- يا لون الأمل الرافض للهوان.. أمدّنا يا قزح بكل الألوان.. دعنا يا سميح نجوب هالة الخلق والإبداع، ضِعنا يا سميح في مفازات الخنق والضياع.. اكتب لنا نقرأ باسم الأرض التي ولدتنا، اكتب لنا نقرئ أجيالا من فلذتنا، انظم شعرك انثر قولك...
ينتابنا الوجلُ عندما نهمّ لنقول ويخالجنا الحياء لأننا نعجز عن الكلام ونحن في حضرة سيد الكلام، فماذا عسانا نقول؟
هنا في وادي حسين نحتفي بابن آل حسين، هنا في بيت محمود درويش نحتفي بصنوه الشاعر العربي الكوني شطر البرتقالة الفلسطيني سميح القاسم.. فأهلا وسهلا بك وأنت حل بهذا البلد الذي تربطك به وشائج تعود إلى عشرات من سنين خَلَوْنَ، أهلا وسهلا بك في هذا الموقف الذي يعيد الصياغة للعبارة ويجعل المبتدأ في الصدارة.. أنت المبتدأ وأنت عُمدة العبارة يا سيد الكلام...
"عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج شاهرًا سيفه" قال أبو ذر الثائر العربي، "سيفي قلمي وصناعتي الكلام" قال محمد مصباح الفيتوري شاعر الفقراء في السودان، أشهرت سيف الكلام يا سميح وأنت طفل في قطار العودة من شرق الأردن إلى فلسطين فأقضضت مضاجع المتهادنين، ولا زلت تمارس صناعة الكلام وتشهر سيفك المجلجل في وجه المحتلين والمستعمرين والظالمين الذين يحولون دون العودة إلى فلسطين...
أيها الشاعر الصائح في الفلاة في وقت كثر فيه الشاعر السائح في البلاط... أطلقت صوتك صداحا فأطبق صيتك وضاحا...
كانت العرب تحتفل كلما نبغ منها شاعر وتعوّل عليه الكثير لأنه الناطق والذائد عن الحياض، وليس القانط الواقف على الحياد، لا قنوط في قضايا الأمة ولا حياد في ثوابتها، أنت الشاعر الذائد وغيرك الشاعر الزائد في عصر العهر والتزلف الذي صار الشعر فيه قولَ رخصٍ وتكلف، يظل صوتك الصوت النادر الهادر في فضاء محاصر، يقاوم ولا يساوم...
لسنا في معرض قول الثناء وكيل المديح، بل نحن في معرض إعادة القراءة الذاتية لأمة حضارية تكرم مبدعيها وتُجلّ خلاقيها... حقّ علينا ان نلتفت إلى من أفنى عمره في دروب الكفاح وضروب النضال من اجل شعبه... ونقول له: شكرا... شكرا لك يا فارسا في ميادين الأدب والفكر والسياسة... شكرا لك يا ليثا في عرين، يا وشما في جبين، يا ذا العنفوان الذي ما هان ولا لان... شكرا لك يا غيورا على مصالح شعبك يا صبورا على مكائد في دربك.. شكرا لقيثارة فلسطين عزفت ألحانها فجاءت كما قال يوسف إدريس "على الوجع.. تخلع القلب وترهف الأنفاس"... كل ما يقال وكل ما يكال هو غيض من فيض ما يستحقه منتصب القامة الذي يحث على المقاومة وينهىعن المساومة...
عزيزنا سميح!
اسمح لنا ان نلج هالة الشاعر الأديب، الناثر الأريب، الناقد اللبيب، اسمح لنا ان نقف بين يديك لنمعن النظر في مسيرتك الطويلة العريضة إلى جانب شعبك وهمومه وقضاياه لنقول لك اننا مدينون لك وان شعبنا مدين لك إذ ساهمت في صقل هويته وبناء اعتزازه بنفسه واعتداده بإرثه... نحن مدينون لك إذ سطرت الأشعار وسجلت المآثر والوقفات في دهر ابتلانا باعتى الظروف وأقسى الصروف، وفي وقت نذر فيه الواقفون هذه المواقف دون ان يبدّلوا تبديلا...
عزيزنا سميح!
يا رقيق النفس، يا رفيق الشمس، يا عفيف الحياء يا رديف الحياة، نحن تلاميذك الذين حفظوا قصائدك عن ظاهر قلب وسبروا خباياها عن باطن لُبّ، نقول لك اننا نعتز بك وأنت تحرّضنا على التشبث بالحياة ونبذ الظلم والظالمين، نعتز بك وأنت الذي علمتنا كيف يكون التآخي ورصّ الصفوف في وجه المتربّصين، ورفض المخططات لتفريقنا إلى شيع وقبائل وطوائف، فاستحققت بجدارة لقب "الشاعر القديس" و"سيد الأبجدية" و"شاعر الشمس"...
اليوم نحني هاماتنا في حاضرة الشعر وحضرة الشاعر، اليوم نغرس سهامنا في خاصرة العهر وحسرة اللاجئ الذي يوشك ان يدمن المنفى فنقول له: "لا، جئ".. اما آن لهذا الحمل الثقيل ان ينوء؟
تشرئب قاماتنا بك واحدا من جهابذة الشعر وأعلام الأدب ورموز الفكر، نظمت ونثرت فسموت وعلوت حتى احتللت أعلى الرتب وتربعت في مصاف العمالقة من النبلاء والعظماء...
المهمة لم تنته بعد، لا زالت أمامك/أمامنا مهام جسام يتعين علينا جميعا التأهب والتهيؤ لخوضها، وفي هذه الرحلة الطويلة ثمة حاجة ملحة للمجاهدين أمثالك الذين يقولون كلمة الحق في وجه السلطان الجائر ولا يخشون في ذلك لومة لائم...
يا شطر البرتقالة في يافا، يا عبق الفيجن والطيون، يا رحيق القندول في الجرمق، يا أيها النبيذ المعتق... لا زال لبيروت وجهان، أنت الوجه الجليلي المطل علينا من علٍ، المؤثر السجن على المنفى، لا زال ثمة صديقان لحيفا، أنت الصديق المولّد فينا للنوسطالجيا، يا المتكئ على جبل حيدر راقب شقوتنا، عاتب غفوتنا، صاحب صحوتنا، حثنا على سير ولو أنهكنا... يا ذا الوشاح الأحمر القاني، اكتب شعرك بشظية وغنّ للسلام، فأنت قلت أعذب الكلام وأنت قِلت في ظل الغمام. لا نريد ان "يمضي الصدى ويضيع الكلام"...
يا لون الأمل الرافض للهوان.. أمدّنا يا قزح بكل الألوان.. دعنا يا سميح نجوب هالة الخلق والإبداع، ضِعنا يا سميح في مفازات الخنق والضياع.. اكتب لنا نقرأ باسم الأرض التي ولدتنا، اكتب لنا نقرئ أجيالا من فلذتنا، انظم شعرك انثر قولك...
لا نريد ان "يمضي الصدى ويضيع الكلام"...
اكتب شعرك بشظية وغنّ للسلام...
اكتب شعرك بشظية وغنّ للسلام...
سلام..
- كلمة رئيس مجلس عرابة في حفل التكريم الذي نظمه المجلس المحلي للشاعر الكبير سميح القاسم - الجمعة 27/1/2012
