كسب الإسرائيليون، عسكريا، معركة السفن في عرض المتوّسط قبل يومين، لكنهم خسروا، سياسيا، حرب الحصار المفروضة على غزة. لم يعد مطلب إنهاء الحصار الإسرائيلي حكرا على حماس، بل أصبح مطلبا يحظى بالتأييد من جانب قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. وهذا يعني أن العملية التي استهدفت تشديد الحصار أسهمت في توفير مزيد من الشروط الموضوعية لكسره. والمسألة مسألة وقت لا غير.
للخسارة السياسية دلالات أخلاقية، أيضا. فالتبريرات التي ساقها الإسرائيليون لتفسير سقوط هذا العدد الكبير من القتلى من الجرحى لن تقنع أحدا في العالم، خاصة وأن السيطرة على السفن تمت في المياه الدولية، وأن المتضامنين لم يكونوا مسلحين. وبالتالي فإن ما يحدث يتمثل انتهاكا لعدد من القوانين والقيم السائدة في عالم اليوم. والمحصلة النهائية لعمل كهذا تسحب المزيد من الرصيد الأخلاقي، غير الكبير أصلا، للدولة الإسرائيلية. ومع استمرار الحال على هذا المنوال سيجد الإسرائيليون أنفسهم في يوم ربما لم يعد بعيدا وقد أصبحوا في وضع يشبه وضع جنوب أفريقيا في زمن حكم الأقلية البيضاء.
وللخسارة السياسية دلالات إقليمية ذات أبعاد إستراتيجية. فالكتل البشرية الكبرى في الشرق الأوسط هي العربية، والإيرانية، والتركية. وبين هذه الكتل الكثير من القواسم المشتركة بالمعنى التاريخي والثقافي، ولديها الكثير مما يصلح كقواسم سياسية مشتركة في عالم اليوم. وباستعداء تركيا، وتوتير العلاقة معها، يكون الإسرائيليون قد أحكموا الطوق حول أنفسهم، خاصة وأن الكتلتين الثانية والثالثة في طور الصعود كقوى إقليمية فاعلة، وبالأخص لأن المسألة الفلسطينية تمثل البوابة الذهبية لكل قوّة صاعدة ذات مطامح إقليمية.
تُضاف إلى الدلالات الإقليمية للخسارة السياسية حقيقة أن النظام القائم في مصر لن يقبل إلى ما لا نهاية أن يجد نفسه في وضع يوحي بالتواطؤ مع سياسة الحصار الإسرائيلية، حتى وإن كانت لديه أسبابه الخاصة، وكانت تلك الأسباب صحيحة من حيث المصالح الأمنية والسياسية والإستراتيجية للدولة المصرية، وتحفظاتها إزاء سلطة للإخوان المسلمين في قطاع غزة. لن يتوقف أحد في الشارع المصري، وفي العالم العربي عموما، وفي ظل أحداث ضاغطة، أمام حسابات من هذا النوع.
أما على صعيد العالم، فإن سياسة فرض الحصار على غزة، التي تتفاوت مواقف أغلب الدول الأوروبية، والولايات المتحدة، منها ما بين تأييد مشروط، وعدم ممانعة، أصبحت تشكل عبئا سياسيا وأخلاقيا على كاهل تلك الدول، خاصة وأن أعمالا من نوع مهاجمة سفن في مياه دولية، وقتل مدنيين على متنها، تضفي على الحصار بعدا أكثر تعقيدا من مجرد الوقوف ضد حكم حماس في غزة، أو ممارسة الضغط لإطلاق سراح شاليط، وتمنح معارضي الحصار في تلك الدول مزيدا من الذرائع المُقنعة. وقد تعززت هذه الذرائع في اليومين الماضيين، خاصة وأن المعلقين وبعض صنّاع الرأي في إسرائيل طالبوا بتشكيل لجنة تحقيق، وألقوا باللوم على عاتق نتنياهو وحكومته.
في كل ما تقدّم تتجلى بعض معاني الخسارة الإسرائيلية. وهذه المعاني مرشحة للتكاثر في قادم الأيام. ولكن السؤال الأهم: كيف نستثمر الخسارة الإسرائيلية بطريقة تُسهم في تفكيك نظام الأبارتهايد ودحر الاحتلال؟
