سوق عالمية تحتاج إلى عملة عالمية. كان الحال كذلك على مدى العقود الستة الماضية، أي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي خرجت منها الولايات المتحدة منتصرة وبخسائر مادية لا تقارن بما تكبّدته اوروبا. خلال تلك الأعوام احتكرت واشنطن التجارة العالمية، وبنت على أساسها إمبراطورية الدولار.
وبما أن الإمبراطوريات لا يمكن إصلاحها، فإما أن تنهار أو تسقط. وهذا ما يبدو عليه الحال بالنسبة للعملة الخضراء، منذ أن بدأت «الإمبراطورية» الأميركية تتآكل، منذ انهيار مصرف «ليمان براذرز» في خريف العام 2008.
هكذا يرى الخبير الاقتصادي الفرنسي كينيث كويسبوك مستقبل العملة الأكثر تداولاً، حتى الآن، في المصارف والتجارة والاحتياطات، في سائر أنحاء العالم، فالولايات المتحدة لا تزال تسد 25 في المئة من الطلب العالمي على السلع، بمختلف أنواعها.
تشاؤم كويسبوك لا يعني أن العالم ينحو إلى اختيار عملة «عالمية» أو سلة عملات بديلة، على الأقل في المدى المنظور، كما قال لـ«السفير»، ولا حتى في العام 2018، كما تنبأ تقرير مراسل صحيفة «الاندبندنت» روبرت فيسك في مقاله، قبل نحو أسبوعين، الذي عنونه «مصرع الدولار»، كاشفاً عن «خطط سرية» تدرسها دول خليجية، بالتعاون مع الصين وروسيا وفرنسا، «لوقف استخدام الدولار في تجارة النفط».
فيسك ليس الوحيد الذي يؤمن بحدوث ذلك، فعلاً. فالخبير في معهد «كاتو» الأميركي دان ميتشيل قال لـ«السفير» إن «كل الدول الكبرى المصدرة للنفط تجري بشكل دوري، تقييماً لبحث احتمالات استبدال الدولار باليورو» مثلاً، باعتبار أن «البحث عن الاحتمالات يعد إجراء أساسياً في مسألة الأمن المالي»، مضيفاً «أن ضعف السياسة النقدية في الولايات المتحدة يجعل من هذا الاستبدال أكثر احتمالاً»، فمن سيرغب في بيع بضائعه بعملة مستقبلها غير مستقر؟
الدول الخليجية كالسعودية والكويت وقطر والإمارات، نفت، على الفور، ما ورد في تقرير فيسك. وهذا الإصرار لدى الخليجيين يشكّل «لغزاً» بالنسبة للكاتب الأميركي المتخصص في الشؤون الاقتصادية ديفيد ليندوف، والذي عمل مراسلاً استقصائياً في صحف ومجلات اقتصادية عديدة، بينها مجلتا «صالون» وبيزنيس ويك»، وصحيفة «ذا نايشون»، لا سيما أن تحوّل الدول النفطية الكبرى، إلى «التعامل بسلة عملات بينها اليورو والين الياباني وحتماً اليوان الصيني، سيكون مربحاً بشكل كبير بالنسبة إليهم». ورجّح ليندوف أن «يكون هناك، وراء الكواليس، ضغوط تمارسها الولايات المتحدة»، على تلك الدول، فواشنطن لا تزال «قوة عسكرية هائلة، تحمي قطر والسعودية مما تريانه تهديدات من قبل إيران»، قبل أن يستدرك «قد أكون مخطئاً، فإيران أيضاً تسعّر نفطها بالدولار. لماذا؟ لا أعرف».
لكن محلل الأسواق المالية لدى «سي. ام. سي» أشرف العايدي قال إن اعتماد دول الخليج على عملة اخرى غير الدولار «يبقى صعباً في الوقت الراهن»، بسبب ضخامة الاحتياطيات المالية لهذه الدول، التي تتعدى نسبتها 66 في المئة بالعملة الاميركية، (مقارنةً مع 22 في المئة من احتياطياتها باليورو)، «دون ان ننسى أن العامل السياسي وتشابك المصالح التجارية مع الولايات المتحدة ومنها النفط، يبقى احد التحديات نحو هذا التغيير».
وأشار تقرير لمعهد «أي اس ان» في زيوريخ إلى أن لدى السعودية والكويت وقطر وأبو ظبي، مجتمعة، احتياطات تقدّر قيمتها بنحو 2 تريليون دولار، وهو ما قد يفسّر «تردد» الدول الخليجية في «إضعاف الدولار عبر استبداله بعملات اخرى»، لأن ذلك سيخفض من قيمة احتياطاتهم المالية، ويضعف موقفهم في عمليات الشراء.
نظرية التخلي عن الدولار كعملة الاحتياط العالمي، تلقى صدىً حتى من قبل أرفع الخبراء الأميركيين. ففي نهاية أيلول الماضي، توجّه رئيس البنك الدولي روبرت زوليك، الذي ينتمي إلى الشق البراغماتي لحركة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، ويلقَّب بـ«التاجر، وداهية عقد الصفقات»، إلى واشنطن، بالقول إنها «ستكون مخطئة» إن اعتقدت أن سيادة الدولار «مضمونة» للأبد. وردّت إدارة باراك أوباما، بحزم، بأن «الدولار قوي وسيظل لسنوات كثيرة مقبلة عملة الاحتياط العالمي الوحيدة».
المحلل المالي الأميركي المستقل مايك ويتني، الحائز على جائزة «بروجكت سينسورد» للأعمال في العام 2006، وصف تصريحات زوليك بأنها «سياسية بالدرجة الأولى»، فـ«الاحتياطي الفدرالي يرغب في رؤية الدولار ضعيفاً، ليحسن وضعه في عمليات التصدير، وفي مجال الديون المالية».
إعلان زوليك يعجب بكين، على الأرجح. إذ تمثل الصين أكبر المشترين لسندات الخزينة الأميركية، التي تقدر قيمتها بنحو تريليون دولار، ما يثير مخاوفها من التدهور المستمر للدولار، وإن كانت أكثر من 70 في المئة من احتياطاتها المالية، مربوطة بالعملة الخضراء (حسبما قدّر معهد «اي. اس. ان» في زيوريخ)، وقيمتها نحو تريليوني دولار، بحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية.
وكان المصرف المركزي الصيني دعا في آذار الماضي، جهاراً، إلى استبدال الدولار بمخزون عالمي جديد من العملات، بينها اليوان طبعاً، يديره صندوق النقد الدولي.
وإلى ان تتم تلبية رغبتها، عمدت الصين إلى إبرام اتفاق مع روسيا، في وقت سابق من العام، لتعزيز استخدام عملتي البلدين في التجارة الثنائية، على حساب الدولار. وكذلك فعلت مع البرازيل.
أما في إيران، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة الدول المصدرة للنفط، فدعا مندوب طهران لدى أوبك محمد الخطيبي، مؤخراً، دول الخليج إلى ان «تحذو حذونا. فقبل ثلاث سنوات، استبدلنا الدولار بعملات أكثر استقراراً كاليورو والين، في تعاملاتنا النفطية. ولم نندم على ذلك، لأن الدولار يتقهقر».
من جهتها، كانت موسكو أكثر حذراً. وأعلن رئيسها ديمتري ميدفيديف، في أيلول الماضي أن بلاده «راضية» بالدولار كعملة احتياط عالمية، ولكنه شدّد على «الحاجة إلى عملات أخرى».
رداً على سؤال لـ«السفير» حول النموذج الأمثل لنظام اقتصادي أكثر توازناً، اقترح ليندوف أن يتم «إبعاد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عن السيطرة الأميركية»، مقترحاً أيضاً أن «تتوقف الصين والهند وغيرهما من الدول، ببساطة، عن دعم تمويل الحروب الأميركية في الخارج، والتي لم تكن لتُشَنّ لو لم تتمكن واشنطن ببساطة أن تقترض من الخارج»، معتبراً انه «طالما أن الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا تسيطر على القطاع المصرفي الدولي، سيبقى بقية العالم متقهقراً»، وإلى أن «تتوقف الصين والهند والسعودية وغيرها عن القبول بالدولار كعملة احتياط.. لن يشهد الاقتصاد العالمي التوازن» المنشود.
بالنسبة لميتشيل الحل قد يأتي «بصورة تلقائية»، عبر اعتماد ثلاث وسائل «بسيطة» هي: «الأسواق الحرة، والتجارة المفتوحة، والسلام»، شرط ألا «ترتكب السياسات الحكومية (أياً تكن) أخطاء»، لم يحددها.
من جهته، قال ويتني لـ«السفير» إنه بما أن الولايات المتحدة «لن تتنحّى عن موقعها المتغطرس بوصفها مديرة النظام الاقتصادي العالمي من دون أن تقاتل. على دول طموحة (كالصين والبرازيل وروسيا والهند) أن تدرك أن الاقتصاد حرب، وفي الحروب ليس هناك بديل للنصر. تحتاج هذه الدول إلى تطوير تحالفات قوية واستراتيجية متماسكة من أجل الإبقاء على انعدام التوازن الأميركي. تلك هي الطريقة الوحيدة من أجل أن تحقق هذه الدول هدفها الأساسي في ضمان حياة أفضل لشعوبها».
عن "السفير"
