*نحترم الموقف المبدئي المعارض للانتخابات البرلمانية ومشكلتنا مع الانتقائية
*هل يُعقل أن تتحول "المقاطعة المبدئية" إلى "طوشة سياسية" ضد القائمة المشتركة؟
*الكنيست صهيوني بامتياز، ولكن ليس وحده، فكذا وزارات الداخلية والتعليم والقضاء وغيرها
*تصعيد خطاب المقاطعة إلى حد التخوين وشبه الوشاية، يتجاوز حق الاجتهاد بين رفاق الخندق الواحد
*اللعب في ملعب "القضايا اليومية" يُسهّل اختراق الأحزاب الصهيونية وفكرها
كما في كل "موسم انتخابي برلماني"، تظهر موجة دعوة لمقاطعة "الكنيست الصهيوني"، ولكننا نسأل: هل يمكن أن تكون "المقاطعة" انتقائية إلى هذا الحد؟. وهل يحتمل دعاة المقاطعة تنفيذها على أرض الواقع، على مدار الايام والساعة؟. فلماذا الكنيست وحده "صهيونيا"؟، أليس وزارات الداخلية والتعليم والقضاء هي أيضا صهيونية؟. أليس من المنطق مقاطعة كل المؤسسات الصهيونية عن بكرة أبيها؟. ومن جهة أخرى، فإن عدم تسييس المعركة يُسهّل على الأحزاب الصهيونية اختراق مجتمعنا.
يُصعّد ناشطون سياسيون، وبالذات رفاق في حركة "أبناء البلد"، حملتهم لمقاطعة الانتخابات البرلمانية، بوصف الكنيست أنه "مؤسسة صهيونية يجب مقاطعتها". ولكن عدة مقالات وخطابات، بدأت تحوّل الحملة، من مقاطعة مبدئية لها حق الممارسة، رغم اختلافنا معها، إلى "طوشة سياسية" ضد "القائمة المشتركة"، في الوقت الذي تكثف فيه الأحزاب الصهيونية، على مختلف ألوانها، تلويث شارعنا العربي. وهذا مؤشر غير صحي، لشركاء الخندق النضالي الواحد، ضد المؤسسة الحاكمة. "الخندق الواحد" الذي أكد عليه أحد قياديي "أبناء البلد"، الذي احترمه على نحو خاص.
ومن الواضح أن المقاطعة السياسية والمبدئية، إذا ما سجلت نجاحا، ولو محدودا، فسيكون بين الجمهور الوطني المُسيّس، الذي لو قرر التصويت، فلكان سيصوت للتيار الوطني، الذي يتمثل الآن في "القائمة المشتركة". وهذا ما يجعلنا نفتح نقاشا جديا مع حملة المقاطعة، التي ندعوها إلى استخدام كل الوسائل التي تراها مناسبة، ولكن ليست تلك التي تضعها في موقف مواجهة وخصام مع "القائمة المشتركة"، مثل استخدام ملصقاتها وشعاراتها الانتخابية.
ويُسأل السؤال: طالما أن المقاطعة نابعة من أن الكنيست مؤسسة صهيونية، وهو كذلك قطعا، فأليس انتخابات السلطات المحلية، هي أيضا تديرها مؤسسة صهيونية، تسمى "وزارة الداخلية"، ووفق قوانين المؤسسة الصهيونية الأعلى المسماة "كنيست"؟، فلماذا لا تتم مقاطعة تلك الانتخابات أيضا؟. هل قرأ من دونوا أسماءهم مرشحين للانتخابات المحلية، نماذج الترشيح برموزها ونصوصها؟.
وأكثر من هذا، كيف يمكن أن تقتصر المقاطعة على الانتخابات؟، أليس جهاز التعليم عن بكرة أبيه، تابع وخاضع لقوانين وأنظمة المؤسسة الصهيونية المسماة "وزارة التعليم"؟، أليس رواتب المعلمين المزاولين والمتقاعدين، تأتي من نفس خزينة المؤسسة الصهيونية"؟.
وأليس جهاز المحاكم، هو أيضا جهازا صهيونيا عن بكرة أبيه؟. تابع وخاضع للمؤسسة الصهيونية المسماة "وزارة قضاء"؟. فهل يعقل أن يعمل محامون أمام هذه المحاكم، وفي نفس الوقت يدعون لمقاطعة الانتخابات؟.
إنني أصر على أن الغالبية الكبرى من المنخرطين في حملة المقاطعة، هم رفاق في النضال ضد العدو الواحد. فقد نختلف في الأساليب، وفي المسارات الكفاحية، ولكن هذا يجب أن لا يتخطى الخطوط الحمراء. فأنا اتابع العمل البرلماني منذ قرابة 25 عاما، بداية في عملي في صحيفة "الاتحاد"، وفي السنوات الـ 11 الأخيرة، في داخل أروقة الكنيست. وكغيري، نعرف أن العمل الوطني الصادق في أروقة الكنيست، هو معركة قاسية وضرورية لنا، تقض مضاجع المؤسستين الصهيونية والحاكمة. ولذا لم تأت صدفة، سلسلة من القوانين الهادفة الى تقويض، وحتى منع التمثيل الوطني لجماهيرنا، وآخرها رفع نسبة الحسم، التي تمت مواجهتها ببراعة ومستوى مسؤولية وطنية عالية.
من المؤسف أن يُصعّد بعض الرفاق خطابهم ليلامس التخوين، فهذا لا يتوافق مع مبدأ "رفاق الخندق الواحد"، ومن المؤسف، أن يتم تسويق ادعاءات في وسائل الإعلام، مثل بدعة "الأموال" و"التزوير"، فهذه للأسف تصبح في حالة ما أشبه بوشاية، ليست لائقة كليا للناطقين بها.
يعرف قياديون في حملة المقاطعة، أن عضوية الكنيست ليست نزهة لغالبية النواب العرب، الذين منهم من دفع ويدفع ثمن الملاحقة والتحقيقات والمحاكم، ورأيت من رفاقي في أبناء البلد، يقفون متضامنين الى جانب رفيقي رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة محمد بركة، كنموذج ساطع. وهذا وحده باعتقادي، يستدعيهم للحذر في صياغة خطابهم.
إن ادعاء أن التمثيل البرلماني، يُجمّل ما يسمى بـ "الديمقراطية الإسرائيلية"، يسري على كل الأجهزة الأخرى. فهل دعاة المقاطعة، قادرون على دعوة الناس، كل الناس، للانسلاخ عن الواقع اليومي المفروض عليها"؟.
*21 يوما مصيريا*
بعد 21 يوما سيكون الناخبون أمام صناديق الاقتراع، وهذه أيام مصيرية لتحريض الناس لاستغلال الفرصة وتسخيرها للانتفاض على القهر والاضطهاد، الذي ينعكس على كل تفاصيل حياتها اليومية.
لقد لخصت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بعد أبحاث جوهرية، الحملة الانتخابية البرلمانية السابقة، بأنه غاب عنها التسييس، ويجب الاستفادة من هذا، كي يلتصق الناس بالجوهر الأساس، وهو أن كل قضاياها اليومية والجماعية والقومية، نابعة من سياسة التمييز العنصري، النابعة من عقلية الاستعمار والاحتلال والاستيطان، ولهذا فإن رفع مستوى الخطاب السياسي، هو أمر مُلح ضروري، ليعرف الناس حقيقة جوهر مآسيها، وهذا الأهم؛ وبالتالي تحصينها لمواجهة كل الأحزاب الصهيونية، التي تسعى إلى تلويث شارعنا العربي.
لا يمكن انهاء سياسة التمييز العنصري، وانهاء القضايا الاقتصادية الاجتماعية، من دون انهاء الاحتلال وموبقاته، وهذا هو الأساس الذي طرح شعارنا واسمنا: "سلام ومساواة".
