ربّما يكون منشأ الكراكوز من اليونان أو الصين، وربّما يكون معنى الكلمة بالتركيّة هو العين السوداء، لكن من المؤكّد أنّ مسرح الكراكوز كان منتشرًا في بلادنا أيّام الإمبراطوريّة العثمانيّة، كفنّ هزليّ وساخر للتسلية والترفيه وأحيانا للإلهاء والتضليل. أخذ مستواه الفنّي بالهبوط حتّى الانقراض بعد انتشار السينما والمسرح الجادّين.
أمّا نحن عرفنا الكراكوز مرتين:
الأولى، في الصغر، قبل ما ينيف عن خمسين سنة، عندما كنّا في المدرسة الابتدائيّة، تعلّمنا كيف نصنع كراكوزا من الخشب لنلعب... وكنّا نتنافس على "اختراع" أكبر أو أجمل كراكوز!
والثانيّة، عندما شاهدنا ردّ فعل رئيس فرنسا نيكولاي ساركوزي الذي صار كراكوزيّا بعد الفيتو الروسي والصيني، يوم السبت الماضي، في مجلس الأمن، ربّما ليرضي بنيامين نتنياهو، بعد أن فضحت الميكريفونات همساته القلبيّة لأوباما!
لا تعتبوا على التك... فغضب صاركراكوزي مشروع، ويحقّ له أن يتشاور مع دول عربيّة! وأوروبيّة ليحشد الدعم الدوليّ لتنفيذ الخطّة العربيّة، فهو كراكوز يتقن اللعب على المسرحَين!
يا سلام على عاشق العرب صاركراكوزي! لقد زعزع بدنه الفيتو الروسيّ والصينيّ وأفقده هدوءه وأثار حفيظته، بينما زاغ بصره واضطرب فكره، بعد ستين فيتو أمريكيّ لصالح الاحتلال الإسرائيليّ، لا تعتبوا عل التك...!
يستنتج صاركراكوزي بأنّ الفيتو الروسي الصيني:"يشجّع النظام السوريّ على مواصلة سياساته القمعيّة".
أمّا أنا... فاستنتجت بأنّ الفيتو الأمريكيّ أفزع وردع و... حكّام إسرائيل من التمادي ومواصلة سياساتها الورديّة والسلاميّة و...لذلك...
لم يخب ظنّي وأملي من القيادة العربيّة " بتوع نضال آخر زمن في العوّامات"، فهي صبورة ولم تيأس كصاركراكوزي، فهي قادرة على بسط سيادتها وسياستها على كلّ قيادات العالم، بدون استثناء القيادة الإسرائيليّة، وعلى الهيئات الدوليّة، وعلى رأسها مجلس الأمن.
أصبح مجلس الأمن في مرمى طلبات الأميرين الحمدين آل ثاني، ومرتعا خصيبا لسياستهما، وبات تحت سيطرتهما المحكمة- "شبّيك لبّيك عبدك بين إيديك".
أمّا أنا... العبد الفقير الفلسطينيّ الرازح تحت الاحتلال المتنوّر في الضفّة والقطاع-فلسطين، وتحت وطأة سياسة الاضطهاد والتمييز القوميّ العنصري المرغوب في الجليل والمثلّث والنقب-إسرائيل، أطلب من الحمدين وأناشدهما خصوصا بعد أن رتقا ثوبنا الفلسطيني، وجمعا نصفينا، أن يجيبا طفلنا الفلسطينيّ الملحاح على سؤاله البسيط، الذي يحرجني، إنّه يسألكما: لماذا يؤدّي الفيتو الروسي والصيني إلى اندلاع حرب في الشرق الأوسط، بينما يؤدّي الفيتو الأمريكي إلى سلام ووفاق وحسن جوار وتعاون متبادل النفع بين دول الشرق الأوسط ؟!
مَن إسترأى (طلب رأيه) صاركراكوزي حول سياسة حلف الناتو إزاء الشرق الأوسط فيسمع منه:
1- الدفاع عن السياسة الإسرائيليّة والحفاظ على أمنها وتفوّقها العسكريّ.
2- القضاء على الإرهاب الإسلامي، بإتباع سياسة:"لأنه مش قدها؛ فكلّما رفعته تشنقه".
3- السيطرة على مصادر الطاقة.
4- السيطرة على طرق التجارة العالمية، والتحكّم بشكل خاص بالمعابر المائيّة.
5- تطويق مصالح روسيا والصين، والحدّ من تأثيرهما السياسيّ والاقتصاديّ والعسكريّ في منطقة الشرق الأوسط.
ملاحظة:في الأسبوع الفائت وتعقيبًا على مقالي: "يا سوريا ما لك علينا لوم" ، أهداني أحد أعزّائي من يركا قصيدة: "يا ديرتي ما لك علينا لوم" للأمير زيد الأطرش؛ فرأيت من واجبي أن أردّ على الهديّة الرفاقيّة والمعروفيّة بمثلها.
بعد أن أبرم أمير جبل لبنان بشير الشهابيّ معاهدة صداقة مع محمد علي باشا والي مصر، فتحت جامعات مصر أبوابها الدراسيّة للمتخصّصين من الطلّاب اللبنانيين. لكن عندما شنّ إبراهيم باشا بن محمد علي حملته على لبنان في سنة 1831، حاربه دروز جبل لبنان، أسوة بإخوانهم، بضراوة، فَسَّرَ محمد علي هذا على أنّه دفاع عن السلطنة العثمانيّة، على أثر ذلك اختفت آثار بعض الطلّاب الدروز في مصر، وفي الوقت ذاته انكشف تخاذل العثمانيين أمام إبراهيم باشا، فأدركت القيادة الدرزيّة الموقف، وأرسلت عنها وفدا إلى مصر للتفاوض مع محمد علي، فكان التفاهم سيّد الموقف بين الطرفين، ممّا شجّع أحد أعضاء الوفد على الطلب من محمد علي أن يساعدهم في العثور على الطلّاب اللبنانيين المفقودين؛ فقال محمّد علي: " ما دام أولادكم عندنا فكيف تجاسرتم على محاربة ولدنا إبراهيم"؟ فردّ عليه أحدهم:" يقول الدروز في مثل هذا الموقف: بولادنا ولا ببلادنا".
فما رأي الكراكوزيّ وليد جنبلاط؟
