سوريا ضحية تضارب المصالح الاستراتيجية

single

لم ير الغرب بمعظمه بالبلاد العربية ومنذ حملة نابليون على مصر الا مناطق نفوذ ومصادر ثروات وسوقا هائلة للبضائع الرأسمالية حتى تستمر دورة الرأسمال هناك ولا تحصل انتكاسة، ومن ثم أزمة اقتصادية سياسية تهدد أسس حضارة غربية معاصرة وبقاء هذا الغرب الذي بني كل ما ينعم فيه على ما سرق من ثروات الشعوب في أمريكا الجنوبية وفي آسيا الغربية وفي إفريقيا وفي الوطن العربي.
كتبت مرة منذ أكثر من 15 عاما على صفحات الاتحاد الغراء بأن القنبلة الذرية أصبحت منذ زمن بطاقة الدخول للنادي الغربي الاقتصادي والسياسي والعسكري، وقد اثبت صدق كلامي ما حصل في ايران وما يحصل في كوريا الجنوبية. فلو لم يملك هذان الشعبان القوة العسكرية الفائقة والذرية في الأساس لكانوا أصبحوا من عداد الماضي دولا ممزقة مخترقة وبقايا كانتونات على حافة الانقراض الوجودي. العكس ما حصل منذ منتصف القرن الماضي حتى الآن في دولنا العربية التي اعتمدت على الله سبحانه وتعالى وعلى القدر وعلى نصوص قديمة تكمن بين كلماتها أسلحة كل العصور من حجارة سجيل الى القنابل الذرية الى صواريخ عابرة للقارات وعابرة للوجود، ولهذا بقينا ضعفاء عرضة للصفعات التي تأتينا من كل صوب تحرق بلادنا وتدمر حضارتنا وتنتهك كرامتنا الوطنية متى أرادت.
هذا العصر بعد غياب الاتحاد السوفييتي عصر القوة الاقتصادية وبالأساس العسكرية الاستراتيجية التي تعتمد أساسا على السلاح النووي الرهيب.
كالك كتبت في مقال ومقام آخر أن روسيا الاتحادية ليس الاتحاد السوفييتي وان الشراكة الروسية مع بعض الدول العربية وخاصة مع سوريا لم تتصل لحد الشراكة الاستراتيجية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان وعلى سبيل المثال لا الحصر تلك العلاقة نعم موجودة بين اسرائيل والولايات المتحدة وقد اثبتت ذاتها مرارا عديدة. روسيا اليوم تدافع عن مصالحها قبل كل شيء وعن سبل وجودها مع وجود منافسة لسيطرة النفوذ وهي قوة عسكرية جبارة غربية تهدد وجودها. اذا بسبب زعامات العرب وللاسف بقينا عالة وعاهة في هذا العالم اللئيم نستجدي العطف والمساعدة من الشعوب الأخرى بغض النظر عن الصداقة المرهونة لتلك الشعوب في أرضنا المرتبطة كما اسلفنا، ونؤكد كلامنا هنا مرة أخرى بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية لتلك الدول رغم كل ما قيل وما نسمع . البرهان على ما نقول الهدنة التي صنعتها روسيا مع أمريكا المستهجنة على حدود حلب الشهباء التي تحترق في سوريا من صواريخ الارهابيين التكفيريين وبضغط أمريكي يهدد روسيا ذاتها بصورة واضحة لا تحتاج الى تأويل أو تفسير ذلك فيما هو حاصل في اوكرانيا وفي فنلندا بعد أن أعلنت الأخيرة رغبتها بالانضمام الى الناتو بعد أن التزمت الحياد منذ أكثر من 80 عاما.
ما يحدث في سوريا منذ خمسة أعوام وفي حلب الآن هو ببساطة شديدة لا حاجة لشرح وأطروحات ومحاضرات هو غزو فاشي غربي ارهابي أمريكي امبريالي سعودي وهابي تكفيري عميل وسلجوقي اخواني قلما عرف التاريخ مثل شراسته وعدوانيته اللهم عندما غزا هولاكو بغداد عام 1258م عندما كانت بغداد حينذاك عاصمة العالم بالفعل. انها هجمة شرسة ضد شعب مسالم لم يعط للعالم الا الحضارة الأولى في تاريخ البشرية كلها والحرف الأول والرغيف الأول ولوح الكتابة الأول ودرب الحرير ودرب العطور وقطوف الياسمين وأول حرف موسيقي وأول نوتة. الموشحات والقدود الحلبية وباعتراف دوائر ذاك الغرب "الحضاري" المختصة كانت الأساس التي تطورت عليه الموسيقى العالمية كلها.
بعد كل ما حصل ويحصل لا افهم المثقفين "العرب" المأجورين بثمن دماء العرب وهم كثر على وسع العالم العربي الذين حتى هذا اللحظة يهاجمون النظام في سوريا بعد أن ذاب الثلج وبان المرج. القضية أصبحت واضحة للقاصي والداني وباعتراف الكثيرين من المثقفين والمسئولين في الغرب المتحضر بأن الهدف المعلن الآن وبصلافة وقرف لم يعرفه التاريخ أن الهدف المعلن الرئيسي من هذه الحرب العالمية القذرة على سوريا هو القضاء على هذه الدولة العربية الناجحة نسبيا المستقلة بالأقل عن موبقات الغرب بكل مشاربه وعلاقته وبنوكه ودوائره الخاضعة منذ أن وجدت لمصلحة الرأسمال الغربي مصاص دماء العرب ودماء شعوب الأرض قاطبة...
قد يهمّكم أيضا..
featured

دعوة للتلاقي معا على ما فيه خيرٌ لنا جميعا

featured

سيطرة «الإسلاموية» وتعميق مآزق المجتمعات العربيّة

featured

الوقود الحيوي.. طاقة جديدة أم سبب لارتفاع أسعار الغذاء؟

featured

تكذيب نتنياهو بدأ من دوائره!