*تلخيص المقالات السابقة: قراءة الذات والآخر تتداخل فيما بينها وهي ليست قراءة موضوعية. الهوية الفردية في المجتمعات الجماعية كمجتمعنا العربي هي هوية جماعية تشمل بداخلها قيم ومصالح الجماعة التي ينتمي الفرد إليها. لذلك فالعلاقات بين شخصين في مثل هذه المجتمعات هي علاقات بين مجموعتين. العلاقات بين الآخر المنتمي لمجموعة انتماء أخرى كطائفة أو قومية أخرى يشوبها الكثير من تقديس الذات وشيطنة الآخر. بعكس ما يعتقده الكثيرون فإن الوصول إلى سلام في العلاقات الفردية وفي العلاقات بين الشعوب لا يأتي من خلال البحث عن قراءة موضوعية متفق عليها والوصول إلى عدالة مطلقة، بل من خلال هجر هذا النهج وقبول الاختلاف واحترام الآخر والكف عن شيطنته وعن تقديس الذات*
• حب الذات أمر صحي يشكل الأساس لحب الآخرين ورافعة نحو بناء علاقات صحية معهم.
• في النرجسية والتفاني اختراق للحدود بين الذات والآخر ويشحنا العلاقة بالقلق من جهة والغضب من جهة أخرى.
• العلاقات السليمة هي المبنية على حب الذات، لا النرجسية، وعلى التماهي مع الآخر، لا التفاني.
*النرجسية (التمركز في الذات):
حب الذات أمر صحي وطبيعي ولا يأتي حتما على حساب حب الآخرين بل يشكل الأساس في تطوير علاقات سليمة مع الآخرين وفي اتخاذ موقف محب تجاههم. العلاقات بين الأهل وأولادهم مثلا تبين كيف أن حب الذات يكمل حب الآخرين ويسهم في تطوير علاقات أخذ وعطاء بينهما. فالأهل يريدون النجاح والتفوق لأولادهم ويبذلون مما لديهم من أجل ذلك ليس فقط لأجل أولادهم بل أيضا من أجل أنفسهم، وكذلك الأولاد الذين يريدون رضى والديهم وسعادتهم إنما يريدون ذلك أيضا لأجل أنفسهم. حب الذات يكون صحيا حين يكون متوازنا مع التعاطف مع الآخرين وفي إطار أخذ وعطاء متوازنين. هذا التوازن هو الذي يجعل العلاقات صحية ومفيدة للطرفين. حين يكون هذا التوازن قائما فلا ينزعج أي طرف من حب الآخر لنفسه، بل ربما يسعد لذلك، ويزيد من حبه للآخر (إلا في الحالات الشاذة). من زاوية أخرى يمكن القول أن الناس يعجبون بمن يحبون أنفسهم ويحترمون أنفسهم وينفرون ممن يكرهون أنفسهم ويحقرونها. لذلك فحب الذات يمكن أن يكون الرافعة لحب الآخرين لنا ولحبنا لهم.
أما النرجسية، أو التمركز في الذات، هي نوع من الاضطراب في شخصية الفرد يكون فيها متمركزا في نفسه بشكل متطرف، وغير قادر على فهم الآخرين أو التعاطف معهم. موقف النرجسي من الآخر يعتمد بمدى الخدمة التي يقدمها له ذلك الآخر. حين يقدم الآخر الدعم والحب فعندها يظهر النرجسي تعلقا به، أما حين ينشغل الآخر بأمور أخرى فيصبح هذا الآخر بالنسبة للنرجسي إنسانا كريها أو عدوا.
سيجموند فرويد يدعي بحق بأن شيئا من النرجسية يكمن في كثير من الناس ويرافق كثيرا من السلوكيات التي تبدو على السطح بأنها عطاء وتفان. كثير ما نسمع فنانين يصرحون عبر شاشات التلفزيون، بكثير من الانفعال، كم هم يحبون جمهورهم ومستعدون للتضحية لأجل هذا الجمهور. طبعا هذا الحب للجمهور هو حب نرجسي إذ أنهم لا يعرفون عن ذلك الجمهور أي شيء يحبونه أو يكرهونه سوى أن هذا الجمهور يشتري انتاجهم ويصفق لهم، لذلك فهو حب الفنان لنفسه و "تضحيته" من أجل نفسه ليس إلا.
*التفاني (إلغاء الذات):
كما جاء سابقا، فالتعاطف مع الآخرين والمشاركة في علاقات أخذ وعطاء متوازنة هو أمر صحي للفرد وللمجتمع. أما التفاني فهو أمر مختلف ويعني بشكل عام أن يفني إنسان نفسه لأجل إنسان آخر. يبدو للوهلة الأولى بأن التفاني هو نوع من العطاء المجاني إلا أن الحقيقة غير ذلك. في معظم الأحيان يكون التفاني نابعا من نرجسية مخفية. فالطرف المتفاني بحاجة ليشعر أنه يعطي غيره وأن يقال عنه أنه طيب ومتفان. وأحيانا ينتظر المتفاني في قرارة نفسه مردودا من الطرف الذي تفانى لأجله، إن كان ذلك مردودا معنويا كالشكر والامتنان مثلا أو ماديا كرد العطاء بمثله. ماذا يحدث بين الإنسان المتفاني والإنسان المتفانى لأجله؟ بعكس الانطباع السائد، فأن هذه العلاقة تعود بالضرر على كليهما وعلى العلاقة بينهما. سرعان ما تتحول مثل هذه العلاقة إلى علاقة مشحونة بالإحباط واللوم والاختناق. سأوضح الأمر من خلال حالة عالجتها:
حضر لعيادتي شاب برفقة أبيه المهندس. قال الوالد أن مشكلة ابنه هي أنه يجد صعوبة في اتخاذ القرارات وهو محتار في الموضوع الذي ينوي تعلمه في الجامعة. لقد بدأ بتعلم الهندسة ثم ترك التعليم ولا يدري ما يفعل. الوالد أضاف بأنه على استعداد لأن "يعطي ابنه عيونه" كي يتعلم. لقد كان في مثل هذه التعبير المجازي تلخيصا لجذور مشكلة هذا الشاب. إنه الابن الثالث بعد بنتين لذلك كان محط أحلام والديه. من جهتهم "تفانيا" من أجله "وأعطياه عيونهما" كي يحقق حلمهم بأن يصبح رجلا مستقلا ومتعلما، ومن جهته عاش في ظل دَين من "التفاني" الذي أثقل عليه وحرمه من حرية تحركه وخوض تجاربه، التي كان من المفروض أن يتعرف من خلالها على نفسه وعلى محيطه، ويطور شخصية مستقلة وقادرة على اتخاذ قرارات في الأمور الصغيرة، ليصل إلى قدرة على اتخاذ القرارات في الأمور الكبيرة كالتعليم. هذا التفاني هو نوع من العطاء الذي يشلّ الآخر، لذلك لا عجب أن وصل هذا الشاب لجيل التعليم الجامعي وهو عاجز على اتخاذ قرارات. ليس هذا فحسب، بل إنه خلال اللقاءات التي تمت مع كل من الشاب من جهة ومع والديه من جهة أخرى تبين أن كل طرف مشحون بالغضب واللوم والامتعاض من الآخر. الوالدان من طرفهما شعرا بأنهما ضحيا بكل شيء دون نتيجة مُرضية، والشاب من ناحيته شعر بالاختناق والحرمان في مثل هذه المعاملة التي تعطيه ما هو ليس بحاجة له وتحرمه مما يحتاجه من حرية التحرك والتطور. تبين أن الحب الذي ظهر في اللقاء الأول كان مجرد غطاء هش يخفي في ثناياه إحباط وغضب كلا الطرفين.
حين كرر الأب في أحد اللقاءات قوله بأنه "يعطي عيونه لابنه" توقفت عند هذا التعبير وسألته لماذا تعطيه عيونك؟ أليس لابنك عينان؟ وواصلت الحديث معه ليدرك الشعور بالاختناق والذنب الذي يشعره ابنه في علاقة مع أب "يعمي نفسه لأجل ابنه"، وليدرك أنه بتفانيه هذا إنما شل مقدرة ابنه على استعمال عيونه وعقله ليتبصر طريقه في هذه الدنيا. طبعا استمر العلاج في جلسات عديدة لنقل العلاقة من هذه الحالة إلى حالة يستخدم الابن حواسه وعقله لإدارة شؤونه، ويقرر فيما بعد أنه يريد العمل في تطوير زراعة التوت في الأرض التي ورثها أبوه، بينما "ينظر" الوالدان إليه بنظرة الرضى. أجل نظرة الرضى من الأهل أهم بكثير من إعطاء الأهل عيونهم لأولادهم.
*الاضطرابات الناتجة عن فقدان الحدود بين الذات والآخر:
في النرجسية اختراق قسري لحدود الآخر ولحقه في سيادته على نفسه، وفي التفاني تنازل عن الذات وتسليمها طوعا للآخر. هما حالتان متطرفتان من اختراق الحدود بين الذات والآخر. هذه الحدود ضرورية لأنها تعطي كل طرف شعورا بالأمان وبالسيادة على ذاته. علاقات الأخذ والعطاء والتضحية يجب أن تدار مع وجود مثل هذه الحدود التي يمكن أن تكون حدودا متشددة أو حدودا مرنة أكثر لكن في أي حال يجب عدم التفريط بمثل هذه الحدود التي تميز الذات عن الآخر. العلاقات بين الأفراد مثل العلاقات بين الدول: يمكن أن تكون علاقات مبنية على الاستقلال الكامل بحيث تدير كل دولة شؤونها بواسطة حكومة مستقلة ويحرس حدودها جيش مستقل، أو علاقات فدرالية أو كونفدرالية يكون فيها تداخل ومشاركة ومرونة في العلاقات وفي حراسة الحدود.
حين تكون الحدود بين الذات والآخر غائبة أو غير محددة أو متقلبة فهذا يربك العلاقة أولا ويسبب اضطرابا لكل طرف أيضا. حين يخترق طرف حدود الآخر ليس أنه يسبب له بذلك الكبت والقلق والاكتئاب بل يعاني هذا الطرف من العصبية وشعوره بفقدان السيطرة. الزوج الذي لا يحترم حق زوجته بسيادتها على نفسها ويخترق ذلك من خلال ممارسات قمعية، لا يضرها فحسب بل يرافق ذلك عادة وقوع هذا الرجل في دائرة العصبية والخوف على سيادته. "العصبية" هي اضطراب نابع من غياب الحدود بين طرفين. من لا يحترم حدود غيره إنما يعيش حالة عصبية دائمة لأنه يصادف كل يوم أشخاصا يسلكون بغير نهجه فيحرق أعصابه ليسيطر عليهم وطبعا يحرق أعصاب من حوله. لذلك فغياب الحدود بين الذات والآخر يشكل قاعدة لتطور اضطرابات القلق والاكتئاب من جهة واضطرابات العنف والعصبية من جهة أخرى.
المقال القادم حول الانتقام والتسامح
يمكن مناقشة المقال مع الكاتب على psy@marwandwairy.com
