يوم أحد، في طريقنا الى حيفا للنزهة العائلية الاسبوعية، وبينما يغفو ابني قليلا، اسمح لنفسي بتفحص موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك. لا تزال أصداء عيد الأم قوية، ولا زالت المعايدات والكلمات الجميلة عن الأم تملأ الشاشة، ومن ضمن الصور والمعايدات طبعا تأخذ الأم الفلسطينية حصة الأسد.
صور للنساء الفلسطينيات بشتى المواقف: هذه صورة لأم فلسطينية تحمل نعش ابنها الشهيد وتسير في جنازته شامخة، وتلك صورة لامرأة فلسطينية ترفع حذاءها بوجه جندي الاحتلال مهددة ومتوعدة لتريه "مقامه" حتى لا تختلط عليه الامور فيحسب انه صاحب سلطة عليها، وتلك صورة لأمرأة فلسطينية متشبثة بجذع الزيتون آبية تركه بينما تتجه جرافات الاحتلال صوبها، صور وصور تصف المرأة الفلسطينية بالشموخ والعزة والكرامة، شعرت وكأن هذه الصور تابى الزوال وكأنها تذكر العالم ان فلسطين أمرأة شامخة راسخة في أرضها قوية شرسة، لتذكرهم ان الانثى هي الاصل!
وبين هذه الصورة وتلك النساء الغضب والمقاومة أشعر بنفسي أطير محلقة بين الصور وحقبات الزمن – فأتخيل نفسي تارة أسير في مظاهرة ضد مصادرة الاراضي هاتفة "نادى المنادي في الجليل أرض العروبة للعرب"، وتارة اتخيلني احمل الميكروفون في احدى المظاهرات واسير في المقدمة هاتفة "وحدة وحدة وطنية الشاب بحد الصبية"، أو أقف على المنصة في مسيرة العودة وأشدد على أهمية حق العودة للاجئين الفلسطينيين وبأنه حق مقدس غير قابل للصرف، ولم لا؟ ألست أنا من نسل هؤلاء النساء المقاومات في الصور؟ ألست أنا ايضا امرأة فلسطينية قوية ميزاتها الشموخ والبسالة والعزة والكرامة التي يتغنى الفلسطينيون بها؟ ألست أنا أيضا أمرأة فلسطينية ملقى على كاهلها الدفاع عن ارضها وحقها بروحها وعقلها والتحول الى لبؤة شرسة لمحاربة من ينهبهم؟
وبينما ما زلت مسحورة وهائمة من نشوة الشعور بالقوة والفوران والبركان الهائل للغضب في صدري، وما زلت اتصفح الفيسبوك، أرى احدى الاذاعات تنشر "بوست" عن موضوع النقاش اليومي في الاذاعة الا وهو: "هل تتعارض الانوثة مع قوة الشخصية؟"!! وفجأة ومن دون اية مقدمات وفي خلال ثوان اسقط من نشوة أحلامي الى الحضيض، انكمش وأتلاشى حتى وكأنني شعرت بالزوال، واصرخ بصوت عال متسائلة: "معقول بعدنا هون؟"
بينما يتحدث العالم عن التطور التكنولوجي والعلمي وتصل النساء الى القمر ويتنافسن مع الرجال على أعلى وأهم المناصب العالمية ويحركن العالم كله بكفة يدهن اليسرى – تتساءل الأمة العربية عن تعارض الصوت العالي مع صفات الأنوثة! يتساءل العالم العربي هل ممكن ان تلبس المرأة ثوبا آخر غير ثوب الخنوع والخضوع وتبقى أنثى؟ هل ممكن ان تكون المرأة قوية وجبارة وفي نفس الوقت تعد أنثى؟ وخطر ببالي السؤال الأكبر: هل هؤلاء النساء في الصور واللواتي نشرت صورهن في كل مكان وملأت الشبكة لسن نساءً وقد فقدن أنوثتهن؟ واذا كنَّ لسن نساء - فلماذا نملأ الشاشات بصورهن وكأن هذا هو الوجه الوحيد للمرأة الفلسطينية وهكذا بالفعل نحن نراها؟ ويسأل السؤال: هل هذا هو الوجه الذي نريد ان نصوره للعالم على ان هذه هي المرأة الفلسطينية ولكن في الخفاء نمارس معتقدات شرقية بالية بأن المرأة هي مخلوق مؤدب سكوت صوته عذب وحالم وجميل ولطيف وضعيف ولا علاقة له بالسياسة والارض والوطن – وانه ان أخلّت المرأة بأي من تلك الصفات فهذا ينزل الخلل بأنوثتها؟ تناقض مخيف بين الصورة التي نعرضها على الملأ للمرأة الفلسطينية وبين واقع نظرتنا وتصورنا لها...
هذا التناقض ألمني وأوجعني لدرجة البكاء، هذه الصورة المعروضة للمرأة الفلسطينية المناضلة هي الحقيقة بحد ذاتها، فلماذا نحاول تشويهها وخلق صورة بديلة لها فيما بيننا؟ الصورة هذه تعكس المرأة الفلسطينية بقوتها وضعفها، بحنيتها وصلابتها، بعنادها وحبها، فلماذا على أرض الواقع ننبذها؟ لماذا نحاول أن نخلق جيلا من النساء المنكسرات الراكعات تحت وطأة ضغط المجتمع والظروف؟ ان هذه الصورة المشرفة للصمود هي التي يجب أن تنعكس على واقعنا وحياتنا اليومية – هذه هي القيم التي يجب أن نربي أجيالنا القادمة عليها وذلك حتى يبقى من يصون هذه الصورة – فلماذا نحاول تغييرها وجعلها صورة إعلامية فقط بينما نمارس كبت العنفوان وتحجيم ثورة فتياتنا ونسائنا في الخفاء؟
أسئلة كثيرة أعادتني الى مرحلة تكوين الذات، تكوين الشخصية، في بدء البدايات، هناك على مقاعد الجامعة في مقتبل العمر، لا أفقه شيئا عن الحياة سوى انها مليئة بالتجارب لنتعلم دروسا تصقل شخصيتنا لنضحي على ما نحن عليه اليوم. هناك، على مقاعد الدراسة، حيث يسأل السؤال: من انا، وماذا اريد أن أكون؟ والجواب الوحيد كان: كوني أنثى! وعندما تساءلت ما هي الانثى، قيل لي " تصرفي زي الصبايا " جملة غير مفيدة وغير مفهومة، لها معان عديدة تتلخص في التالي: لطيفة، جذابة، مؤدبة، قنوعة، خاضعة لحكم الرجل، تأتين للجامعة بشكل يومي لتتعلمي وتدرسي وتبحثي عن "العريس"، لانه "المتعلم بدو متعلمة زيو"، وطبعا السياسة والنشاط السياسي ليس من شأنك وليس واردا في الحسبان، ان هذا شأن ذكوري بحت، فالفتيات الناشطات سياسيا يغفُل عنهن "العريس"، "لانه بخاف قوتهن"!!
عندما رفضت هذا التعريف كانت الكارثة، هي الحرب، حرب على المجتمع وعلى المعتقدات البالية، حرب في داخل الاطر السياسية نفسها حيث انه من البديهي أن تكون القيادة ذكورية والنساء القائدات هن "الخارجات عن القاعدة"، وأنا رفضت هذه القاعدة! رفضت أن أقاس حسب مقاييس فرضت عليّ ولم يكن لي حق اختيارها! أنا أنثى نعم! ولكن صفات الانوثة أولا وأخيرا هي الثورة! أفليست الثورة أنثى؟ أنا أنثى نعم! وأنوثتي هي صوتي العالي المطالب بحقوقي وبالاعتراف بي كإنسان كامل متساوٍ في حقوقه للرجل تماما! أنا أنثى نعم! وأنوثتي تكمن في حبي وعطائي لبلدي ومجتمعي وللبشرية أجمع، أليست الانوثة هي الحب والعطاء والتضحية؟
هناك، على مقاعد الدراسة، عندما فتحت عيني أدركت أن تلك الصفات لا علاقة لها بالانوثة، وعندما أدركت رفضت! وبين صورة المرأة الفلسطينية ترفع الحذاء على الحاجز في وجه الجندي، وصورة الفتاة الهادئة القنوعة مكسورة الجناحين المتقبلة لواقعها المر الذي تعيشه، البعيدة عن النشاط السياسي والعطاء – اخترت أن أكون الاولى- فالجميلات هن الثائرات.
مع مرور الوقت اكتشفت أن الجميلات الثائرات كثر، وبين رفيقات العطاء والمقاومة وجدت القاعدة ولم أعد أشعر بأنني غريبة وخارجة عنها، هناك بين رفيقاتي وجدت الصورة الحقيقية للمرأة الفلسطينية، صورة من الواقع لا تختلف عن الصور التي تعرض على شاشات شبكات التواصل الاجتماعي وفي الصحف – نساء فلسطينيات كأشجار الزيتون راسخات رفضن المثول لأفكار بالية ونهضن بأنفسهن حتى وصلن الى المبتغى، شاركن في المظاهرات وفي العمل السياسي دون خوف من نظرة الناس والمجتمع لانهن أيضا اخترن الحياة بحرية والدفاع عن الكرامة والوطن والعيش بسلام.
عدت من رحلة أفكاري ورجعت الى صفحات الفيسبوك، أتصفحها مرة أخرى، وإذ بإعلان آخر: "مطلوب موظفة ذات مظهر جذاب" – "مش معقول!! بعدنا هون؟"