اخط هذه الكلمات صبيحة يوم الاربعاء، الثالث من حزيران الجاري، عشية توجه الرئيس الامريكي اوباما الى مصر والسعودية لالقاء خطاب المصالحة الامريكية مع الانظمة والبلدان العربية والاسلامية في الرابع من حزيران الذي يصادف مرور اثنين واربعين عاما على حرب حزيران العدوانية التي احتلت اسرائيل من خلالها، وبالدعم الامريكي الامبريالي، المناطق الفلسطينية في الضفة والقطاع والقدس الشرقية وشبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية، وترافق زيارة وطابع زيارة اوباما الى مصر والسعودية، وخاصة خطابه المرتقب في القاهرة، على اهتمام عالمي غير مسبوق ومزايدات ومبالغات خيالية في التقييم من مختلف اماكن الصراع الاسرائيلية والعربية وبشكل ابعد ما يكون عن معطيات الواقع. فمقولة "التغيير" اصبحت "اللصقة الامريكية" المغروسة في جبين اوباما وقوة الجذب السحرية التي تجعل المسطولين بسراب السحر المخادع يتوهمون من ادارة اوباما الجديدة ستعمل الهوايل، "ستزرع البحر مقاثي" بدلا من زرعه بجثث القتلى في الشرق الاوسط وغيره. لقد وصلت المزايدة الفارغة الى درجة الاستخفاف بالعقل الانساني وبالحس الوطني العربي والفلسطيني، فبعض السحيجة في الصف الاستراتيجي الامريكي من العملاء وخونة مصالح شعبهم يقارنون بمقاييسهم المختلفة بين براك اوباما وبين وزير خارجية الاستعمار البريطاني بلفور، فبلفور وعد المنظمة الصهيونية العالمية باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وعلى حساب شعبها العربي الفلسطيني وكان من وضع القاعدة الخلفية للنكبة الفلسطينية التي تنزف جراحها دما حتى يومنا هذا، اما اوباما حسب منطق الارذال العملاء، فانه "بلفور الحسين" الذي يعد ويعمل من اجل وطن قومي للفلسطينيين!! وفي مصر نظام مبارك تعيش الصحافة المصرية حالة من "النشوة والفوران" والمبالغة منفلتة العقال الى درجة تشبيه ومقارنة براك امون بفرعون مصر توت عنخ آمون باعث الحضارة المصرية، وان باراك اوباما سيعيد لمصر عزها وقيادتها للعالم العربي والثالث التي فقدتها منذ ردة وخيانة الرئيس السادات بتوقيع الصلح المنفرد مع اسرائيل واخراج مصر من دائرة الصراع الاسرائيلي – العربي قبل حل القضية الفلسطينية.
اما في اسرائيل فان حكومة اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو ووسائل الاعلام المجندة والمتجندة في خدمة سياستها تلجأ الى المبالغة في تصوير حقيقة مدى اتساع التناقضات في الموقف والاختلاف في وجهات النظر مع ادارة اوباما، خاصة فيما يتعلق بالموقف من حل الدولتين ومن الاستيطان الكولونيالي الاسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، فمنذ عودة نتنياهو من محادثاته مع الرئيس الامريكي باراك اوباما تعمل ادارة حكومة الكوارث اليمينية ووسائل اعلامها وبشكل منهجي على بث رسالة "القلق" الى الرأي العام الاسرائيلي والصهيوني العالمي بان ادارة اوباما تدير ظهرها لطابع العلاقة التي كانت قائمة بين حكومات اسرائيل المتعاقبة والادارات الامريكية المتعاقبة، عدم الاعتراف بالتفاهمات التي تمت بين جورج بوش واريئيل شارون في العشرين من نيسان الفين واربعة والتي بموجبها تواصل اسرائيل البناء في المستوطنات والتي ستضم تحت السيادة الاسرائيلية في اطار الحل الدائم.
عشية توجه اوباما الى المنطقة نشرت صحيفة "يديعوت احرونوت" يوم 2/6/2009 عنوانا صارخا وبالبنط العريض على صدر الصفحة الاولى!! "التهديد الامريكي" وان ادارة اوباما تزن وتدرس وقف الدعم الاوتوماتيكي لاسرائيل في التصويت في الامم المتحدة وفي مجلس الامن، عدم استخدام "حق الفيتو" الامريكي لانقاذ اسرائيل من اية ادانة او عقوبة في مجلس الامن الدولي.
ما نود تأكيده في السياق الاسرائيلي ان حكومة نتنياهو – ليبرمان – براك في وضع اشبه ما يكون "ببالع المنجل" المتوقف في حنجرتها، فمن جهة فان بنية الائتلاف من قوى اليمين المتطرف من ممثلي قوى الاستيطان والفاشية والترانسفيرية العنصرية واليمين المتدين المتشدد لا يمكن ان ينسجم موقفه ويوافق على حل الدولتين ووقف الاستيطان حسب الطلب الامريكي، ومن جهة ثانية لا يمكن الرفض الى ما لا نهاية. للمطالب الامريكية، خاصة لدولة مثل اسرائيل تتلقى سنويا دعما امريكيا وصهيونيا امريكيا يقدر بعشرة مليارات دولار في اطار "مساعدات" عسكرية وتكنولوجية واقتصادية ومخابراتية ودبلوماسية سياسية. كما ان ادارة اوباما حريصة بان لا تصل الاختلافات مع اسرائيل الرسمية الى درجة القطيعة والازمة الصارخة، بل بذل الجهود من خلال المحادثات المباشرة بين المسؤولين في الدولتين او من خلال قنوات اللوبي الصهيوني اليهودي الامريكي لايجاد مخارج تخدم المصالح الاستراتيجية الامريكية – الاسرائيلية. وتنطلق اصوات من داخل معسكر نتنياهو تدعي بانه ليس من المستبعد ان يكون عناد موقف اوباما حول تجميد جميع اشكال الاستيطان وحل الدولتين نابعا من محاولة ادارة اوباما اسقاط حكومة نتنياهو والدفاع باتجاه اقامة حكومة بديلة حتى لو كانت برئاسة نتنياهو مع "العمل" وكاديما وبعض تيارات "الحراديم" تنسجم مع الاستراتيجية الامريكية الجديدة.
لقد اكدنا دائما ومنذ تسلم ادارة اوباما مقاليد السلطة بعد الانتخابات الامريكية الاخيرة، انه يجب وضع السياسة الامريكية والاستراتيجية الامريكية وطابعها الجديد في الموازنة الواقعية الصحيحة على الساحة الدولية، فحقيقة هي ان اوباما يحاول اقناع العالم انه يتبنى طريقة اخرى في التعامل مع القضايا والمشاكل العالمية وفي طبع ميسم العلاقات الدولية بمبادئ الحوار والتفاوض والاحترام المتبادل وبشكل يختلف تماما عن طريقة سلفه بوش واليمين المحافظ التي اعتمدت طريقة حق القوة والبلطجة العدوانية والحروب الاجرامية لفرض الهيمنة عالميا وفي مختلف المناطق وتحت يافطة "الحرب العالمية ضد الارهاب".
وحقيقة هي ايضا ان ادارة اوباما تتجه للتعامل بطريقة اخرى تختلف عن طريقة ادارة بوش في التعامل مع الحليف الاسرائيلي ولكن دون المس بجوهر العلاقات الاستراتيجية الوثيقة بين الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل. وليس من وليد الصدفة انه عشية توجهه الى المنطقة وقبيل مقابلته القصيرة لوزير الحرب الاسرائيلي ايهود براك صرح اوباما لاذاعة امريكية (مساء الثلاثاء)، ان اسرائيل صديق حميم للولايات المتحدة، وان العلاقة بين واشنطن وتل ابيب – رغم خصوصيتها لم تتسم بالصراحة التي تكون عادة بين صديقين جيدين، وبعد تأكيده على مواصلة دعم اسرائيل اكد "علينا الحفاظ على الايمان الراسخ بامكانات المفاوضات التي ستؤدي الى تحقيق السلام. وهذا يتطلب برأيي حل "الدولتين"!
فمن حيث المدلول السياسي فان اوباما يوجه انتقادا لاذعا لادارة بوش واليمين المحافظ السابقة التي تجانست مواقفها اليمينية العدوانية مع المواقف العدوانية الاسرائيلية المعادية للتسوية السياسية والمتنكرة للحقوق الوطنية الشرعية الفلسطينية بالتحرر والاستقلال الوطني. اوباما اراد القول "الدب الامريكي كان يرقص في حلبة الخضوع لمصالح ربيبه الاسرائيلي الصهيوني"، اما الوضع الطبيعي في ظل الصراحة مع الصديق الاسرائيلي، ان القرد الاسرائيلي عليه ان يرقص في حلبة الاستراتيجية المصلحجية للادارة الامريكية! وعلى سبيل المثال، وكما نقلت صحيفة "يديعوت احرونوت" 2/6/2009 في لقاء عقده رئيس طاقم "البيت الابيض" رام عمانوئيل مع مسؤولين كبار في اللوبي اليهودي الصهيوني الامريكي حذرهم من مغبة عدم انصياع حكومة نتنياهو لمطالب اوباما، قال لهم"اسمي رام يسرائيل عمانوئيل، خدمت كمتطوع في الجيش الاسرائيلي، والدي خلق في اسرائيل، لا تنازل عن امن اسرائيل، ولكن عليكم ان تصغوا جيدا وتفهموا جيدا، ان هذه القصة مع المستوطنات يجب ان تنتهي، لا يمكن اللعب اكثر!!
وحقيقة اخرى من الاهمية بمكان تأكيدها ان توجه اوباما الى مصر والسعودية "للمصالحة" ليس منطلقه ومبعثه العمل لانصاف العدالة حقها، لانصاف الشعب الفلسطيني انجاز حقوقه المشروعة وانصاف سوريا باسترجاع الهضبة السوريةالمحتلة وازالة طاغوت الاحتلال والجرائم الامريكية عن شعوب وبلدان العراق وافغانستان والباكستان واشعال انوار الحضارة والتقدم في اقبية الانظمة العربية والاسلامية المظلمة!! ليس هذا هو دافع اوباما في توجهه الى القاهرة والرياض، بل العامل الاساسي هو انتشار الكراهية العادلة للجرائم الامريكية للاستراتيجية الدموية التي ارتكبتها ادارة عولمة ارهاب الدولة الامريكية المنظم في عهد بوش واليمين المحافظ ضد الشعوب والبلدان العربية باحتلال العراق وافغانستان وارتكاب المجازر وجرائم الحرب في لبنان والمناطق الفلسطينية المحتلة وباكستان وضد سوريا وايران. وانطلاقا من خدمة المصالح الاستراتيجية الامبريالية الامريكية والاسرائيلية يأتي باراك اوباما ليحسن صورة الامريكي البشع، وليحاول اقامة تحالف اقليمي واسع في اطار تطبيع العلاقات بين اسرائيل وسبع وخمسين دولة عربية واسلامية، تحالف سياسي اقتصادي عسكري بزعامة امريكا ومعاد لحركات المقاومة والتقدم في المنطقة، والخطير في هذا السياق، كما ذكرت في تعليقات سابقة، ان اوباما سيضغط على النظام السعودي والنظام المصري لبدء تطبيع العلاقات العربية والاسلامية مع اسرائيل بفتح مكاتب اتصالات وتشجيع اصحاب المصالح اليهود والعرب والمسلمين بالاستثمارات والتوظيفات المتبادلة، والسياحة المتبادلة وفتح الاجواء لحركات الطيران بين بلدانها، وكل ذلك قبل الحل الدائم للقضية الفلسطينية والاكتفاء "بحسن نية" المحتل بفتح المعابر وازالة بعض المستوطنات الهامشية وبعض الحواجز من داخل المدن الفلسطينية مع مواصلة الاستيطان والتهويد وتدجين قوة امن فلسطينية يدربها امريكان لحماية امن المحتل الاسرائيلي وقطعان مستوطنيه. ولهذا فإننا نؤكد بان توجه اوباما الى المنطقة وخاصة الى القاهرة والرياض لا يستهدف ابدا ارساء قاعدة راسخة لسلام عادل عام وشامل وثابت، بل يعيد الى الاذهان اهداف حرب حزيران العدوانية قبل 42 سنة التي لم تتحقق، وهي كسر شوكة حركة التحرر الوطني العربية ودفن الحق الوطني الفلسطيني المشروع، الحق في الدولة والقدس والعودة! ويتبادر الى الذهن السؤال، هل جاء اوباما الى القاهرة لاتمام المخطط الكارثي الاسود الذي طرز الرئييس انور السادات بنوده الخيانية بدماء الضحية المسفوك دمها من احرار مصر والشعب الفلسطيني وانصاره، والمرتقب سفك دمائها من مواصلة مذبحة قتل واغتيال الحقوق الوطنية للشعوب.
