في الصحف الأمريكية المتوفرة في أسواق بلادنا ألتقي بغرائب المعلومات من خلال إعلانات لم اعتدْ رؤيتها في صحفنا المحلية وغير المحلية.. هذه الغرائب تأتيني من خلال أبواب الوفيَات وإعلانات النعي وتقديم التعازي..
إذا أجرينا مسحًا لما نقرأه في هذه الأبواب تستوقفنا مبالغاتنا نحن العرب بتكديس الألقاب والمناقب في فقيد هذه العائلة أو تلك.. أما الذي أقرأه في صحف الغرب وفي الأمريكية بالتحديد فزاخر بكل أنواع العجب!!
الموت في أمريكا ذو تكلفة باهظة فهناك مقولة شائعة ومألوفة على لسان المواطن الأمريكي: "لا قدرة لي على الموت!" "لا احتمل تكلفة الوفاة!".
إنّ إعداد الجثمان للدفن باهظ الثمن.. وبرغم معاناة غير الميسورين تتنافس شركات الدفن في إعلان خدماتها:
- تعال إلينا، سندفنك بشكل أفضل!
- خدمتنا الجنائزية ستبهجك حقًا.. جنازتك لدينا ستجعل عائلتك سعيدة على امتداد الأيام وبتكلفة معقولة.
- مراسيم الدفن لدينا يتعذر نسيانها.
هذا الكلام يأتي أسماع الأحياء (موتى المستقبل) وأهلهم قبل الحديث المباشر عن الرقاد والدفن.. فنوع التابوت وشكل القبر ومكانه ثالوث له وزنه وبريقه اللفظي.. يهرول الناس إلى مقدمي هذه الخدمات.. يتنافسون للحصول على الجنازة الأفضل.. يذهبون بحيوية بالغة للإعداد سلفا للقاء الردى، وذلك باختيار التابوت ونوع خشبه.. يختارون أيّ نوع من التزيينات لتجميل شكل التابوت داخلا وخارجًا.. ينتقون أيّ صنف من القماش الفاخر لتجهيز الأكفان.. يختارون الترانيم المناسبة لشدوها يوم الوداع.. يشترون القبر برخامه الفاخر المتفيّئ في فيء أشجار دائمة الخضرة وسط أنوار ونوافير ماء ليهنأ في محيطها الراقدون السعداء..
هذه هي حضارة الاحتفاء بالموت في بلادهم.. بذخ في الحياة وبذخ في الممات.. ثراء في الحياة وثراء في الوفاة..
أتذكر وأنا اكتب هذا الكلام العديدين من المعوزين والأبرياء من شهداء وضحايا الحروب الجائرة ونيران وقذائف الطائرات هنا وهناك.. أولئك الذين قدرهم شقاء في الحياة وشقاء في الممات.. أتذكرهم وأترحم عليهم وألعن جزّاري البشر أينما وُجدوا.