الأول من أيار 1958

single

تميزت مظاهرة الأول من أيار، في الناصرة في العام 1958، بالعنف البوليسي ضد المتظاهرين وباعتقال العشرات منهم الذين عبروا عن احتجاجهم. وبالرغم من محاولات الشرطة المحمومة لإظهار المتظاهرين بمظهر المشاغبين والخارجين عن القانون، فقد شهدنا مفكرين وفنانين عبروا عن شجبهم الشديد لممارسات الشرطة.
كتب الشاعر نتان ألترمان زاويته الأسبوعية، في جريدة "دفار" بتاريخ 1958/5/9، معبرًا عن تضامنه مع متظاهري الأول من أيار في الناصرة، ما يلي:
ذلك العربي المجهول الذي شتم ورجم بغضب
ضرب وضُرب وجُرّ للسيارة المرجومة
في الحقيقة هو في جانب الصواب، إنه الوحيد غير المذنب
.. هذه عبرة الناصرة، آمال شعب أيضًا تشملنا
وأقلية مضطهدة ومحقة- نقول ذلك وبدقة-
إنها أقلية تجعل الأكثرية جمهورًا من الخوذ.
في القصيدة ذاتها يتمنى الشاعر نتان ألترمان، لمجيء اليوم الذي يلغي فيه المجتمع الإسرائيلي وصمة التوجه العنيف نحو الأقلية العربية التي تعيش بيننا- "لو، قبل فوات الأوان،  نزيل تلك العلامة المميزة هذه"- لأسفي فإن أمنية نتان ألترمان في الذكرى العاشرة لإقامة دولة إسرائيل لم يتم تحقيقها أيضًا، وكذلك بعد 53 عامًا.  
قبل يومين من نشر قصيد الشاعر نتان ألترمان، نشر الصحفي شَفتي طيفت، مقالا في جريدة "هآرتس"، كتب فيه، "لو كنت عربيًا، مواطن إسرائيل، لتظاهرت مع الحزب الشيوعي في الأول من أيار، في الناصرة أو في أي مكان آخر في البلاد، أو في كل موقع آخر في مناطق الحكم العسكري".
مظاهرة الأول من أيار في تلك السنة جرت في أوج مرحلة عاشت فيها الأقلية العربية تحت وطأة السلب ومصادرة الأراضي، التي جرت بشكل مكثف في السنتين 1957-1958. وإلى جانب مظاهر التأييد والتفهم من قبل مفكرين إسرائيليين، الذين شجبوا مصادرة الأراضي كانت هنالك مظاهر مؤلمة شكلت وصمة أخلاقية، الأمر الذي، وللأسف الشديد، يتعاظم اليوم في المجتمع الإسرائيلي. لقد نشر الدكتور هرتسل روزنبلوم مقالا في جريدة "يديعوت أحرونوت"، في 1957/11/24، في أعقاب زيارته إلى نتسيرت عيليت، يقول فيه:
"في الأسفل، في قاع الجبال المحيطة، تشاهد الناصرة العربية الصغيرة، التي تنظر من أسفل إلى أعلى، فلا يمكنك إلا أن تكون متأثرًا من ذلك، فحتى الآن سكن العرب في الجبال ونحن سكنا في الأسفل. لقد نشط هنا الخيال الهندسي- القومي، بحسب قمة البأس القومي والتقني".
سكرة القوة المجنونة، التي اكتسحت الدكتور روزنبلوم، ما زالت توجه حكومة إسرائيل، والتي أرادت الجماهير العربية أن تعبر عن رفضها لها في مظاهرة الأول من أيار.
سكرة القوة لدى الدكتور روزنبلوم، محرر يديعوت أحرونوت، لم تقتصر على المقالات في الصحف، بل وجدت التعبير عنها في تضخيم مفاهيم القوة القومية، التي ترتفع عاليًا في هذه الأيام  الى ذرى مخيفة.
أكتب هذه الكلمات بعد مرور ساعة على الهجوم العنيف من قبل أوساط يمينية على حائزي جائزة إسرائيل في شارع "شدروت روتشيلد" في تل أبيب، الذي أرادوا التعبير عن تأييدهم لإقامة الدولة الفلسطينية. إن الشرطة التي قمعت متظاهري الأول من أيار في العام 1958 واعتقلت العديدين، هي ذات الشرطة التي تقف اليوم جانبًا غير مكترثة للهجوم العنيف ضد حائزي الجائزة لأنهم أرادوا التعبير عن رأيهم. 
أكتب هذه الكلمات حيث تعتريني القشعريرة أمام هذه المناظر المرعبة، ولسماعي هتافات الغوغائيين، الذين حاصروا حنا ميرون وصرخوا بوجهها- "يجب قتلك"، "خائنة"، "خسارة أنهم لم يقطعوا رجليك في ميونيخ"، "نازية".. كل ذلك وشرطة إسرائيل لم تحرك ساكنًا، حيث من على بعد صفر يطلق الغوغائيون مقاليعهم القذرة.


إيتان كلينسكي- كاتب مدونة في الإنترنت، شاعر ومربٍّ متقاعد.

قد يهمّكم أيضا..
featured

هزيمة الاحتلال الأخلاقية

featured

بيبي يريد أن نستجيب أكثر لِمُثيراته

featured

التمثيل النسائي في العمل البلدي الجبهوي

featured

السارقون ربيع بلادي

featured

المماطلة: لعنة أم بركة!

featured

رفيقي أبو ناصر ...عرفت ماذا تريد

featured

لاجئو فلسطين في سورية يتحدون "نقطة تفتيش الموت"

featured

تحت العباءة الأمريكيّة