ولد بهجت ابو غربية في بلدة خان يونس عام 1916 وامضى معظم حياته في القدس، اشترك في جميع مراحل النضال الفلسطيني المسلح، خصوصاً ثورة (1936 - 1939) وحرب1947 حيث كان احد قادة "جيش الانقاذ المقدس" وخاض معارك كثيرة منها معركة القسطل التي استشهد فيها القائد عبد القادر الحسيني، كما جرح عدة مرات، ودخل السجون والمعتقلات.
عام 1949 انضم الى حزب البعث العربي الاشتراكي في الاردن، وانتخب عضواً في القيادة القطرية (1951- 1959) وقاد النضال السري للحزب (1955- 1960).
شارك في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني، وقوات التحرير الشعبية، وانتخب عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني، والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها عام 1964 حيث استقال احتجاجاً على قبول المنظمة لقرار مجلس الامن رقم 242.
- تدوين المذكرات
بدأ ابو غربية بتدوين مذكراته يوم الاربعاء 16/حزيران/1976 في معتقل الجفر، وهي ليست المرة الاولى التي يكتب فيها مذكراته حيث يقول "لا بد ان اشير ان هذه ليست المرة الاولى التي اقوم فيها بمحاولة لتدوين مذكراتي، فقد دونت في ربيع سنة 1949 مذكرات موسعة عن الحرب الفلسطينية والنضال الفلسطيني في السنوات 1947 - 1949 وعن دوري فيه وسميت تلك المخطوطة "نضال شعب فلسطين" وكانت تقع في نحو 120 صفحة من القطع الكبير، طبعتها على الآلة الكاتبة في اربع نسخ او خمس تفرقت هنا وهنالك، ولم يبق عندي سوى واحدة ضاعت هي الاخرى في حرب حزيران/1967 حينما احتل الجيش الصهيوني بيتي في القدس ونهب واتلف معظم موجوداته، وفي هذه الحرب ايضاً ضاعت من بيتي نسخة مخطوطة وحيدة كانت تتضمن تاريخ حياتي ومذكراتي منذ ولدت حتى سنة1947 وهي تكون مع المخطوطة الاولى جانباً كبيراً واساسياً في تاريخ حياتي. ولقد دونت تلك المخطوطة سنة 1957 عندما كنت مطارداً ومختفياً في القدس وفي غيرها من المدن والقرى، ذلك الاختفاء الذي استمر نحو سنتين ونصف السنة.
يقول ابو غربية في مقدمة الجزء الاول من مذكراته "قديماً قيل ان خير ما يكتبه الانسان ترجمة حياته، ذلك لان في حياة كل شخص تجربة انسانية فريدة، ليس لها مثيل مطابق، ولان ما يكتبه عن حياته لا بد ان يرافقه تصوير للمرحلة التي عاش فيها.
واذا كانت الفترة الزمنية مرافقة لقضية تاريخية هامة كالقضية الفلسطينية زاد ذلك في اهمية ما يكتب.
سأقدم في الفصول المقبلة ترجمة لحياتي وليس تأريخاً للقضية الفلسطينية ولكنني مضطر الى التعرض للقضية الفلسطنية بل الى جوانب من القضية القومية في سياق الحديث عن تاريخ حياتي، لان حياتي الشخصية ارتبطت بالقضية الفلسطينية والنضال العربي من ناحيتين:
الاولى: هي الفترة التاريخية، فقد ولدت مع ولادة قضية فلسطين وعشت شبابي بل معظم حياتي في اخطر مراحل هذه القضية.
الثانية: انني لم اعش على هامش هذه القضية واحداثها، بل شاركت في نضال شعبنا ضد الهجمة الاستعمارية الصهيونية على الامة العربية في القرن العشرين، تلك الهجمة التي كانت اقامة دولة صهيونية على ارض فلسطين غايتها الرئيسية.
وسيرى القارئ انه لم تكن لي حياة تاريخية خارج اطار القضية الفلسطينية والقضية العربية بعامة".
- في خضم النضال العربي الفلسطيني
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية صدر في العام 1993 الجزء الاول من مذكرات المناضل بهجت ابو غربية والذي حمل عنوان "في خضم النضال العربي الفلسطيني" حيث غطى هذا الجزء حياة المناضل ابو غربية من 1916 -1949
اي من ولادته الى نكبة فلسطين في ايار1949، وقد ارخت هذه المذكرات لحقبة تاريخية مهمة في نضال الشعب العربي الفلسطيني ضد الاستعمار البريطاني والهجمة الصهيونية، وقد تحدث بهذا الجزء عن حركة الشهيد عز الدين القسام وثورة فلسطين الكبرى منذ عام 1936-1939 وانعكاس الحرب العالمية الثانية على هذه الثورة وعلى القضية الفلسطينية.
التنظيم
بدأ شيخنا مع عدد من رفاقه حياته النضالية المسلحة، بتشكيل مجموعة ثورية مسلحة في القدس عام1934 وجاء استشهاد عز الدين القسام ليحفزهم على الاقدام والتحرك واتخاذه قدوة لهم.
وفي نفس الفترة الزمنية كان القائد الشهيد عبد القادر الحسيني يعمل على تأليف تنظيم ثوري مسلح، "ولم ينكشفوا على بعض الا بعد قيام الثورة" حيث جرى الاتصال والتعاون خصوصاً عند استئناف الثورة سنة 1937 واستمر التعاون حتى استشهاد القائد عبد القادر الحسيني رحمه الله سنة1948
ويشير المناضل ابو غربية الى انه لم يكن هناك اسم لتنظيمه في البداية ولكن بعد ذلك اطلق عليه اسم "الحرية" حيث برز الاسم للعلن سنتي 1946 و1947 حيث اندمجوا في جيش الجهاد سنة 1947 بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني.
ويستعرض ابو غربية انفجار ثورة فلسطين الكبرى 1936- 1939 بكافة مراحلها، اضافة الى تحدثه عن المؤامرة البريطانية الصهيونية على فلسطين والمعارك التي خاضها شعبنا البطل لمواجهة هذه المؤامرة وصولاً الى معركة القسطل ومعركة القطمون الى دخول الجيوش العربية الى فلسطين واحتلال الصهاينة القسم الاكبر من فلسطين لينهي مذكراته في الجزء الاول بعنوان قاس ومؤلم وهو »وداعاً للسلاح«.
- من النكبة إلى الانتفاضة
عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت صدر الجزء الثاني من مذكرات * ابو غربية وحملت عنوان "من النكبة إلى الانتفاضة" (1949-2000) أي من مرحلة احتلال فلسطين، إلى انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية المباركة (الثانية)، في 28/9/2000 اثر زيارة اريئيل شارون إلى ساحة المسجد الاقصى المبارك لتشتعل الانتفاضة المباركة إلى يومنا هذا.
ويشير ابو غربية إلى نضال شعبنا العربي منذ مطلع القرن العشرين - نضالاً شعبياً بطولياً متواصلاً ضد الغزو الامبريالي الصهيوني وضد خططه ومشاريعه التي استهدفت تجزئة الوطن العربي »والسيطرة على مقدراته، وانشاء الوطن القومي لليهود«.
ويشير إلى »مدرستين« واجهتها هذه الهجمة الاستعمارية الصهيونية الشرسة على أمتنا العربية - طوال القرن العشرين المدرسة الأولى اسماها (مدرسة نوري السعيد) والمدرسة الثانية اسماها»مدرسة الشعوب«).
حيث كانت مدرسة نوري السعيد تتحدث »على أننا شعب متخلف وان الامبريالية والصهيونية قوى جبارة ولا نستطيع مقاومتها ولهذه القوى مصالح في بلادنا لا يمكن ان نمنعها عنها، وانه علينا ان نتعاون مع هذه القوى الاجنبية من أجل مصالحها ومصالحنا«.
اما مدرسة الشعوب، فقد استندت في رؤاها على »الثقة بالشعب والاعتماد عليه، وان جماهير الشعب قوة جباره تستطيع مجابهة اعتى قوى الظلم والاستغلال والاضطهاد...
ولقد اثبتت حركات التحرر الوطني صحة هذه العقيدة، حيث انتصرت شعوب لا تملك من السلاح إلا القليل على هذه القوى الغاشمة.
يشير ابو غربية إلى حضور عدد من قادة حزب البعث العربي الاشتراكي وفي المقدمة منهم قائد الحزب ميشيل عفلق إلى فلسطين في عام 1948 ولقد التقى بهم دون ان يكون قد سمع بحزب البعث وقيادته. وفي أيار 1949 أي بعد نكبة فلسطين حصل أول اتصال ما بين ابو غربية وحزب البعث من خلال الصيدلاني راضي الشخشير وبعض البعثيين الاخرين، الذين جرى بينه وبينهم حوارات واحاديث عن نكبة فلسطين واسبابها، اضافة إلى تزويده ب »دستور البعث« وبعض المطبوعات البعثية الاخرى، حيث دعوه للانضمام إلى البعث، حيث عكف على دراسة دستور الحزب واحاديث البعث للاستاذ ميشيل عفلق ونتيجة لذلك يقول ابو غربية »شعرت بأنني عثرت على ضالتي والجواب على تساؤلاتي التي كانت تحت عنوان انا تائه.. ويشير المناضل ابو غربية إلى ان أبرز ما شده في مبادئ البعث.
يتحدث ابو غربية عن فقد نضاله في صفوف البعث منذ تموز 1949 ولغاية 1963 عندما ترك البعث على أثر الانفصال في عام 1961 ولقد تحدث عن حضوره برفقة المرحوم امين شقير مؤتمراً للبعث عقد في اللاذقية عام 1951 اضافة إلى حديثه عن المؤتمر القطري لحزب البعث في الاردن عام 1951 حيث انتخب عضواً في القيادة القطرية التي اختير عبد الله الريماوي امين سرها، وحيث ضمت في عضويتها اضافة الى ابو غربية كلاً من عبد الله نعواس وأمين شقير وعبد الرحمن شقير وحسني الخنش.
ويؤرخ ابو غربية لنضالات حزب البعث في الاردن ودوره في النضال السياسي والنيابي وصولاً إلى ترخيص البعث في الاردن اثر صدور قرار محكمة العدل العليا بذلك في 28/8/1955
ويسرد ابو غربية ما تعرض له من ملاحقة ومطاردة وسجن ونفي بسبب نضاله في البعث، ومشيراً إلى دور البعث وبرنامجه الوطني والقومي، ونشاطه الجماهيري، ودور البعث في الحركة الوطنية الاردنية وحركة الضباط الاحرار، وانجازهم بتحرير الجيش العربي وطرد كلوب اضافة إلى المشاركة في الانتخابات النيابية والمشاركة في حكومة سليمان النابلسي وصولاً إلى اسقاط حلف بغداد.
- الحركة الوطنية الاردنية
يستعرض ابو غربية دور الحركة الوطنية الاردنية واحزابها وخاصة الاحزاب التي كان لها دور ونشاط في مرحلة الخمسينيات اضافة إلى دور حركة الضباط الاردنيين الاحرار والتي كان لها انجازات كبيرة منها:
- اسقاط حلف بغداد.
- تحرير الجيش العربي وطرد كلوب وسائر الضباط البريطانيين.
كما يستعرض ابو غربية الانتخابات النيابية وصولاً إلى الحكومة الوطنية في وزارة سليمان النابلسي 29/10/1956 - 11/4/1957 وصولاً إلى اقالة حكومة النابلسي واعتقال قادة الجيش من الضباط الوطنيين الاحرار واعلان الاحكام العرفية لتدخل الحركة الوطنية الاردنية وحزب البعث إلى مرحلة جديدة من النضال السري. والتي ادت إلى اعتقال لعدد كبير من قادة البعث والحركة الوطنية الاردنية وفي مقدمتهم ابو غربية نفسه الذي بقي معتقلاً إلى شباط عام 1962 اثر العفو العام عن السجناء والمعتقلين.
- عمر جديد ومنظمة التحرير الفلسطينية
بعد خروجه من السجن اخذ يبحث ابو غربية عن شريكة عمره حيث تزوج في تموز1962 وكانت تلك المرحلة تحمل في طياتها ارهاصات انطلاق المقاومة الفلسطينية »العمل الفدائي« وتأسيس منظمة التحرير الفلسطيني حيث يستعرض ابو غربية نشوء المنظمة والمهمة التي كانت ملقاة على عاتق الشقيري بذلك، ومشاركة ابو غربية في المجلس الوطني الفلسطيني الأول واختياره عضواً في أول لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وانتشار جيش التحرير الفلسطيني والمؤسسات الفلسطينية الاخرى.
وجاءت حرب حزيران1967 والتي ادت إلى احتلال باقي فلسطين، وما تعرضت له منظمة التحرير الفلسطينية في هذه المرحلة، مما أدى إلى ازمة المنظمة واستقالة الشقيري، وصولاً إلى مرحلة العمل الفدائي والكفاح المسلح على الساحة الاردنية، وصولاً إلى معركة الكرامة البطولية التي تآخى فيها الجيش العربي الاردني مع الفدائيين ليلحق هزيمة نكراء بالعدو الصهيوني. ويستمر ابو غربية باستعراض حال منظمة التحرير الفلسطينية والثورة الفلسطينية وما تعرضت لها من احداث ومعارك ادت إلى خروج العمل الفدائي وانتهائه في الاردن.
كما استعرض ابو غربية مشاركته في العمل الوطني الفلسطيني ومشاركته في دورات المجلس الوطني الفلسطيني وملاحظاته على القرارات السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية وصولاً إلى الدورة »19«. للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في الجزائر1988 والتي تم فيها إعلان قيام الدولة الفلسطينية، والتي اعترض عليها ابو غربية وصولاً إلى استقالته من منظمة التحرير الفلسطينية في1991
ان مذكرات المناضل بهجت ابو غربية بجزئيها مذكرات غنية بمعلوماتها وآرائه ومواقفه، وهي تغطي ما يقارب مائة عام، مما جعل مهمتي صعبة بان اقدم عرضاً وقراءة لهذه المذكرات والتي قارب عدد صفحاتها من 1000 صفحة وكانت تزيد عن »95« عنواناً، مما جعلني احاول جاهداً ان اتحدث عن عناوين قليلة فقط من هذه المذكرات، وهذه المذكرات تؤرخ وتوثق على مدار 100 عام لاهم احداث الامة وقضاياها، وتؤرخ للنضال الوطني الفلسطيني، اضافة إلى تغطيتها لتاريخ الاردن في هذه الحقبة التاريخية، مما يجعل هذه المذكرات مرجعاً مهماً للعاملين في الحقل السياسي والاكاديمي والإعلامي لما تحتويه من النكبة الى الانتفاضة، فشكراً لشيخ المجاهدين على مذكراته النضالية.
