عن الانتخابات البلدية

single

لم تكن الانتخابات البلدية ومجالس السلطات المحلية في فلسطين بديلاً ولن تكون نقيضاً للانتخابات الرئاسية والتشريعية، بل هي مكملة لها، وحق من حقوق المواطنين في إدارة شؤونهم والإسهام والمشاركة في مؤسسات صنع القرار ومؤسسات التنفيذ، خدمة لمصالحهم وتحسيناً لشروط حياتهم وانعكاساً لواقعهم كدافعين للضرائب، على أحوالهم المعيشية والخدماتية.
فالانتخابات حق، مثلما هي الوطنية ودفع الضرائب وحماية أمن البلد واجب وضرورة، في معادلة الحقوق والواجبات التي صاغتها البشرية منذ ولادة المدنية وتطورها وقوننتها، وإذا كانت الشعوب المتحضرة بحاجة لهذه الانتخابات وتمارسها بشكل طبيعي ودوري، لإرساء قاعدة الشراكة وتوسيعها وضخ دماء جديدة في مؤسسات صنع القرار، فالشعب الفلسطيني أحوج وأحق من غيره لهذه الانتخابات، سواء أكانت رئاسية أو برلمانية أو بلدية، ولما كان متعذراً إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بسبب رفض حماس المعلن لها لسببين:
أولهما : أن حركة حماس التي تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، لا تؤمن بالانتخابات كوسيلة حضارية ديمقراطية في عملية تداول السلطة بناء على صناديق الاقتراع، فالانتخابات تستعمل لهدف واحد محدد وهو الوصول إلى السلطة ومن ثم لا مجال لتكرارها، فهم لديهم الحق المطلق في استلام وإدارة السلطة لأنهم مكلفون (حسب إدعائهم) بذلك، ولا مجال للنقاش أو الاجتهاد من قبل الآخرين بهذا الموضوع، بل يجب على الآخرين التسليم بأحقية حماس بالقيادة باعتبارها، كما وصفها إسماعيل هنية، تنظيم رباني مكلف وعلى الجميع أن يقر بذلك ويقبل به مرغماً بالذوق، وإذا لم يفعل سيكون مرغماً بالعافية، كما حصل مع مجموعة ممتاز دغمش، ومجموعة موسى عبد اللطيف التي تمت تصفيتها واجتثاث قوتها وحضورها، رغم أنهم كانوا حلفاء حركة حماس في الانقلاب وضد السلطة الشرعية.
أما السبب الثاني فيعود إلى إحساس وتقدير حركة حماس إلى أن هذا الشعب الباسل الذي أرغم شارون على ترك قطاع غزة وأجبره على فكفكة المستوطنات وإزالة قواعد الجيش الإسرائيلي عام 2005، وعاقب حركة فتح عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية الثانية يوم 25/1/2006ودفع بالأغلبية البرلمانية لصالح حماس، سيعود إلى معاقبة حركة حماس في أي انتخابات مقبلة، بسبب الانتهاكات التي مارستها والفساد المستشري في قطاع غزة والثراء الفاحش الذي طرأ على قياداتها من خلال التهريب وسلطة الأنفاق، فالشعب الفلسطيني عاقب فتح في الانتخابات السابقة رغم تضحياتها ودورها خلال الأربعين سنة من الكفاح، وسيعاقب حماس رغم تضحياتها كذلك خلال العشرين سنة الماضية، وقد برزت دلائل على ذلك في نتائج انتخابات مجالس طلبة جامعات الضفة الفلسطينية الذي رسخ وجود حركة فتح وتفوقها.
حكومة سلام فياض حلّت جميع المجالس المحلية، المنتخبة منها والمعينة، وكلفت المجالس القائمة بإدارة العمل إلى حين إجراء الانتخابات البلدية، مثلما كلفت وزير الحكم المحلي بوضع الإجراءات العملية لتنفيذ قرار الحل وإجراء الانتخابات، كما أن تقرير اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير المقدم إلى المجلس المركزي في دورة "الشرعية الدستورية" يومي 15 و 16 كانون الأول 2009، نص على "الدعوة إلى إجراء الانتخابات المحلية والبلدية بأسرع وقت ممكن ووقف التعيينات"، وقد انعكس كل من قرار حكومة سلام فياض الائتلافية بإجراء الانتخابات البلدية وتوصية تقرير اللجنة التنفيذية الذي حمل عنوان "نحو خطة لدعم الصمود وتجسيد السيادة الوطنية والاعتراف الدولي بحدود الدولة الفلسطينية" انعكس ذلك على قرار المجلس المركزي واستخلاصاته وعلى بيانه الختامي بقوله "يؤكد المجلس على إجراء الانتخابات للمجالس المحلية البلدية والقروية في مختلف مناطق السلطة الوطنية".
إذاً هناك قرار سياسي من قبل اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي ومن قبل حكومة سلام فياض، بإجراء الانتخابات البلدية في سائر مناطق السلطة الفلسطينية، وهو يحتاج للتطبيق والتنفيذ وسرعة اتخاذ الخطوات الكفيلة بإجراء العملية الانتخابية وفق شرطين متلازمين:
أولهما إجراء الانتخابات على أساس قانون التمثيل النسبي الكامل، وثانيهما السماح لكافة القوى السياسية الفلسطينية بالمشاركة في الانتخابات على قدم المساواة بدون استثناء أي طرف أو معاقبته أو عزله أو منعه من المشاركة أو الحد من حريته في الدعاية الانتخابية، بصرف النظر عن مواقفه السياسية، فالانقلاب في غزة لم يمتد إلى الضفة، والانقلابيون الذين يتحكمون في قطاع غزة منفردين، تقابلهم سلطة شرعية في الضفة يديرها ائتلاف سياسي تعددي ديمقراطي لا يحظر على أحد حق ممارسة نشاطه في إطار القانون والتعددية والأساليب المدنية والمعارضة المشروعة الديمقراطية.
الانتخابات، إضافة إلى أنها حق دستوري، ليست منّة أو مكرمة حكومية، بل هي ضرورية ومفيدة لإبراز الفرق الجوهري بين سلطة رام الله الشرعية التعددية الديمقراطية، وبين سلطة غزة الأحادية الحزبية الانقلابية المتسلطة التي لا تحترم التعددية ولا تقر أهمية تداول السلطة من خلال صناديق الاقتراع.
والانتخابات ستنشط القوى السياسية وتجعل الحراك الداخلي ونتائجه قيمة معنوية وسياسية ودلالة على مزاج الفلسطينيين ومدى انحيازهم لهذا التنظيم أو ذاك، ولحجم وقوة التفاف المواطنين الفلسطينيين نحو هذا الفصيل أو ذاك، كما أنه استفتاء شعبي للانحياز السياسي من قبل الجماهير نحو البرنامج الوطني، وأخيراًَ فهو يقدم للدول المانحة والمتعاطفة مع قضية الشعب الفلسطيني وللمجتمع الدولي بأسره، رسالة بليغة مفادها أن الائتلاف السياسي الذي يقود الشعب الفلسطيني ومنظمته الشرعية وسلطتها الوطنية وحكومتها الإئتلافية باعتبارها أداة منظمة التحرير التنفيذية والخدماتية على الأرض وفي الميدان ووسط الناس، يقدمون رسالة مفادها أن الشعب والمنظمة والسلطة والحكومة مع خيار الانتخابات المتاحة، فإذا تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فها هو القرار الجماعي السياسي بإجراء الانتخابات البلدية باعتبارها حقاً وواجباً وضرورة.

h.faraneh@yahoo.com
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

حديث الخميس عن أنفس النَّفيس

featured

الرفيق ناصر... دافَعْتَ أنتَ والرفاق عن الحزب الشيوعي والجبهة فهم شاكرون لَكُمْ

featured

تمييز قومي واقتصادي ضد طلابنا

featured

الحكيم والثورة والانتفاضة

featured

هدر للدم الفلسطيني

featured

حاول ابن الـ 17 أن يهرب من جنود جيش الإحتلال الإسرائيلي، أطْلِقت النار على ظهره فقُتِل

featured

" تساهل ما بيستاهل"

featured

الحلالُ والحرام