زيادة كمية في تغطية "شؤون المرأة" – لكن بأي توجه وبأية نوعية؟ (صورة توضيحية)
غالبيّة النّساء الصّحفيّات هنّ فتيات تعلّمن ضمن هذا المجتمع وذوّتن نظرته. فاحد مميّزات السّيكولوجيّة للإنسان المقهور هو تذويت الدّونيّة
النّسويّات الفلسطينيّات تعلّمن أنّ الشّخصيّ هو سياسيّ، وهو درس تعلّمته النّساء في العالم، لكنّ لنا خصوصيّاتنا لكوننا جزءًا لا يتجزّأ من نضال شعبنا
أصدر مركز إعلام في النّاصرة دراسة حول تمثيل المرأة في الصّحف العربيّة القطريّة، قام بها د. أمل جمّال وسماح بصول. وعُقدت ندوة ناقشت هذه الدّراسة.
هذا البحث هام لكونه يهتمّ في وسائل الإعلام، إذ يُعتبر الإعلام عاملاً مؤثّرًا في صياغة السّياسات الاجتماعيّة والثّقافية في مراحل تطوّر الحركات الاجتماعيّة، ويقوم بدور فعّال في تعريف المواطنين والمواطنات بقضايا المجتمع. فعمليّة الاتّصال والتّبليغ الجماهيري تهدف إلى إحداث أثر في المستلم سواء كان هذا الأثر يبغي تعزيز سلوك معيّن أو تغيير سلوك.
يعرض البحث نتائج صارخة عن صورة المرأة في الصّحف التّجاريّة العربيّة في البلاد، ونتائج كثيرة تثير التّفكير، وتحثّ القارئ على أخذ موقف والخروج من الحياديّة. فلدى تناول الخطاب الإعلامي مثلاً، تبيّن أنّ غالبيته كانت حياديّة، حتّى في الحالات الّتي يدور فيها الحديث عن قضايا اجتماعيّة مؤلمة. ويشير البحث إلى أنّ هذه "الحيادية" لا تعمل ضدّ المعتدي بل تعمل لصالحه. إنّ عدم اتّخاذ موقف أخلاقيّ في حالات كهذه يشكّل وقوفًا إلى جانب الطّرف القويّ في المعادلة الاجتماعيّة". ولن أتمكّن هنا من استعراض جميع النّتائج، ومن المهمّ العودة للبحث من أجل ذلك. لكن وعلى الرّغم من أهمّيّة البحث ونتائجه، هنالك بعض الفجوات والّتي يركّز عليها هذا المقال.
يتعرّض البحث لصحيفة كلّ العرب، الصّنّارة وبانوراما. ولا يتطرّق إلى الصّحف الحزبيّة، حتّى أنّه لا يتعرّض إلى الصّحيفة اليوميّة العربيّة الوحيدة في البلاد - الاتّحاد. إنّ الصّحف التّجاريّة يزيد عدد صفحاتها حسب عدد الإعلانات، ويصفها البحث بأنّها صحف صفراء. ويستعرض في المقدّمة مميّزات هذه الصّحف الصّفراء، لكن في تحليل النّتائج لم نلحظ ربطًا بين النّتائج والمميّزات لهذه الصّحف الصّفراء.
* سياق تاريخيّ
لم يتعرّض البحث إلى السّياق التّاريخي. فعلى الرّغم من أنّ تاريخ الكتابة الصّحفيّة النّسائيّة أو الكتابة عن المرأة وقضايا النّوع الاجتماعي يعود إلى نهاية القرن التّاسع عشر، وتعتبر هند نوفل أمّ الصّحفيّات العربيّات وعميدتهنّ لكونها بادرت إلى تأسيس مجلّة الفتاة سنة 1882 في الإسكندرية1، لم يستعرض البحث هذا السّياق التّاريخي الّذي كان من الممكن أن يضفي بعدًا مهمًا لفهم الواقع الحالي.
كما ولم يراجع البحث أبحاثًا شبيهة صدرت في البلاد كبحث منى ظاهر عن الموضوع تمّ إعداده ضمن مشروع البحث والتّدريب للنّساء الفلسطينيّات، والذي كان مركز الطّفولة- مؤسّسة حضانات النّاصرة شريكًا فيه، والّذي بحث في صحيفتيْ كلّ العرب والصّنّارة على مدى 12 شهرًا (سنة كاملة) من بداية العام 2002 وحتّى نهايته وكذلك مجلّتي الليلك (التّابعة لصحيفة الصّنّارة) والليدي (التّابعة لصحيفة كل العرب) في العام 2002، والّذي نشر في كتاب بحث صدر عن مركز الطّفولة في العام 2006، كما ولم يتطرق إلى مقالة أخرى لبروفيسور خولة أبو بكر والّتي كانت مشرفة على بحث منى ظاهر، فاستخدمت المعطيات الّتي جمعتها منى لبحثها وأضافت عليها معطيات عن جريدة بانوراما، ونشرت المقال الّذي بعنوان " تأثير شخصيّة النّساء العربيّات في المجلاّت النّسائيّة على الرّفاه الاجتماعي الشّخصيّ" في كتاب ضمّ عدّة مقالات لباحثين وباحثات بعنوان " نساء عربيّات- وصف حال ونظرة للمستقبل (صدر باللغة العبريّة عن جامعة تل أبيب 2009). المقارنة الوحيدة كانت مع بحث أعدّه د. أمل جمّال وأميمة ذياب وأصدره مركز إعلام في سنة 2006.
عدم المقارنة مع نتائج لأبحاث أخرى تؤثّر على استنتاجات البحث. فالبحث يستنتج أنّ هنالك 800% زيادة في كمّيّة التّغطية الإعلاميّة لقضايا المرأة، وذلك بناءً على المقارنة مع بحث إعلام السّابق، بينما لو قارن البحث نتائج بحث منى ظاهر- مركز الطّفولة لظهر أنّ هناك تشابه. فقد كانت النّسبة في بحثها هي 23% من معدّل الأخبار ترتبط بالمرأة وقضايا النّوع الاجتماعي، وهي نسبة مشابهة لما بيّنه الحالي. فقد وصلت النّسبة إلى 22.18% فهل هنالك زيادة؟ وما هي نسبتها؟ أم أنّ هنالك اختلاف في المعايير المستخدمة في الأبحاث والّتي تؤدّي إلى اختلاف في طريقة الحساب!!
بعد تاريخي آخر لم يتناوله البحث، هو تاريخ عمل المؤسّسات النّسويّة مع الصّحف والصّحفيّين والصّحفيّات. وذلك لتحسيسهم بقضايا النّوع الاجتماعي. فقد قامت المؤسّسات النّسويّة ومنذ مطلع سنوات الـ90 بعمل جهد كبير للتّأثير على طرق تمثيل المرأة في الصّحف، وعلى الرّغم من الصّورة القاتمة الّتي تُظهرها الأبحاث المذكورة والبحث الحالي، فإنّني كناشطة في العمل النّسوي ومتابعة لصورة المرأة في الإعلام أرى تحسّنًا عما كان عليه الوضع. وممّا لا شكّ فيه فإنّ زيادة الأقلام النّسويّة وزيادة الوعي المجتمعيّ لقضايا المرأة هي نتاج لعمل مؤسّسات المجتمع المدني عامّة والمؤسّسات النّسويّة خاصّة.
* فرضيّات مبطّنة
تحتوي الدّراسة على فرضيّات مبطّنة مفادها أنّ كلّ امرأة لكونها امرأة يُتوقّع منها أن تحمل فكرًا سياسيًّا نسويًّا. وهذه فرضيّة سياسيّة تحرّر المجتمع من التّعامل مع قضايا المرأة والنّوع الاجتماعي كقضيّة سياسيّة مجتمعيّة، وتتوقّع أنّ تغيير واقع المرأة هو قضيّة للنّساء فقط. إنّها فرضيّة سياسيّة تلوّم الضّحيّة وتثبت الوضع القائم، إنّها فرضيّة لا تجد أنّ الشّخصيّ هو سياسيّ وأنّ السّياسيّ هو شخصيّ.
إنّ النّسويّات الفلسطينيّات تعلّمن أنّ الشّخصيّ هو سياسيّ. وهو درس تعلّمته النّساء في العالم، لكنّ خصوصيّاتنا كنساء فلسطينيّات نسويّات المتمثّلة بكوننا جزءًا لا يتجزّأ من نضال شعبنا من أجل الحرّيّة والكرامة والمساواة، وبكوننا شريكات في النّضال على الأرض والمسكن والهويّة والبقاء ولقمة العيش، فإنّنا أضفنا لهذا الدّرس العالميّ بأنّ السّياسيّ هو شخصيّ أيضًا. لهذا فإنّ نضالاتنا تأتي متعدّدة الأوجه ولا نستطيع وضع أولويّات للنّضال. فعندما نناضل من أجل رفع الحصار عن غزّة مثلاً، نناضل أيضًا من أجل حقّنا في المشاركة السّياسيّة جنبًا إلى جنب الرّجال في مجتمعنا، نناضل من أجل حقّنا في التّواجد في مقدّمة النّضال وقيادته وليس فقط في خلفيّته كما يريدنا البعض. تعامُلنا مع السّياسيّ على أنّه شخصيّ يجعلنا واعيات أيضًا بالطّبيعة المركّبة لهذا المجتمع وللطّروحات المتنوّعة داخله، فنحترم الاختلاف ولكنّنا نناضل بأن يُحترم اختلافنا أيضًا.
فرضية مبطّنة أخرى، وجدتها في البحث مفادها أنّ الإسلام السّياسيّ يدعم نجاح المرأة ويدعمها في اختراق دوائر اجتماعيّة كانت موصدة أمامهنّ في الماضي (صفحة 7 في البحث). فعلى الرّغم من أنّ الحديث عن "التّأثير المركّب للإسلام السّياسيّ على مكانة النّساء في المجتمع" وهي فرضيّة تحتاج إلى تفنيد لإظهار الأثر المركّب فعلاً، لكنّ الباحثيْن اختارا التّأكيد "لكنهنّ نجحن – من خلال تديّنهنّ – في اختراق دوائر اجتماعيّة كانت موصدة أمامهنّ في الماضي...." فهل هذه صدفة أم انعكاس وترويج لفكر معيّن؟؟؟
* نتائج غير مسندة
يذكر البحث صفحة 23 "المقابلات الشّخصيّة مع النّساء اللواتي يتبوّأن مناصب قيادية تظهر أنّ غالبيّتهنّ يفضّلن عدم تغطيتهنّ في الإعلام ويفضّلن عدم الانكشاف للجمهور الواسع". والسّؤال المطروح هنا: الحديث عن أيّ مقابلات؟ بالوقت الّذي لم يستخدم فيه هذا البحث هذه المنهجيّة؟؟
وهنالك بعض التّحليلات غير المسندة أو المتناقضة بعض الشّيء. فمثلاً يشير الباحثان : "تثبت بيانات هذا البحث أنّ المعيار الأكثر فاعليّة في الصّحف يرتكز على تذويت هامشيّة النّساء من قبل النّساء أنفسهنّ وتقبّل هويّتهنّ الجنسيّة والأدائيّة"، وهو أمر منطقيّ. فغالبيّة النّساء الصّحفيّات هنّ فتيات تعلّمن ضمن هذا المجتمع وذوّتن نظرته. فاحد مميّزات السّيكولوجيّة للإنسان المقهور هو تذويت الدّونيّة، وهذه ليست صفة نسائيّة فقط بل صفة نجدها لدى الكثير من المقهورين. وقد كتب أوّل من كتب عن هذه الظّاهرة فرانس فانون ارتباطًا بالإنسان الجزائري وتعامله مع المحتلّ الفرنسي خلال الاستعمار الفرنسي للجزائر. ولكن من يذوّت دونيّته يتبنّى القيم والمعتقدات الّتي تعزز هذه النّظرة ولا حاجة له إلى رقابة ذاتيّة. لهذا فإنّني أجد تناقضًا بين ما يثبته البحث من تذويت الدّونيّة وكون الصّحفيّات "يفرضن على أنفسهنّ رقابة ذاتيّة".
* تحليل كمّي ونوعي
منهجية البحث الحالية "كمّيّة ولكنّها مدمجة بجوانب نوعيّة مهمّة". وهذه منهجيّة تحتاج إلى تمرّس للرّبط بين النّتائج الكمّيّة المسطِّحة للواقع غالبًا ومواصفات الواقع المركّبة غالبً. ولتوضيح هذه الإشكاليّة في بعض الأمثلة؛ يذكر البحث أنّ نسبة كبيرة من التّغطية كانت إيجابيّة (لم يذكر البحث ما هي المواصفات الّتي اعتمدت لقياس درجة الإيجابيّة والسّلبيّة). وعلى الرّغم من محاولة البحث لفحص التّقاطع ما بين طابع التّغطية (إيجابيّة أم سلبيّة) واقتباس أقوال النّساء، ومقولات نمطيّة أو غير نمطيّة، درجة قوّة النّساء، والتّطرّق للمساواة في المقال غير أنّه لا يقدّم تحليلاً نوعيًّا مركّبًا لكلّ هذه المعايير مما يبقي القارئ والقارئة في بلبلة!!
يستخدم البحث بعض المصطلحات الّتي تحتاج إلى توضيح، مثال على ذلك: النّتيجة الّتي يظهرها البحث بأنّ 8% من المقالات كانت ذات مضامين نسويّة. على الرّغم من قراءتي ومتابعتي لما جاء في البحث لعدّة مرّات لم أفهم- ما المقصود بالتّوجّه النّسوي، وما هو التّعريف الإجرائيّ الّذي استخدمه البحث لقياس مفهوم النّسويّة؟؟
تعرّف الأدوار الرّياديّة في البحث بأنّها "تلك الّتي لم تعتبر شرعيّة في المجتمع التّقليدي كالمغنّيات والممثّلات وعارضات الأزياء وغيرهنّ"(صفحة 24). ولكنّ مراجعة هذه المجتمعات التّقليديّة وأدوار النّساء فيها تؤكّد أنّ هذه الثّنائيّة ما بين نساء عفيفات ونساء مرفّهات كانت المميّز لهذه المجتمعات التقليديّة البطريركيّة، والّتي حافظت على هذا التّقسيم القطبي. فالرّياديّة إذًا هي الخروج عن هذه الثّنائيّة واختراق هذه التّقسيمة القطبيّة.
* ناشطة نسويّة ومديرة مركز الطّفولة- مؤسّسة حضانات النّاصرة
1 للمزيد يمكنكم مراجعة: منى ظاهر، صورة المرأة في الخطاب الإعلامي الفلسطيني المكتوب في إسرائيل، إصدار مركز الطّفولة 2006.
