لا أكتب هنا عن التعقيم الصحي، إنما عن التعقيم التاريخي لأنَّ ما وصلَنا عادة من التاريخ كان معقّمًا، وخاصة التاريخ الإسلامي كأي تاريخ آخر، فالذي يكتبه هو المنتصر، وقلّما يكتب المهزوم تاريخه ! خذ مثلًا تاريخ الخلفاء الراشدين ومجتمع الصحابة، فتاريخنا يُصوّره لنا وكأنه مجتمع ملائكة ! بيد أنَّ بداية الإسلام السياسي كانت من هناك، حين دخلت جرثومة السياسة إلى هذا الدين الحنيف والثوري وحيث تمَّ تصفية ثلاثة من أربعة الخلفاء الراشدين، ولم يكن الخلاف دينيًا، فالدعوة المحمَّديّة كانت في بداياتها ولم يك بعد لا مذاهب ولا خلافات فقهية، وإنما كان الخلاف على طريقة الحكم وسياسة الناس، لأنَّ النبي العربي الكريم لم يتبع سياسة واضحة محددة للناس في السياسة، لا هو ولا خلفاؤه الأربعة من بعده.
حين سئل النبي العبقري عن مسألة تأبير النخيل قال : أنتم أعلم بشؤون دنياكم... فكل خليفة حكم على طريقته الخاصة. ومن هنا (من القتل والاغتيال) بدأ الإسلام السياسي كما أدّعي. أمّا مجتمع الصحابة فكان فيه الفقير والغني، والانتهازي المنافق والمستقيم المبدئي، والعالم بشؤون الدنيا الورع (على قدر مفهوميات وورع وحنيفيَّة ناس ذلك العصر البدوي الصحراوي) والجاهل المؤمن بالفطرة والذي ينبهر بكلِّ جديد ! والذي يشدّ إلى الأمام والذي يشدُّ إلى الوراء والعودة إلى الوراء. فكان ذلك العصر ومجتمعه عصرًا طبيعيًا واجتماعًا بشريًا فيه من الحامض للحلو ! قلّما صوّرته كتب التاريخ كما هو، إنّما تم تصويره مجتمعًا ورديًا مثاليًا سليمًا معافًى يطيب العيش فيه مجددًا في كل آنٍ وأوان.
لا أذكر من قال أنَّ الكاتب لا يمكنه أن يجلس على كرسيٍ معقَّمٍ وطاولةٍ معقّمَةٍ في غرفةٍ معقَّمةٍ ويكتب بحبرٍ معقَّمٍ على ورقٍ معقّم، كذلك الباحث النقدي والمتديّن المستنير عليه أن يؤرّخ ويرى مثالب التاريخ الإسلامي ودمويّته منذ البدايات حتى يومنا هذا، وأن يرى الحاكم المستبد في بعض الخلفاء ويرى السماحة والحِلم عند البعض الآخر. ويرى الرجعي في البعض والتقدّمي في البعض الآخر. خصوصًا بعد أن أصبحت الخلافة ملكًا عضوضًا.. لذلك علينا كتابة تاريخنا هذا من جديد، علينا تهوية هذا التاريخ وجعله يتنفّس تنفُّسًا طبيعيًا حتى يخرج منه الهواء الفاسد الذي يفسد البعض حتى أيامنا هذه. أتحدّث هنا عن التاريخ الديني وليس عن الدين نفسه ! أتحدّث عن المُعطى البشري وليس عن المعطى الإلهي. التاريخ ليس شيئًا مقدّسًا، إنما هو من صنع الإنسان، يكتبه البشر ! لا تتدخّل فيه العناية الإلهية، هذه العناية تتدخّل في الكليّات لا في الجزئيات كما يقول بعض الفلاسفة والفقهاء. علينا دراسة التاريخ كما هو بموضوعية، بسلبياته وبإيجابياته وبلا تعقيم، لكي نأخذ العبرة ولنتّعظ ولنلحق بالركب الحضاري ولنتخلّص من عبادة الفرد وتغييب الجماهير.