"تصادمت"، أو تقاتلت، مرّة مع الأستاذ وليد الفاهوم في هذه الزاوية ولم أبغض ولم أحقد ولم أحمل، بل ازددت قربًا منه في لقاء واحد يتيم جمعني به.
أستاذ سهيل عطاالله، أتابعك في زاوية "صباح الخير" علمًا بأني أقرأها في المساء فيتعكّر مسائي ويتكدّر سمائي وأحمل كلامك على محمل الجدّ، كلّ الجدّ، وأجرّه معي إلى الفراش فتنتابني بعض الكوابيس فأقوم هلوعًا في عزّ الليل. . . سامحك الله. واعلم أنّ شِحنة الغضب التي تطلع من كلّ كلمة تكتبها في هذه الزاوية معدية، فأغضب وأثور مثلك، مثلك بالضبط وربما أكثر. صحيح! حالنا بائس مثلما لا يخفى على أحد، أينما وجّهت ناظريك، في البيت والحيّ والبلد والدولة والمنطقة بأسرها تجد ما ينغّص عليك عيشك. حالنا بائس من صنع أيدينا وأيدي الآخرين. وحالنا بائس لأنّ الواحد منّا لا يرحم الآخر . لا يرحم الأخ أخاه. ولا يرحمنا نتنياهو. ولا يرحمنا رؤساؤنا وملوكنا وسلاطيننا. لا يرحمنا أحد في هذا الكون كما يبدو. إنك لتجد من لا يرحمنا في كلّ "حلّ ومرتحل" كما يقول سلفنا الصالح الذي أورثنا لغة بليغة، هي عندي أجمل لغات الأرض وأبلغها. وأنا منحاز إليها مثلما ترى.
قرأت قبل أيام، في العشرين من هذا الشهر، مقالتك "غلّ وغشّ وحسد" ولامست الوجع الذي أنطقك بحقّ وعلى حقّ. غير أنّ من يقرأ هذه المقالة ليظنّ بأنّ هذه الآفات كلّها هي من نصيب المسلمين وحدهم. أولئك الذين يعيّدون الفطر والأضحى، الصغير والكبير، ثم لا يتركون كبيرة إلا ويقترفونها. هم وحدهم الذين يصومون رمضان ثمّ يغرقوننا بعد صيامهم في "جرائم العنف والتكفير والكفر والضلال!!" أقول ما أقول وأنا لا أنكر عليك ما تقول. كيف أنكر وأنا أرى ذلك بعينيّ اللتين ستأكلهما ديدان الأرض؟!
وقرأت "مقالتك "دنيانا ليست لنا.. بل لهم" في السابع والعشرين من هذا الشهر في الزاوية نفسها. قرأت فاستفزّني قولك "أعود متذكّرًا عنتريّاتنا وبطولاتنا الهشّة الكاذبة المتدفّقة في عروق العرب والمسلمين!" وحتى تعظّم تعجّبك من حال العرب والمسلمين تتبع قولك في كلّ مرّة بعلامة تعجّب واحدة أو اثنتين. والأمر مردود كما يبدو إلى شِحنة الغضب التي تكتب بها. لو قلت "أعود متذكّرًا عنتريّاتنا وبطولاتنا الهشّة الكاذبة التي يزخر بها حاضر العرب والمسلمين!" لقلنا صدق الرجل لأسفنا الشديد. أمّا أن تجعل كلّ هذه الهشاشة وهذا الكذب جزءًا من بيولوجيا العرب والمسلمين، من جبلّتهم التي فطرهم عليها ربّهم، فهذا ما يكذّبه تاريخهم. ثمّ ألا تخشى أن تتّهم باللاساميّة يا أستاذ سهيل! كفى بتاريخ العرب والمسلمين شاهدًا على ما أقول. وأنا أعرف أنك تعرف التاريخ، إلا أنها شدّة الغضب التي تكتب بها .
أستاذ سهيل، أنا أعرفك، تزاملنا فترة طويلة، وأعرف حرصك الصادق على حالنا. وإذا كانت معرفتي بك تشفع لي بأن أنصحك فإني ناصحك بألا تدع الغضب يزلّ لسانك ويفسد لغتك. أتابعك وأتابع كلّ من يكتب في هذه الزاوية. أنت لا ترحمنا والأستاذ رشدي الماضي لا يرحمنا بلغته الثقيلة المتعالية. خفّفوا تُرحموا واجعلوا صباحنا سهلا علينا ومساءنا غير مكدّر. انتبهوا للغتكم فإنكم قد تصيبون قومًا بجهالة وأنتم لا تعلمون وأنتم لا تقصدون.
ارحمونا يا جماعة واتركونا ولو لمرّة واحدة ننم في هداة بال!
