"الإتحاد" جامعة النضال الفلسطيني التقدمي الأنساني

single

"يبدو أن أمي تضايقت من أقوال الناس ومما يتسرب لها من الخطر، ليس على مستقبلي فقط بل على مستقبل كل من أخوتي وأخواتي التسعة وانا بكرُهم، فهي ووالدي يعلموننا برمش العين..  وقالت لي صباح يوم ثلاثاء: إسمع يا مفيد إذا جاء أبو العفو هذا.. وجاب الجريدة معه فإنني سأرميها بوجهه.." -  لكن الخاتمة كانت مختلفة!*

تحتفل صحيفة شعبنا الفلسطيني والقوى التقدمية اليهودية بالاتحاد في عيدها الخامس والستين، فقد بدأ صدورها في 14 أيار 1944، وبقيت صامدة في حيفا مع من بقي صامدا في وطنه من أبناء شعبنا العربي الفلسطيني البطل.
هذا الصمود الأسطوري في بحر متلاطم الأمواج محليا وعربيا وعالميا أعطى الجريدة موقعا خاصا بين الجماهير العربية في إسرائيل التي حمت حزب الاتحاد وقيادته وأعضاءه باعتبارهم رأس الحربة للنضال من أجل لقمة العيش والكرامة الوطنية والحفاظ على الوطن والبقاء فيه والسلام العادل ، في وضع لم يكن سهلا بل ربما رآه البعض مستحيلا.
مستحيل لأن قراءة الاتحاد كانت تعتبر جريمة في ظل الحكم العسكري القبيح ولعدة سنوات بعد ذلك، وهناك من هو مشبع بهذه الفكرة حتى اليوم "أتركني أنا بدي أعيش لا بدي جريدة الشيوعية ولا بدي أقرأ". فالظالم أدخل للعديد من أهلنا مفاهيم أن قراءة الاتحاد تعني قطع الرزق مباشرة، وما زلتُ أذكر ذلك الشاب الذي حقق معه المحقق في الشرطة وإذا به يفتتح التحقيق بقوله: "ها كبرت يا بن الـ.... وصرت تقرأ الاتحاد... مع الشيوعية يعني؟".. البعض رفض هذه الأقوال ورد الصاع صاعين والبعض الآخر خنع ( للرجل الكبير/الصغير)، ولكن الاتحاد استمرت تنفع الناس وتدافع عنهم.

 

*المخبرون خلف الموزّع!*


بعض المخبرين كانت كل وظيفتهم هي تعقب موزع الاتحاد والتعرف على قراء الجريدة ليكتب القوائم لأسياده. وهؤلاء بدورهم يحتارون في كيفية معاقبة ومحاسبة القراء وإبعادهم عن الحزب وعن الجريدة، والجريدة تستمر ببسالة في الدفاع عن الناس البسطاء عن الشعب ولقمة عيشه وتعطي تجارب الصمود والبطولات والدفاع عن الوطن، ابتداء من الاتحاد السوفييتي سابقا والحرب العظمى ضد النازية والانتصار على أخطر حركة في التاريخ، الحركة النازية، قريب سنة تأسيس الاتحاد وشهرها الأحمر أيار العمال ( 9 أيار 1945 – يوم النصر على النازية الذي تحييه جماهيرنا والقوى التقدمية اليهودية سنويا)، فالاتحاد كانت المعلم لهذه الجماهير لئلا تقع في شرك الفكر العرقي في ظل الظلم الكبير الذي وقعت تحته منذ قيام دولة اسرائيل وحتى اليوم.. من سحب البساط الأخضر من تحتها (الأرض)، إلى كل ممارسات الحكم العسكري والاضطهاد القومي ومحاولات التجهيل. فقد قال الصهيوني لوبراني في حينهبما معناه: "نريدهم - أي العرب - حطابين وسقاة ماء".. وكانت الاتحاد تقف في الميدان وحدها تقريبا في مقابل جريدة "اليوم" الحكومية ومن بعدها "الأنباء" وغيرهما من وسائل السلطة الرسمية التي وضعت هدفها الأساسي إحباط هذه الجماهير وتدجينها وبالتالي تهجيرها لكي يبقى الميدان لحميدان كما يقول مثلنا الشعبي. ولكن الاتحاد بقيت في الميدان وبقي شعبها أيضا.

 

*"يا أستاذ شو بدك بتوزيع الجريدة"*

لقد كان لي الشرف أن أقرأ الاتحاد منذ نعومة أظفاري وحتى اليوم أثابر على قراءتها يوميا وعندما لا أجدها أمام بيتي أبحث عنها كالابن المفقود، أبحث عنها في كل زاوية من زوايا ساحة المنزل حتى أجدها وعندما تتأخر أشعر بأنني فقدت شيئا، وكثيرا ما كنت أسافر خصيصا لام الفحم أو كفر قرع أو معاوية أو باقة الغربية لأحصل على عدد فاتني منها، هذا رغم معرفتي أن العديد من المواد ممكن قراءتها عبر الحاسوب وفي موقع الجبهة.
كان لي الشرف أن أوزع الاتحاد لسنوات طويلة في عارة وعرعرة وبرطعة وأم القطف ودار الحنون وعين السهلة وخور صقر مع الرفاق أحيانا ووحدي أحيانا أخرى. ولي ككل موزع إتحاد ذكريات كثيرة مع أبناء شعبي الذين أعطيتهم الاتحاد وبينهم الصالح والطالح وبينهم الذي يقدر العمل الذي أقوم به والبعض الآخر يعتبره مصلحة!! والبعض يعتبره نوعا من السذاجة والبساطة وقلة الدراية والبعض يعتبره مغامرة ومجازفة ليست في مكانها ، فماذا يربط معلما موظفا بجريدة كالاتحاد؟

"يا أستاذ شو بدك بالتوزيع على الدور هاي مش إلك، هاي مناسبة لأولاد صغار"!! وعندما كنت أناقشهم باحترام البعض كان يقتنع بل ربما أصبح من المناصرين لخطنا والبعض الآخر بقي على معتقده.


*أمي والاتحاد..*


أمي أطال الله في عمرها تحبني كما تحب كل أم ابنها، لا أكثر ولا أقل، وحبها أحيانا لا يظهر للناس ولكننا كأبنائها نحس به في كل خلجة من خلجاتنا. في إحدى السنوات الأولى لانتسابي لحزب الاتحاد كان الرفيق أبو العفو(محمود حسين حصري) هو المسؤول المنطقي عن توزيع الاتحاد، وبذلك كان يوصلها بالجيب العتيق والمعتق حتى في تلك الأيام فلم يكن جيب" موديرن" ولا نوع خاص، بل جيب "لشيوعيي من الفقراء" ، وكان طاب ذكره يأتينا بالجريدة كل يوم جمعة وكل يوم ثلاثاء.
ويبدو أن أمي تضايقت من أقوال الناس ومما يتسرب لها من الخطر ليس على مستقبلي فقط بل على مستقبل كل من أخوتي وأخواتي التسعة وانا بكرُهم، وهي ووالدي يعلموننا برمش العين فقالت لي صباح يوم ثلاثاء: إسمع يا مفيد إذا جاء أبو العفو هذا.. وجاب الجريدة معه فإنني سأرميها بوجهه.. ورغم هدوئها الحياتي العادي فقد رأيت الغضب وكل الجدية في عينيها وأبي طبعا ينهض منذ ساعات الصباح الأولى ليعمل في منطقة تل أبيب ليساهم ويكمل تربية أبنائه، شعرت في هذه اللحظة أن الأمور جدية جدا فلم أتعوّد هذه الكلمات من أمي التي كانت تستعيض عن الشدة بكلمات الرضاء والنصيحة أن أترك هذا الطريق لأنه مكلف جدا "ونحنا على قد حالنا بدنا نعلمكم ولا يهمك بالتصويت ما بنصوت غير للشوعيي"! فقلت لها بدون لف ولا دوران: يا أمي أعود من المدرسة اليوم فإذا وجدت الجريدة أبقى معها وأوزعها كالمعتاد وأبقى عندك، وإذا لم أجدها سافرت إليها وتركت لك البيت.. وذهبت إلى المدرسة وأنا أقصد ما أقول من جهة وأنا أريد أن أضع حدا لهذا التردد والضغط على البيت من جهة أخرى.
عدت إلى البيت بعد يوم دراسي في مدرسة السلام في عرعرة لأجد الجريدة في البيت ولأجد أمي قد رتبتها ووضعت الصفحة الوسطى داخلها (يذكر قدامى الحزب وموزعو الاتحاد كيف كنا نرتب بأيدينا الصفحات) وكأن الجريدة مكوية بالمكواة لكثرة الاهتمام بالترتيب قبلت والدتي ودموعها تنهمر من عينيها وهي تقول: ألله يرضى عليكم وريت طريقك خضرا.. قبلت والدتي و تناولت طعام الغداء وحالا قمت بتوزيع أعداد الجريدة في عارة وعرعرة وأصررت في ذلك اليوم على توزيع جميع الأعداد وهكذا كان.

أردت بهذه القصة التي هي واحدة من القصص لدى موزعي الاتحاد أن أدلل على عمق الأرتباط بين الجريدة وشعبنا وبيوتنا فليس من السهل أن نتركها وأن نترك حزبها ونشعر أن هذا تعبنا وتعب أهلنا وعوائلنا ومن تعب في طريق يحميه برمش العين.

 

*واجب عيني وشعبي* 

ولذلك هناك واجب وطني شعبي رغم كل التطور الذي حدث بالمحافظة على جريدة الاتحاد وملاءمتها فنيا لظروف العصر مع الحفاظ على المضامين والطريق الذي شقته الاتحاد، وهناك مسؤوليات عينية لمن يعمل بالاتحاد ولمن يدير الاتحاد فلا يسمح بأي حال من الأحوال باللعب بأموالها فهي وقف للشعب وللجماهير التي تتبرع لها وتحميها، وهناك ضرورة للسهر على تطويرها بكافة المجالات التحرير، المعاصرة، والأدوات الحديثة، وكل هذا مع الحفاظ على الثوابت اللغة، المستوى الراقي في الأخراج الاهتمام بالناس والجماهير الكادحة وأخبارهم اليومية الحياتية فصحيح ما كتبته الاتحاد على ترويستها الأولى "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" وهي مكثت في الأرض لأنها نفعت الناس وستمكث ما دامت تنفع الناس، ومبروك للإتحاد وتحية للرعيل الأول، تحية لرفيقنا توفيق طوبي ولبقية الرفاق الميامين أجمعين ومبروك عيد الاتحاد دائما.

 

(عرعرة – المثلث)

قد يهمّكم أيضا..
featured

استراحة المحارب في غزة..!

featured

التفكير فوق المعرفي وعلاقته بالتَعلم

featured

"الديبلوماسية العامة" الأميركية والإسلام السياسي

featured

عاش يوم الأرض الخالد

featured

خيوط استهداف سوريا من الخليج الى ما خلف المحيط (2-2)

featured

هل يأتي براك اوباما الى مصر لزرع البحر مقاثي؟!

featured

شيء ما من الماركسية على تخوم الأول من أيار

featured

علينا دوما البحث عن توسيع التحالفات، دراسة الواقع وتحديد المراحل