25/3/1989- 30/1/2009
لقاء الصدفة جمع بيني وبينك للمرة الأخيرة، فكان آخر عهد لي بك. في صبيحة ذلك اليوم المشئوم، وبينما كنت أغذ السفر في طريقي إلى عملي في مدينة حيفا، إذ ذاك تصادف مروري لألتقي بك، ولم أكن أعلم أن ذلك اللقاء سوف يكون الأخير بيننا قبل رحيلك وفراقك!! كأننا كنا على موعد، لا لشيء إلا لكي ألقاك وتلقاني وأراك وتراني، لمرة واحدة فقط، للمرة الأخيرة وإلى الأبد، فيا لها من مصادفة، وأية مصادفة!!
في الصباح التقيتك وفي المساء افتقدتك ((نلهو وللموت ممسانا ومصبحنا من لم يصبّحه وجه الموت مسّاه))!! ولم أكن أدري، ومن أين، وكيف لي أن أدري؟! بأن الموت كان بانتظارك على قارعة الطريق، هناك في المكان والزمان!!
تُرى، كيف ولماذا تمتد يد المنون، في مثل سرعة البرق الخاطف، وتنشب أظفارها في زهرة تفتحت وما أينعت بعد؟! لماذا لم تمهلها ولو قليلاً؟! بل تعمدت قطفها وخطفها، بهذه السرعة، دون سابق إنذار، وعلى حين غرة!! دون أن تتاح لنا فرصة، ولو قصيرة، لتوديعك كما يليق أو كما يجب، ما أسرع الموت وما أقربه، ما أقساه وما أوحشه!!
عنان يا ابن أخي، يا فلذة الكبد ومهجة القلب، ما أزال أتذكرك، إلى اليوم، وأنت سائر في طريقك حين التقيتك!! ما أزال، إلى الآن، أتأملك ماثلاً أمامي، وبشاشتك المحببة إلى قلبي تتراقص على محياك الجميل، ابتسامتك التي انطبعت في ذاكرتنا، وتأبى أن تغادرنا إلى الآن وفي كل آن، تلك الابتسامة المعهودة فيك، والتي ما كانت لتفارق محياك أبداً. إنها براءة الطفولة، وطفولة البراءة، التي فيك، وإن بلغتَ من العمر عشرين ربيعاً، عهد الصبا وشرخ الشباب!! كنتَ هادئاً لطيفاً، خفيف الظل صامتاً، في حياتك ومماتك، محبوباً من الصغير والكبير، القريب والبعيد!!
منذ بضعة أيام فقط، رحلت عنا، أيام معدودة، على قربها، ما أبعدها!! مذ ذاك انقلبت حياتنا رأساً على عقب، وغادرنا الفرح والسرور، وباتت الأحزان والأتراح مقيمة عندنا ومن حولنا، كيفما جلسنا أو تحركنا، حتى نهارنا انقلب إلى ليل دامس!! وحين ننظر إلى أخوتك ولا نجدك معهم ولا نراك بينهم، فلا نصدق أنفسنا، بل لا نصدق أعيننا في ما ترى!! وكيف نصدّق ونحن نرى أثراً لك في كل ركن من أركان الدار؟! وأمالك الجميلة، وأحلامك السعيدة!! فهذه ملابسك الجديدة التي اشتريتها منذ يوم فقط، وتلك أوراق التسجيل من كلية رمات غان على طاولتك، بقيت على حالها كما هي، كما تركتها، ما تزال تنتظرك وتنتظر عودتك، فهي حزينة لفراقك!!
وعند وصول زملائك في الدراسة، من القرية وخارجها، للمشاركة في وداعك الأخير، حاولت جاهداً، مرة بعد أخرى، لعلّي أعثر عليك بينهم، فتشت، وسألت: أين عنان، لماذا تأخر ولم يصل معكم؟؟ فخلت في نفسي أنني ألمحك قادماً من بعيد، تطل علينا فأراك عياناً لا تخيّلاً!! كيف أصدّق فقدك ورحيلك، واللسان ما انفك يلهج باسمك، كلما ناديت أو ذكرت أحد إخوتك؟! تُرى هل نحن في حلم؟!
بضع سويعات فقط مرت على رحيلك، وقبل أن تجف دموعنا في مآقينا، كانت الطبيعة من حولنا، تحزن لفراقك، وتبكي لرحيلك!! إذ سرعان ما عبست وقطبت، ثم تلبدت السماء بالغيوم، وانهمرت دموع الرحمة مدرارا بعد انحباس طال أمده، بكاءً وحزناً واكتئاباً لمصابنا الجلل!! وجادت بماء طهور روّى تربتك!!
لا يسعنا في هذا المصاب، إذ لا حيلة لنا، إلا أن نستذكر مواعظ وأقوالاً مأثورة، نشد بها أزر بعضنا بعضا:
من خُلق مات، وكل حي يموت!!
وأن الكأس التي سقتك سوف تسقينا!!
وأن الأموات فقط لا يموتون!!
وأن أحدهم لما رزق بمولود جديد، فرح الناس له، أما هو فأجهش باكياً منتحباً بدل أن يفرح ويسعد، فاستغرب الناس الأمر وسألوه: ما الذي يبكيك؟؟ فأجاب: الآن مات الآن مات!!
عزاؤنا، يا عنان، الصبر والسلوان، ولا شيء سوى الصبر والسلوان، فلا مهرب ولا مناص من تقبّل مشيئة الأقدار مهما كانت قاسية!! وفي حضورك بيننا، وإن غبت عنا، في ذكراك العطرة، ذكرى روحك الطاهرة، التي سوف تظل ترفرف من حولنا، بيننا ومعنا وفي قلوبنا، خالدة دائماً وأبداً!!
إلى الآن، لم يستوعب أحد منا هول الصدمة التي أصابتنا، فالمصاب جلل، والخطب فادح، والخسارة لا تكاد تحتمل، ولكن الحقيقة الصارخة تفرض نفسها على أرض الواقع رغماً عنا!! وأما الحياة فلا تصفو لإنسان على وجه البسيطة، إلا في ما ندر!! فلا فرح دائم ولا ترح دائم، ولا كدر دائم ولا صفاء دائم!! فالحياة لا تعرف التوقف، أبداً، عند محطة مهما كانت، لأنها أقوى من كل البشر، وهي، إلى ذلك، تقودنا مرغمين لا طائعين إليها، والعاقل من لا يتخلف عنها!! واليوم، وإن كنا ننظر إلى الوراء بحزن وحسرة وألم، فإننا نتطلع إلى الأمام بإرادة وأمل!!
سوف نظل نذكرك ونتذكرك، ما ناح الحمام وغرّد الطير!!
تسقيك روايا المزن، وكل غمام صيّب، وقطرات الندى!!
إلى جنات الخلد، يا عنان!!
إلى مستقر الرحمة!!
تحرسك الملائكة!!
وعاطفة الأبوة!!
والأمومة الثاكلة!!
لن ننساك يا عنان ما حيينا!!
عنان... عنان... الوداع... الوداع...!!
* * * *
وإنها لفرصة مواتية، وإن كانت مؤلمة، لكي أتوجه من خلال هذه العجالة بالذات إلى أبناء مجتمعنا، بشرائحه كافة، فأقول: إن ما يحدث على الشوارع، اليوم، من حوادث الطرق المروّعة، وما ينجم عنها من خسائر في الأرواح لا تعوّض، الأغلى من كل شيء وقبل كل شيء، ليحتّم علينا، دون استثناء، أن يشعل الضوء الأحمر وينذر بالخطر، كي نعيد النظر، ونراجع حساباتنا، ألف مرة، بعين ثاقبة، وبصر وبصيرة. لقد حان الوقت لكي نحزم أمرنا ونتخذ الموقف الصارم، بحق أنفسنا وحق أولادنا، ولاسيما مع من هم في مقتبل العمر وأعني السائقين الشباب، بعد أن أصبحت المركبة/السيارة في أيامنا نقمة علينا لا نعمة!! من غير المعقول، أن تكون نسبة حوادث الطرق المفجعة، في وسطنا العربي أعلى من نسبتنا من السكان في الدولة، لا بل إنها في ارتفاع مستمر، ناهيك بأن العامل الحاسم في حوادث الطرق هو العامل البشري، كما تشير إلى ذلك الإحصائيات الرسمية!! لماذا وحتّام سوف نظل نتجاهل ونغمض أعيننا، عن هذا الواقع المأساوي والمؤلم؟! أما آن لهذا الواقع أن يتغير؟؟ أما آن لهذه الآلام والأحزان أن تنتهي؟؟
لا يكاد يمر يوم واحد تقريباً، دون أن تقع فاجعة، وكل فاجعة أقسى من الأخرى، لتترك الأهل: آباء وأمهات، إخوة وأخوات، أبناء وبنات، يتجرعون الحسرات والندم والأحزان على مدار الساعة، ولكن ماذا يفيد الندم ((بعد أن يقع الفأس بالرأس)) ماذا يفيد؟؟ الأمر الذي يجعلنا نصرخ بأعلى صوتنا: كفى فواجع كفى!!
وتشير كل القرائن إلى أن الأمور قد أفلتت من يدنا أو كادت، فمعظمنا، اليوم، أصبح ينحي العقل جانباً، يغيّبه أو يعطله، ويستعيض عنه بالعاطفة، ولاسيما في تعاملنا اليومي مع أبنائنا، فلذات أكبادنا!! إن اغتيال العقل لدينا أصبح ظاهرة فاشية بل ومستشرية، وإلا كيف نفسّر أن كل عام تقريباً، تكون نسبة: حوادث الطرق، وحوادث الغرق، وحوادث العمل، وحوادث الأطفال والأولاد، في وسطنا العربي هي الأعلى من سواها في البلاد؟؟ هل هي مجرد مصادفة؟؟ أم قضاء وقدر؟؟
أكاد أجزم بأن الأمر ليس كذلك!! وهذا ما تؤكده جميع الحقائق على أرض الواقع!!
إنها لفرصة متاحة، كي أناشد وأطالب الآباء والأمهات والجميع: أن احموا أولادكم واحفظوهم من خطر الموت المتربص بهم والناجم عن حوادث الطرق المروِّعة، على الشوارع والطرقات، وبين عجلات السيارات!! وأتساءل: أين الأهل ودورهم؟؟ وأين المربون ودورهم؟؟ وأين رجال الدين ودورهم؟؟
تُرى، ألم يحن الوقت بعد لكي نتوقف ونفكر بطريقة مختلفة؟! ألم يحن الوقت بعد للتوقف والتأمل والتفكير من جديد؟! أم أن الوقت لم يحن بعد لكي نحاسب أنفسنا ونشدِّد ونؤكد على التربية، والأخلاق، والذوق، وإعمال العقل لا العاطفة وحدها!!
وللشباب بيننا وللسائقين منهم تحديداً أقول: تذكروا أننا نحبكم ونحبكم كثيراً وبلا حدود،
ولا نطالبكم إلا أن تبادلونا حباً بحب، نطالبكم اللياقة في السياقة، فالسياقة قبل كل شيء مسألة تربية وذوق وأخلاق ومسؤولية، فالحذر واجب والتأني واجب، والانصياع لأنظمة السير لأجل صالحكم، ولأجل سلامتكم، ففيها منجاة من التهلكة!! عليكم أن تنحوا النزق والفوضى والعبث والإهمال جانباً، وأن تحسنوا التصرف والسلوك، حكِّموا عقولكم لا أهواءكم، ولا تكونوا عصبيي المزاج!! انظروا للأمور بهدوء وروية وسكينة، بتفكير ونظام وهدوء، فكِّروا في العواقب، تحملوا المسؤولية وقوموا بالواجب كما يجب، تجاه أنفسكم أولاً، وتجاه ذويكم والآخرين ثانياً!! أثبتوا لنا بأنكم أهل للمسؤولية، وتعلموا ممن هم أكثر منكم تجربة وخبرة!! أصغوا للنصيحة والمشورة والتنوّر والترشيد، واعملوا بها، ولا يقول أحد منكم: لست بحاجة للنصيحة، مثل هذا لن يحدث لي!! فالنصيحة واجبة وضرورية للجميع، والعاقل من لا يرفضها، كما يجب أن ينبه بعضنا بعضا، وعندها ثقوا بأن النتائج سوف تتحسن وتتبدل، وتكون أفضل وأجمل!!
وللأهل، ولاسيما الكبار من بيننا، أقول: إن جلّ المسؤولية تقع علينا، أجل علينا، لأن ((الدية على العاقل)) فعن الصغار يُسأل الكبار، والكبار قدوة للصغار، كما يُفترض!! لنستمع إلى شبابنا ونفتح لهم عقولنا وقلوبنا بصراحة متناهية، وثقة متبادلة، من واجبنا تجاههم، ومن حقهم علينا أن نوليهم الاهتمام الكافي، والرعاية والعناية اللازمة. كذلك، لا بد من إعادة أواصر العلاقات وتقويتها بين جميع أفراد الأسرة الواحدة، والبيت الواحد، علاقات تقوم على التفاهم والاحترام المتبادلين، علاقات ملؤها الحب والإخلاص والصدق والدفء، علاقات تُعيد قيم الآباء والأجداد في التواصل والتراحم والتزاور، والصداقة الحقيقية، والأخوة الخالصة، والمعاملة الحسنة، والمحبة الصادقة، بعيداً عن كل مصلحة أو منفعة شخصية، وتوقير الكبير واحترام الصغير!!
انظروا، فكروا في العواقب، تفحصوا الأمور جيداً، وفكروا فيها بروية، في الطريقة والسبب والنتيجة، إلى أين يُمكن أن تقودكم أو تؤدي بكم، فالطريقة السليمة والسلوك الصحيح، حتماً سيؤديان إلى نتيجة صحيحة، والعكس أيضاً صحيح!! من قائل يقول: إن ظروف حياتنا قاسية وصعبة، الأمر الذي قد ينعكس تأثيره سلباً على سلوكنا في حياتنا اليومية!! أجل هذا صحيح، وقد تكون من أصعب ما يكون أحياناً، ولكن هل نستسلم إلى العبث، إلى السرعة، والتسرع، إلى الطيش والتهور؟! إننا أحوج ما نكون، بالذات في مثل تلك المواقف الصعبة والظروف القاسية، إلى هدوء الأعصاب، والتروي، ومضاعفة الحذر والانتباه، والتأني، والتفكير السليم، إذ أن ((في العجلة الندامة وفي التأني السلامة)) يجب أن نتحمل المسؤولية ونقاوم الصعوبات ونذللها، كل من موقعه، هكذا هي الحياة!!
(طرعان)
