيف مع المستجدات، وهي بكل تأكيد ليست نوبات تصيب اصحابها ثم يعودون الى رشدهم بعد عبور النوبة وتجاوزها. ولان المسألة ليست كذلك فهي اكبر من ذلك بكثير، واخطر من ذلك في كل الحسابات. فالذي نراه ونشهده هو مستنقع فاسد وآسنٌ للعنصرية، تغذّيه الأوساط الرسمية، وقد غرق في هذا المستنقع الحاكمون والمحكومون، على حد سواء. فالمنظمات التي تدعو لمقاطعة المحلات التجارية العربية، والمحلات التي تفصل العمال والعاملات العرب انتقامًا من تعبير عن الرأي، والتفوهات العنصرية التي تخرج من أفواه المسؤولين وغير المسؤولين، هذه ليست ظواهر عابرة، أو زلات لسان، او مجرد مزاج آني. انها ثقافة متأصلة في النفس، وهي سلوك عدواني لنفس متصلة بأسباب الأذى، موصولة النسب بجبال الشر. وهي نمط من أنماط الغرور والاستعلاء الكولونيالي الذي طبع دائمًا غلاة المستعمرين. وقد تكون الحالة التي اتحدث عنها اكثر شدة وحدّة من حالات عرفها التاريخ، لكنها جميعًا تبقى نتاج المستنقع الفاسد والآسن.
 وإذا تحدثنا عن المقاطعة فإنها سلاح ذو حدين، والجماهير العربية ليست الوحيدة المتضررة منه، وربما يكون ضرر المجتمع الاسرائيلي اكبر من ذلك مرات ومرات. فالذي نعرفه ونراه ان مشتريات اليهود من الأسواق العربية، أو المحال التجارية في بلداتنا، محدودة جدًّا. واليهودي حيث يشتري من هذه السوق او ذلك المحل فلأسباب اقتصادية بحتة، لان المنتَج الذي يشتريه يكون عادة هو الارخص. ولو وجدوا مثيلا له، وبنفس السعر، في المحلات اليهودية لما ارتادوا اسواقنا او محلاتنا التجارية. وهذا أمر طبيعي ومشروع، فلا هم يأتون للشراء عندنا حبًّا في سواد عيوننا، ولا يأتون للتأكيد على التعايش المشترك مع العرب!! فالجيب هو سر المجيء من عدمه، والذين يرتادون المطاعم العربية لأكل الحمص (الأصلي) غالبا فلكي يستمتعوا بذوقها اللذيذ، وطعمها الشهي. وهي زهيدة الثمن في كل الحالات، ويبقى هؤلاء في اطار قليل وضعيف.
 اما عشرات الآلاف من المواطنين العرب فإنهم يرتادون صباح مساء كل مكان في اسرائيل. يصرفون نقودهم في المطاعم والمقاهي والمجمَّعات التجارية المعروفة في كل المدن الاسرائيلية. وهؤلاء يشكلون عشرات اضعاف اليهود الذين يشترون من العرب. فالمردود الاقتصادي والمادي، الذي يعود على المحلات التجارية اليهودية، اكبر بكثير ولا يمكن مقارنته بالمردود العائد للمحال التجارية العربية. وقد رأينا مؤخرًا كيف توقفت الحياة التجارية نهائيًّا في مدينة العفولة، بعد إطلاق النار على الصبية النصراوية في محطة الباصات هناك. لقد شلّت الحركة التجارية في العفولة تماما، وراح أصحاب المصالح هناك يستنجدون عودة الزبائن العرب. وما ينطبق على العفولة ينطبق على الخضيرة، وغيرها من المدن اليهودية. فهل فكّر اصحاب ودعاة مقاطعة المحال التجارية العربية بردة الفعل المعاكسة من الجماهير العربية؟! أليس بوسع المقاطعة العربية للمحلات اليهودية أن تشلّ الحركة فيها وتكبدها خسائر، أضعافًا مضاعفة من الخسائر التي يمكن أن تلحق بصاحب المصلحة العربي، أم أن هؤلاء ومن يحركهم، ويحرضهم، قد أعماهم حقدهم الأسود وعنصريتهم الفاسدة، فلا يرون إلا أنفسهم كما لو أن مفاتيح الدنيا بأيديهم وحدهم:
ألا لا يجهلهن احدٌ علينا     فنجهل فوق جهل الجاهلين
ولا اجد ما اقوله لهؤلاء إلا ان اخرسوا فأنتم المتضررون أكثر منا بكثير، واحسبوها تجدوها...!
وإذا كانت هذه دعوة  أفراد أو منظمات أو هيئات فتلك مصيبة، لكن المصيبة الأكبر حين تجد العنصرية المتفشية من يرعاها ويحرّض عليها في اعلى المؤسسات الرسمية والحكومية. فالأقوال الصادرة عن كبار المسؤولين والأفعال المرتكبة بأوامر رسمية لا تفضح المؤسسة الإسرائيلية فحسب، وإنما تدينها وتلبسها عارًا يندى له جبين الانسانية خجلًا. فالقتل المتعمد للفتيان والصبية الفلسطينية يوميًّا بذرائع  "محاولة طعن" أصبح إعدامات يومية الهدف منها القتل ومزيد من القتل. فهل يقتنع عاقل على وجه الارض بذريعة مقتل طفلة فلسطينية، قبل أيام، تبلغ من العمر ثلاثة عشر ربيعًا على يد "حارس امن"، ادّعوا انها كانت تنوي طعن إسرائيليين؟!!
وحتى لو كانت هذه الطفلة مسلّحة برشاش فانه لا خطر على احد منها، لأنها لا تستطيع استعمال مثل هذا الرشاش. فأية أكذوبة هذه انها كانت تخفي سكينًا لم يستعمل قط. ولا أدري ان كان شيء من هذا القبيل بحوزتها، فهذه الهستيريا التي خلقتها حكومة نتنياهو أعطت الشرعية لكل حاقد جبان ان يقتل العربي الفلسطيني، في أي مكان كان بذريعة "النية". فهو محصّن من الملاحقة والعقاب، ومحميّ قانونيًا ورسميًا. وهذه حالة غير مسبوقة، حتى عند غلاة المستعمرين منذ ظهور الاستعمار وحتى اليوم..!
والانكى من ذلك ان العالم الحر، والرأي العام العالمي المأزوم، لا يحرك ساكنًا، ولا يرفّ له جفن أمام حالة القتل العنصرية الاسرائيلية الرسمية والمبرمجة. وحين تنتقد وزيرة خارجية السويد هذه الممارسات، فان الغضب الصهيوني ينزل عليها حتى يسكتوها، ويسكتوا كل صوت حرّ، يمكن ان يرتفع ويقول: لا يا حكام إسرائيل..!
ومن حقنا ان نسأل المجتمع الإسرائيلي، ان كان لدى البعض بقايا ضمير: أين انتم؟! ولماذا لا ترفعون اصواتكم لوقف هذه الجرائم بحق أبناء فلسطين، وهي ترقى إلى جرائم الحرب، وربما قد تصل إلى جرائم بحق الإنسانية؟!، فهؤلاء الفتية وهؤلاء الشباب، الذين يصفهم حكامكم بـ "المخربين" إنما هم شباب أطهار انقياء، ككل شباب العالم، رأوا الآفاق قد سُدّت في طريقهم، وفقدوا الأمل فجرّهم اليأس وأشعلوا أنفسهم، كما فعل محمد بوعزيزي في تونس قبل خمس سنوات، والشاب يحياوي قبل ايام في مدينة القصرين التونسية، ليقولوا للدنيا ان لنا قضية عادلة، وان حالات القهر والإذلال أصبحت لا تطاق. فالذي يريد ان يتعايش مع الفلسطينيين والعرب، وينشد السلام معهم، عليه ان يصغي لمطالب الطرف الآخر. لا ان تأخذه العزة بالنفس، ويمعن في قهرهم وإذلالهم وإخضاعهم لاحتلال بغيض، سيظل وصمة عار في جبينكم الى ابد الآبدين.
 ومع كل ذلك، فان الشعب الفلسطيني العظيم، صاحب التضحيات الجسام على مدى قرن من الزمن، لن يهون ولن يستسلم. ولا يمكن ان ينسى الجرائم التي ترتكب صباح مساء بحق أعز أبنائه..، لن ينسى ولن يغفر، والبادئ اظلم..!!
قد يهمّكم أيضا..
featured

فلسطين قضية قومية ، وليست وطنية فقط

featured

أبو سنان، وخندق التحدي وافشال المُبيَّت

featured

الاتحاد، 70 من النضال

featured

مسرحية أوباما نتنياهو- إسدال الستارة

featured

زيارة إلى حيّ الأشباح في الخليل: مع هذه الدّراجة يمكن فقط التدحرج

featured

"اجراءات ملموسة" روسية-أمريكية

featured

وطني .... وطني ... زدني حبًّا