الأجواء الإيجابية جداً التي سادت اللقاء الفتحاوي الحمساوي في بيروت على حد وصف عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح مفوض العلاقات الفلسطينية فيها، على أثر اجتماعه مع أسامة حمدان عضو المكتب السياسي لحركة حماس مسؤول العلاقات الدولية، لم تكن هذه الأجواء وليدة الصدفة، أو بسبب القدرة على امتلاك أدوات وأشكال التفاوض بين الرجلين والوفدين المرافقين لهما، أو يعود ذلك إلى التحسن في إدارة العلاقات العامة لدى الفصيلين، بل ثمة أسباب موضوعية، خارجة عن أرادتهما فرضت ما لمسه عزام الأحمد من "لغة جديدة ولهجة جديدة ورغبة ظاهرة" لدى حركة حماس، وأكثر من ذلك حينما عبر عن أمله في أن يلمس الجميع انطباعاته في القريب العاجل، لا أن تبقى لديه وحده دون غيره، خاصة كما قال "إذا تواصلت العملية وإذا تم الاتفاق على مواصلة هذه اللقاءات".
الأسباب الموجبة تعود إلى جملة النصائح التي سمعها قادة "حماس" من أصدقاء لهم، ومن قبل مؤثرين دوليين يقف في طليعتهم القيادة الروسية والقيادة التركية، ولكن السبب الجوهري المباشر يعود إلى الإغلاق المصري بمنع تدفق المال وعدم حرية تحرك الرجال ومنع تهريب السلاح، منذ شهر تشرين الأول 2009 على قطاع غزة، ما فاقم من وضع حركة حماس ودفعها لاتخاذ سلسلة من الإجراءات التقشفية داخل القطاع والتشدد في تحصيل المال وفرض الضرائب والأتاوات على المواطنين الفلسطينيين لتزيد متاعبهم من "حماس" وغضبهم عليها.
التسهيلات المصرية التي قدمت إلى حركة حماس بعد الانقلاب في حزيران 2007 ، قوّت الحركة وكادت تمنح الانقلاب الشرعية، وسهلت لها أجواء فرض الحركة على الناس من أهل القطاع وأضعفت من دور حركة فتح ومكانة منظمة التحرير وأحرجت الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولكن القاهرة أدركت متأخرة سلبية ما قامت به، وأدركت ارتباط حركة حماس مع حركة الإخوان المسلمين، وتأثيرهما المتبادل ومصلحتهما المشتركة، ما عزز من عناد حركة حماس وتصلبها لتقف بين مطلبين تسعى إليهما وأولهما أن تذهب إلى نهاية الشوط كي تكون بديلاً لمنظمة التحرير برمتها، وإذا تعذر ذلك وهذا ما حصل تسعى إلى الهدف الثاني كي تكون الشريك الأقوى في منظمة التحرير معتمدة على ثلاثة عوامل هي :
1- نتائج الانتخابات التي أعطتها الأغلبية عام 2006.
2- ونتائج الانقلاب الذي أعطاها موقع التحكم المنفرد على كامل قطاع غزة عام 2007.
3- وتحالفها مع حركة الإخوان المسلمين باعتبارها امتداداً لها وهي التنظيم الحزبي والسياسي الأقوى في العالم العربي.
توقف التسهيلات المصرية الممنوحة لحركة حماس منذ رفضها التوقيع على ورقة المصالحة المصرية في شهر تشرين الأول 2009 ، دفع القاهرة لممارسة القطيعة والإغلاق وفرض الحصار على "حماس" رغم أن القاهرة فكفكت الحصار المفروض على أهل قطاع غزة على أثر الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية التركي.
وتوقف هذه التسهيلات، هو الذي دفع "حماس" كي تُغير بدون أن تتغير، وانعكس ذلك في جملة تصريحات قادتها المهادنة، وبرز ذلك جلياً في لقاء بيروت يوم الخميس ( 15/7 ) بين عزام الأحمد وأسامة حمدان.
كلا الرجلين، وكلا الفصيلين لديهما مصلحة في اللقاء وصولاً إلى حلول عملية واقعية، قد تنهي الانقسام إذا واصلت الظروف الضاغطة على الفصيلين بعد أن وصلتا لطريق مسدود.
برنامج "فتح" التفاوضي مع إسرائيل وصل إلى طريق مسدود، وهي بحاجة لقوة دفع ذاتية لتغيير موازين القوى والأجواء لجعل الدور الفلسطيني أقوى في مواجهة الإسرائيليين والأميركيين، فالاستيطان لم يتوقف، وتهويد وأسرلة القدس كاد ينتهي ويصل إلى نهاياته في جعل القدس شبيهة بعكا وحيفا ويافا لا تحمل من عروبتها وفلسطينيتها وإسلامها ومسيحيتها سوى تاريخها واسمها وتحولت معالمها أو كادت تكون يهودية إسرائيلية صهيونية ، وبرنامج الاستيطان في الغور على امتداد نهر الأردن سيبدأ عما قريب بحيث يستحيل وجود حدود أردنية فلسطينية، بل واقع استيطاني إسرائيلي محاذ للأردن بلا وجود فلسطيني بشري أو جغرافي أو سياسي.
وحركة حماس لم تستطع تسويق الانقلاب، وتمرير شرعيته ، فالشرعية السياسية والقانونية والمالية ما زالت في يد حركة فتح، وقائد حركة فتح ما زال هو الضمانة الوطنية للحفاظ على الحقوق الفلسطينية أمام المشروع الإسرائيلي والضغط الأميركي والعجز العربي والضعف الإسلامي، وواقعيته وترفعه سلاح بيد الشعب الفلسطيني أكسبه القدرة على فك الحصار السياسي والمالي الذي كان مفروضاً على الفلسطينيين في أواخر عهد الرئيس ياسر عرفات، وأكسب شعبه المزيد من الأصدقاء والحضور والاحترام، وحافظ على الحقوق والثوابت الفلسطينية في ظل أوضاع سياسية قاسية ومؤذية وغير مريحة.
طرفا الخلاف الفلسطيني، "فتح" و"حماس" في مأزق، ولم يقدما نموذجاً مثالياً لا في عهد السنوات العشر الأولى من عمر السلطة بإدارة "فتح"، ولا في عهد الانقلاب الدموي الذي قادته "حماس" ضد الكل الفلسطيني بحيث لم يسلم أحد من شرها وتسلطها، وربما بسبب فشل الطرفين، قد يكون ذلك أرضية مناسبة للعمل المشترك، على أن يكون وطنياً جامعاً بمشاركة قطاع المستقلين الأوسع، وفصائل اليسار الفلسطيني مع فصائل التيار القومي، لتكون المنظمة والسلطة والحكومة ائتلافية عريضة لا تقوم على أساس المحاصصة بين الفصيلين، كي يتشارك الجميع في مناهضة الاحتلال، وفي إدارة العمل على قاعدة البرنامج الوطني، برنامج الصمود واستكمال بناء مؤسسات الدولة على الأرض، وزوال الاحتلال ونيل الحرية والاستقلال واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني كاملة بلا نقصان، الاستقلال لفلسطين والمساواة في إسرائيل، والعودة للاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الشأن.
