*وهكذا، حسب بيخور، " ستقوم إمارتان إسلاميتان لحماس، واحدة في غزة وواحدة في الضفة الغربية، واحدة خاضعة للكرباج المصري والثانية للأردني"*
"هل سيطرة حماس هي حقًّا أسوأ من مناورات السلطة وألاعيبها ضد إسرائيل"، يتساءل د. غاي بيخور، في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أمس الخميس، وبيخور هو خبير إسرائيلي وكاتب معروف في الإعلام الإسرائيلي، ومعدود على مركز اليمين الأيديولوجي الإسرائيلي.
ويتساءل غاي بيخور "ما السيء في الوضع الجديد الذي نشأ في قطاع غزة- التي لم يعد تقريبًا لها أية علاقة مع إسرائيل؟". ويجيب بيخور إن "الاستقرار الذي حصلنا عليه (في غزة ع.ب) أرخص بكثير من الاستقرار المستعد أبو مازن بيعنا إياه بثمن إغراقنا باللاجئين ونقل القدس ليديه وإرجاع كافة الأراضي". وكل ذلك لماذا، (حسب بيخور)؟ لأن العالم يعتبر السلطة "الجانب الجيد". بينما "أضرار حماس لإسرائيل ستكون أقل بكثير"، ولماذا (وحسب بيخور ايضًا)؟ "لأن حماس موجودة في جانب الأشرار"
وكانت درة التاج، كما يُقال، في مقاله، هو الحلم الوردي الذي يتمثل بسيطرة حماس على الحكم في الضفة، فهذا هو الوضع الأمثل، لماذا (وحسب بيخور أيضًا)؟ "لأن الكيان الحماسي غير معترف به، وبهذا تتبخر رؤيا الدولة الفلسطينية. ستقوم على الأرض إمارتان إسلاميتان لحماس، واحدة في غزة وواحدة في الضفة الغربية، واحدة خاضعة للكرباج المصري والثانية للأردني- وهكذا ستنفض إسرائيل من على ظهرها العبء الفلسطيني الذي يثقل كاهلها سنوات طويلة".
أوردت هذه المقاطع الطويلة من هذا المقال، لسببين، ألأول: لأن هذا الكاتب من الشخصيات المؤثرة في إسرائيل، وصوته مسموع لدى أوساط واسعة وخاصة في اليمين الإسرائيلي، فهو ضيف له مكانته في البرامج التلفزيونية المختلفة، وخاصة أنه يوضع في خانة "الخبير في شؤون العرب"! فبئس هذه الخبرة، التي لا تختلف عن رؤية المحافظين الجدد في أمريكا في عهد بوش الذين أنتجوا سياسة حرقت الأخضر واليابس في العالم.
والسبب الثاني والأهم الذي دفعني لإيراد أقواله أن هذه الأفكار لا تأتي من العدم، فلدينا رئيس حكومة يواصل نهج سلفه، شارون، ويواصل نهجه الأيديولوجي، والذي كان برنامجه الأساسي لسنوات، ويقضي هذا البرنامج بأن حل القضية الفلسطينية سيتم فقط في شرقي الأردن، بما معناه ترانسفير الفلسطينيين إلى هناك. وفي حينه أنشأت هذه المواقف توترًا بين إسرائيل والأردن. فهل نحن بصدد العودة إلى هذا البرنامج؟ ولكن هذه المرة من الشباك؟
من المعروف أن في الجوارير الإسرائيلية، في الشاباك ووزارة الأمن والخارجية والأبحاث، عشرات مما يسمى ب"التراحيش"، و"التراحيش" هي كلمة عبرية معناها، بالانجليزي، "سيناريو" مستقبلي، وللأسف فلا رديف لها بالعربي (فحتى عِبر الماضي بالكاد ندرسها!). وتجد هذه "التراحيش" في كل موضوع، وخاصة في المواضيع الإستراتيجية بعيدة المدى. فهل يخططون لاستغلال يأس الشارع الفلسطيني، بعيد انقلاب حماس في غزة والعجز عن الوصول للوحدة، وانقطاع غزة عن الضفة، وبالتالي نشوء أجواء اجتماعية واقتصادية ونفسية، إضافة إلى السياسية، إلى تهيئة وضع مماثل في الضفة؟ وعندها، هكذا يأملون، سينفض العالم يديه من الشعب الفلسطيني على أسا المقولة: ليتدبروا أمورهم وفيما بعد ليطلبوا تدخلنا.
هل سيدخلون من "الشباك"، فيحدثون انشقاقًا فلسطينيًا في الضفة، من أجل سيطرة عناصر أصولية أو متطرفة أو غيرها، من أجل أن يظهروا "مساكين" أمام العالم كمن لا حيلة لهم، ليقولون إن الفلسطينيين لا يعرفون كيف يديرون الدولة وحوارهم الداخلي يتم فقط بحد السيف وبالاغتيالات؟ إنها أحلامهم الوردية، "إمارتان وكرباجان"، وإسرائيل الرابحة على كل الجبهات.
بعد هذا العمر الطويل، وبعد هذه التجربة الطويلة يمكننا التوقع، والأمل، أن يقلب الشعب الفلسطيني "تراحيشهم" رأسًا على عقب؛ فبدل "الإمارتين"، تعود الوحدة الفلسطينية وبدل الكرباجين يعود البرنامج الوطني الفلسطيني راية خفاقة في وجه "تراحيشهم" المسمومة.
