عذرا أبا الأمين, أخي وصديقي ورفيقي توفيق زيّاد, لأنني لم أشارك أمس السبت الرابع من تموز الجاري في الاحتفال التأبينيّ الذي أقامته "مؤسسة توفيق زياد" في بيت الصداقة في مدينة الناصرة في الذكرى الخامسة عشرة لرحيلك من هذه الدنيا- التي لن أصفها ولن انعتها إجلالا لهذا المقام- وانغراسك في تراب الوطن الغالي, تراب الناصرة, تراب الجليل. واعتقد بل اجزم بانك تقبل اعتذاري لان العذر عندك كرام الناس مقبول, وأنت في طليعة هؤلاء, أيها الطليعيّ حياةً وشعرا ونضالا ورئاسةً ووطنيةً وشيوعيةً.
تذكر أو لا تذكر ومن أين لي أن اعرف وأنت في دار وأنا في دار, والمسافة بين الدارين بعيدة جدا مثل بعد الصدق عن كلام المدعو بنيامين نتنياهو, وقريبة جدا مثل قرب الحرية من شعبنا, انك زرت بيتنا ترافقك زوجك قبل أيام من رحيلك المفاجئ مثل الزلزلة فوجدتني وزوجي وحفيدي محمد بن علي, الطفل ابن الثالثة, فنسيتنا وانشغلت بمداعبة الطفل وملاعبته.
وكان قد شاهد في ظهيرة ذلك النهار جوادا أصيلا جميلا يصهل ثم يعدو عل سفح هضبة من هضاب هذا الوطن الذي رسّخت قولك فيه بان "لا وطن لنا سواه" والحّ عليّ أن ابتاعه له, والعين بصيرة واليد قصيرة, اولا, والطالب غالٍ, فما اغلى من الولد الا ولد الولد, والمطلوب يسابق الريح, وتحقيق الامنيّة ابعد من الغول والعنقاء, ثانيا. وما ان علمت منه بانه يحب الخيول حتى رحت تحدّثه بشوقٍ ومتعةٍ عن الجواد الاصيل الجميل الذي في بيتك والذي تمتطيه وتطير مع العصافير وتسقيه ماء الورد وتطعمه اللوز والجوز والشوكولاطة, وتعده بان تصحبه الى الناصرة ليراه ويلاعبه ويمتطيه. والحفيد يتعلق بك وأم الامين ترجوك ان تخفف من وصفك للجواد رحمة بالطفل.
هذا الطفل صار شابا, اسم الله ما شاء الله, وامس السبت مساءً كنّا العائلة الصغيرة في قصر المؤتمرات في حيفا نحتفل بتخرّجه من الكلية الأرثوذكسية العربية. هذا الحفيد الذي شاء والده ان يحمل اسمي لم يحصل في طفولته على جواد أصيل يصهل ويعدو ويطير وأمّا اليوم فيحصل على شهادة تؤهله امتطاء جواد العلم وجواد الحياة.
هي دعوة أرغب بها ولا أستطيع أن أتجاهلها بل قل هي لحظة فرح لم أستطع أن أتنازل عنها والفرح في حياتنا قليل, ولعنة الله على أولاد الحرام الذين يسرقون الفرح من قلوب ووجوه أطفال شعبنا ويسلبونه من عيون أمهاتهم.
وأنا واثق بأنك تعذرني ولا أدري اذا كان هذا العذر يرضى أو يقنع أصدقاءنا ربحي عوّاد وسمير مجلّي وأديب أبو رحمون ورامز جرايسي الذين أحبّوك ورافقوك في حياتك وفي زياراتك الخاصة لي او في زيارات" مَيِّلك ميّولَة"!!
ومثلما يقول صديقنا الوفيّ الجميل سميح بن محمد بن القاسم: نقطة.سطرٌ جديد. واعرف اني خسرت الاستماع الى كلمات الأصدقاء والتمتع بها خاصة بأنها كلمات صادقة ولا يقال في حضرتك الا الصدق, ولا بدّ انهم تحدثوا عن توفيق الشاعر الكبير والمناضل العنيد والقائد المحبوب والرئيس الوطني والشيوعي الأشدّ احمرارا من الورد الجوري والإنسان الإنسان وربّ الأسرة الحنون وصديق الأطفال ولكنك يا أخي وصديقي ورفيقي شيءٌ آخر, عزيز جدا, نادر جدا, لا يعرفه إلا الصديق الأخ الوفيّ والرفيق الصلب القويّ وهذا شيء نادر مثل الكبريت الأحمر كما قال ابن المقفع.
وتذكر, طبعا تذكر, وكيف لا تذكر, عندما كنت ترقص في عرس ابننا وتجمع المناديل الفلسطينية المطرّزة من على رؤوس النساء الفلاحات وهن يرقصن والضحكات تعلو. ما زالت نائلة تحتفظ بالمناديل وما زالت إحدى قريباتي تقول لي: كلما ذكرناك " صاحبك الله يرحمه تجرّأ وفرّعني أمام الناس. الله يسامحه!!"
وفرع المرأة شعرها وفرّعها كشف عن شعرها.
سامحك الله وسامحنا جميعا.
وصباح الخير لأصدقائك ورفاقك ومحبيك.
