الذكريات والخيال وأهميتهما في العلوم والمعرفة (الجزء الثالث والأخير)

single

هناك اعتقاد متجذر في عقول أبناء المجتمعات الغربية المعاصرة بأن الواقع هو واقع مادي يمكن رصده بحواسنا وقياسه بأدوات موضوعية. أما الخيال فهو شطحة بعيدة عن الواقع تصلح لمجال الفن والإبداع وإن زاد عن حده يصبح صاحبه مختلا عقليا، وعليه فقد أصبح الارتباط بالواقع المحسوس من أحد أهم مقاييس السلامة النفسية بالنسبة للأطباء النفسيين. أما الخيال، فإن لم يكن جزء من عملية إبداع فني أو أدبي، فهو حتما ضرب من الهذيان الذي يبعد الناس عن مواجهة مشاكلها الحياتية.
ادعاء الموضوعية في التفكير والفهم هو الوهم بعينه
لقد أوصل هذا التوجه الموضوعي والمادي إلى قفزات علمية شاسعة في مختلف المجالات إلا أن بعض اكتشافات القرن الماضي تضع تحديا محرجا لهذا التوجه الذي جاء بهذه الاكتشافات. النظرية النسبية وما تلاها من نظريات "الحقل" و"الكوانتوم" في الفيزياء تثير شكوكا عميقة حول حقيقة الوجود المادي كما أدركناه حتى الآن. بحسب هذه النظريات الحديثة فإن المادة هي وحدات أو كبسولات تجمع بداخلها طاقة تتسرب تدريجيا كالإشعاع إلى خارج الذرة، أو تخرج دفعة واحدة في ظروف معينة عند وقوع انفجار نووي. ومع هذا ما زال دماغنا يدرك البيئة المادية على أنها مكونة من مواد كالكأس أو الطاولة أو الحائط. ومنذ صغرنا نتعلم أيضا أن نميز بين المواد المختلفة كالمعادن والخشب والحجارة بواسطة صفاتها الفيزيائية كلونها ووزنها وحجمها معتقدين خطأ بأن هذه الصفات موجودة هناك في تلك المادة. الفيزياء وعلم الأحياء يبينون بأن اللون الأخضر المنسوب للخيار مثلا هو مجرد مبنى ذهني لانعكاس موجات ضوء معينة تصل إلى شبكية عيوننا وإلى أدمغتنا، قيل لنا منذ صغرنا بأن ما ندركه في تلك اللحظة يسمى اللون الأخضر الذي هو لون الخيار وهكذا اعتقدنا أن اللون الأخضر هو في الخيار بينما هو في أدمختنا. كل مفاهيم المادة والزمان والمكان التي تعلمناها وندير حياتنا وفقها تنقلب وفق النظرية النسبية التي أتى بها ألبرت أينشتاين، وتبين التشويه الذي تحدثه حواسنا وأدمغتنا في ما نسميه واقع مادي.
إذن، ما ندركه عن الواقع ليس بالضرورة مطابقا للواقع بل هو تجربة حسية ودماغية أطلقنا عليها أسماء ومصطلحات اعتقدنا خطأ أنها تصوير دقيق للواقع. إدراكنا هو عملية ذاتية هامة لا تصور الواقع بموضوعية بل هي صياغة ذهنية هدفها خدمة بقائنا وتساعدنا على إدارة شؤوننا الحياتية. لو أننا أدركنا حقيقة أن الحائط مثلا ليس مادة بل طاقة لربما قمنا بالاصطدام بالحيطان والصخور والمواد الصلبة وما كنا حافظنا على بقائنا. ولو أننا لم ندرك الصفات الخاصة للمواد لما استطعنا التمييز بين مواد صالحة وغير صالحة للأكل مثلا. لذلك فإدراكنا لصفات الواقع يخدم بقاءنا وليس وسيلة موضوعية لفهم الواقع.
الكثيرون يعتبرون وجود إجماع بين الناس، على إدراك شيء ما، دليلا على موضعية الإدراك. فإذا أدرك الناس جميعا أن ما يرونه أمامهم هو كرة حمراء فإذن هي حتما كرة حمراء. هنا يجب أن نتذكر أن جميع الناس يتمتعون بحواس وأدمغة متشابهة وعليه فهم يحللون تجاربهم الحسية بنفس الأدوات وبنفس الطريقة لذلك يتوصلون إلى نفس النتيجة التي هي مختلفة عما يدركه وطواط أو ثور أو حوت حين يصادف كرة حمراء. الأمر يشبه مجموعة من الناس وضعت على عيونها نظارات حمراء وترى خطأ أن حيطان الغرفة هي حمراء.
يخطئ من يحاول فهم التجربة الإنسانية على أسس موضوعية ومادية فحسب. لقد كان للخيال والرؤى دور كبير في تاريخ البشرية. جان دارك مثلا البطلة الفرنسية التي أحرقت لأجل بلادها كانت ابنة عائلة فلاحين بسيطة حين حلمت بأن الله يدعوها لتحرير فرنسا. بعدها ذهبت إلى الملك وطلبت منه تولي هذه المهمة. فقط بعد سماع الملك لهذه الرؤيا اعتبر طلبها أمر إلهي فسمح لها بأن تخوض معركة التحرير. شعوب العالم تطورت وتحالفت وتصارعت بناء على ما اصطلح عليه "الواقع المتخيل" الذي بنته ثقافات وأديان مختلفة استخدمت فيه معطيات مادية لبناء هذا الواقع المتخيل ولتبرير صحته. جميع الأديان تأسست بناء على رؤى آمنت مجموعات من الناس أنها واقعية فتبعنها وحاربت لأجلها وراح ضحية هذه الصراعات عبر العصور ملايين البشر. هذا الواقع المتخيل، أي مجمل القناعات والمعتقدات والأيديولوجيات، يفسر التجربة البشرية بشكل لا يقل عن الواقع المادي بل كلاهما يكملان أحدهما الآخر. 
الواقع والخيال وجهان لنفس التجربة البشرية
لقد عُرف عن عالم الفيزياء ألبرت إينشتاين أنه كان يفكر بخياله خارج قوالب المنطق التي يفكر فيها الناس. لقد كان يتخيل مثلا كيف يمكن لحجر يسقط من يد راكب في قطار أن يدرك من قبل من هو في القطار بشكل مختلف عما يدركه شخص يقف خارج القطار، وكان يتخيل كيف سيدرك الواقع لو أنه ركب موجة ضوء مثلا. بناء على هذه الرحلات الخيالية استطاع وضع منطق جديد في النظرية النسبية لم يكن ليتوصل إليها لو أنه لم يستعمل خياله وبقي في إطار قوالب المنطق السائدة. في هذه الحالة كان خياله، وليس حواسه أو المنطق السائد، هو الطريق الذي أوصله إلى فهم الواقع بل ووضع أسس جديدة للمنطق. من هنا نستطيع فهم قوله الشهير: "الخيال أهم من المعرفة".
أورد هذه القضايا لأدعي أن الخيال هو ليس نقيضا للواقع بل هو أداة، مثلها مثل الإدراك والتفكير، تجعلنا نخترق القوالب الذهنية ونصل إلى حقائق عميقة أو بعيدة في هذا الواقع. المعرفة التي يأتي بها الخيال تشبه المعرفة التي نحصل عليها حين نطل من النافذة إلى ما هو خارج الغرفة أو المركبة، أو يشبه المرآة التي تجعلنا ندرك جوانب أخرى من الواقع لم نرها من موقعنا.
إذا كان للخيال هذه الأهمية لفهم الواقع المادي فأهميته لفهم الواقع النفسي لصاحبه هي أكبر بكثير. خيال المرء هو نوافذ نطل من خلالها على أعماق نفسيته، أو مرآة تعكس الحقيقة النفسية لصاحبها. لقد عالج أينشتاين الصور التي وصل إليها حين تخيل نفسه يركب موجة ضوء بطريقة ذهنية أوصلته إلى وضع أسس لمنطق جديد في نظريته النسبية. هكذا هي أيضا العلاقة، التي اكتشفها عالم النفس سيجموند فرويد، بين خيال الإنسان الذي يظهر في الأعمال الإبداعية أو في الأحلام وبين حقيقته النفسية. هذا الخيال يتطلب معالجة وتحليلا لفهم نفسية صاحبها.
لا يمكن للتجربة الإنسانية أن تكتمل إذا اقتصرت على المعالجة المنطقية والموضوعية. نحن بحاجة لمعالجة تجربة الحب مثلا بالعقل والمنطق وأيضا بالخيال والإبداع الشعري أو الفني. هكذا أيضا مع تجارب الفقدان والفشل والضعف كلها يجب أن تعالج بموازاة بعقولنا المنطقية وأيضا بخيالنا وأحلامنا، فقط عندها نعيش تجربتنا الإنسانية بشكل كامل.
هذه العلاقة بين الخيال وبين التفكير الموضوعي والمنطقي موازية للعلاقة بين نصفي الدماغ البشري حيث أن كل نصف يعالج الواقع بطريقة مختلفة: النصف الأيسر يعالج المعطيات بشكل موضوعي ومنطقي وعيني والنصف الأيمن يعالجها بشكل خيالي وإبداعي وشمولي. وكلاهما يتعاونان لإسعافنا في التعامل مع الواقع وفي إدارة شؤوننا. إنهما وجهان لنفس العملة نحتاجهما معا لنحسن فهم الواقع.   
إذن فدماغنا قادر على معالجة كل تجربة بطريقتين: موضوعية وخيالية، ويبدو أن لهاتين الطريقتين معا دور تكاملي هام في معالجتنا لتجاربنا الحياتية وفي بقائنا. السؤال هو كيف نستفيد من هاتين العمليتين؟ وهنا طبعا وكما يحصل في استعمال أي أداة يمكن لنا أن نستعملها لأغراض جيدة أو سيئة بحسب المرجعية الأخلاقية التي نعتمدها. هكذا هو الأمر بالنسبة لاستعمالنا للتفكير المنطقي والموضوعي وأيضا بالنسبة للتفكير الخيالي والمَجازي.
بناء على هذا الطرح للخيال والواقع يبدو أنه من المهم خلق توازن بين هاتين العمليتين بحيث تغني وتكمل كل منهما الأخرى بالضبط كما فعل أينشتاين حين أوصله خياله إلى اختراق علمي كبير قلب من خلاله فهم الواقع المادي رأسا على عقب، وكما فعل فرويد حين بين كيف يمكن للأحلام أن توصلنا إلى فهم أعماق النفس اللاواعية.

 

انتهى

قد يهمّكم أيضا..
featured

بقاء العرب اليوم، صراع وجودي؟

featured

المياه... نكبة استهلاكيّة!

featured

خطوات صينية بشأن سوريا

featured

القبض على زمام المبادرة

featured

بن لادن يسير على قدميه.. في الشام والعراق

featured

وعد الحر دين!!!

featured

من فمك أدينك!

featured

نحن حزب ثوري ولسنا جمعية خيرية