الشطف هو ظاهرة عربية أصيلة، أو كما يُقال، مؤخرًا، ظاهرة عربية "بامتياز". ولكنني وجدت أن كلمة "ظاهرة" لا تمنح الصدى المطلوب في نفس المستمع، فغريبة هي مسارب النفس البشرية في استقبالها للكلمات، ففي لغة معينة تحمل كلمة معينة معنى ما، ولكن في الترجمة للغة أخرى سرعان ما يفقد المعنى بريقه ووقعه في الأنفس. وهذا هو الحال مع الكلمة الإنجليزية "سندروم"، التي تعني "متلازمة"- بمعنى الظاهرة، فلدى سماعنا للكلمة الانجليزية نشعر بغموض ورهبة؛ نشعر بشيء ما خانق، ولكن عندما نترجمها للعربية تصبح وصفًا علميًا عاديًا.
ولذلك دعنا نقول سندروم الشطف، وليس ظاهرة الشطف، أي بالمفهوم الغامض والمحير؛ بالمفهوم العصي عن الفهم والتحليل. هذا السندروم هو ما يشغل بالي هذه الأيام، لدى خروجي من البيت، سيرًا أو مسافرًا في السيارة، خاصة في أيام القيظ الجهنمية هذه.
ما هو سر السحر في الشطف بالماء، حتى لا تجد بيتًا أو بناءً إلا ويتبناه، ليصبح نهج حياة؟
ما هو سر السحر في خرطوم المياه المتلوي كالأفعى، مطلقًا تيارًا مائيًا جارفًا؟
ما هو سر السحر في دلو المياه، الذي يندلق دفعة واحدة ليملأ المصطبة، بينما الأم المعدلة تنادي ابنها، "عبي غيرو!"؟
يوجد سحر في المياه لدينا؛ تسكب، خطأً، بعض القهوة من الفنجان على الأرض، فتطلب خرقة مبلولة لتنظيف البقعة، فتتصدى لك ست البيت المعدلة، "لأ.. بلاش إسا بشطف الساحة كلها" .
في أحيان كثيرة، لا يمكن أن تدخل البيت بكامل هيبتك واحترامك! فإما أن تدخل حافيًا، تتقمز على رؤوس أصابع رجليك، وإما رافعًا طرفي بنطلونك وكيس الخضرة معلق بأسنانك. لكن المأساة تحدث بالضبط حين تضبطك زوجتك في نصف الطريق، فإذا رجعت تقول لك، بلهجة غضب مكتومة،لا تتمناه لا لعدو ولا لصديق: "كمّل كمّل ما إنت صرت موحّل الساحة بكندرتك!". وإذا أكملت، تسمع صرخة لا تفقه كنهها أول الأمر، وبعد لحظات تدرك أنها إشارة لك بالوقوف: "وين.. وين.. على مهلك، مش شايف إنو في مسح؟" ولذلك، فالحل الأفضل هو أن تقف على عتبة الدار أو في الشارع.. أضمن. انتظر حتى تنشف الساحة، وفي هذه الأثناء صلِّ للعلي القدير أن يرسل الهواء حارًا لتقصير مدة انتظارك.
والأمر لا يقتصر على ربات البيوت المعدلات، اللاتي لا يهدأ لهن بال حتى تصبح الماء على مصاطب بيوتهن، نقية أكثر من ماء الحنفية وحتى من ماء شركات المياه المتخصصة بتنقية المياه، إنها ظاهرة عامة، واستطلاع صغير لأساليب التنظيف في الكراجات ومحلات الخضرة والبقالة والمكاتب وغيرها، تجد أن هذه السندروم، هو من نصيب العديد منها، ويأتي هذا التنظيف، كما معروف، في نهاية يوم عمل مرهق، فترتفع المعنويات، تاركة أثرها على الهمم، من أجل الخروج بأسرع ما يمكن للبيت. وهكذا نجد خرطوم المياه هناك، وفي كثير من الأحيان مدفوع بضغط عال، بصدد عملية اقتحام شاملة لكل حبة غبار على الأرض، وفي هذه الحملة السعيدة، والوحشية، يتم ملاحقة كل عقب سيجارة تائه، أو قشرة موز ضلت طريقها إلى سلة المهملات، أو برغي تعيس خرج من دورة الحياة إلى عالم الفناء.. كلها تخرج بقوة الدفع إلى الشارع، محطتها الأخيرة، في طريق الاندثار.
لو كان الأمر داخليًا، بينك وبين زوجتك أو أمك او أختك، أو بينك وبين نفسك، ولو كان الأمر داخليًا في المحلات التجارية والصناعية، لما أقحمنا الجمهور في هذا الموضوع الرصين، الذي هو كابوس صغير متكرر.. ولكن الأمر كما يلاحظ الجميع له جانبه عام، والجانب العام هنا، أن للشطف بعده الاجتماعي، فمن يقوم بالشطف، يفترض، ضمنًا، أن الشارع، هو مكان إيداع نفاياته، المبللة بالماء: الغبار وأعقاب السجائر وقشور البذورات وبقايا الخضار والفواكه، وغير ذلك الكثير؛ كلها تجري بخيلاء في تيار واحد على الشارع المسكين، محدثة فيه كل الندب الشريرة، من تجمعات قاذورات وماء آسنة أو ماء سيصبح كذلك.
تسير في الطريق بحذائك المطلي بالبويا حديثًا، فتصطدم بهذا التيار الخبيث، تذهب البويا ويتبلل طرفا البنطلون المسكين الخارج حديثًا من الكي. تتبع أثر هذا الرافد المائي فإذ هو قادم من عتبة فيلا، ما شاء الله؛ ألفيلا تتلألأ نظافة وجمالاً، والشارع مثل الطين. تقود سيارتك في نزول حاد، وإذ من باب بيت مجاور يتسرب هذا الأفعى المائي ليجعل الشارع، في هذا الحر، خبصة غبار، خطرة جداً للسيارات وللمارة وخاصة للمسنين.
الجانب الاجتماعي المقلق في سندروم الشطف، أن الشاطف أو الشاطفة يرسلان رسالة للمجتمع، تفيد بأن المهم نظافة بيتهم وبعدهم، كما يُقال، الطوفان؛ لا يهمم أن يصبح الشارع موحلاً، قذرًا، أو خطرًا.. لا يهم. وحتى وإن كانت هذه القذارة بجانب البيت.
وبشكل مبالغ به، يمكن القول أنها رسالة تقول بأننا نستطيع أن نحتفل وأن نأكل وأن نشرب، وحولنا ناس يتضورون جوعًا. الشطف وإلقاء الماء القذر خارجًا، هو رسالة سيئة من حيث النظافة ومن حيث المعنى الاجتماعي الإنساني الذي تحمله.. ومعالجة النفسية ما وراء هذا السندروم أهم، برأيي، من معالجة الجوانب القانونية والبلدية فيها.
