تشدني البرامج التلفزيونية التي تكشف عن الفساد وخبايا الغش والكذب والخداع، اشعر أن مثل هذه البرامج قد تساعد المشاهد على تعرية الناس والاماكن، تحاول مسح ذلك البريق المتوهج الذي غالباً ما يحمل تحته ممرات الاستغلال والجشع والسرقات والضحك على المساكين الذين يصدقون محترفي الاحتيال والنصب.
لا ننكر أن مثل هذه البرامج قد يكون لها أهداف سياسية واجتماعية واقتصادية، وقد تكون مجرد برامج لضرب أشخاص وشركات ومؤسسات وجمعيات، ولها اهداف أبعد من مصلحة المجتمع وتنظيفه من الذين يشوهون الثقة وينشرون الشعارات الفضفاضة الكاذبة، التعرية قد تكون افساح المجال للفاسدين الجدد بدلا من الفاسدين الذين كشف أمرهم ويبقى الفساد سيد المجتمع.
من البرامج التي يقدمها التلفزيون الاسرائيلي القناة العاشرة برنامج ( كول بوتيك ) الذي يكشف من خلاله الكثير من صور الفساد والاستغلال والكذب والتجاوزات في المجتمع الاسرائيلي، ورغم السقوط في فخ الكاميرات المخبأة، البعيدة والقريبة والاعترافات الشخصية شفهيا وكتابيا التي تبين مدى تغلغل الفساد واستشراء الخداع والتفنن في طرق الكذب والفضائح التي تواكب عرض البرنامج، الا ان البرنامج لم يتوقف وما زال الخداع مستمرا حتى يخيل للمواطن في هذه الدولة أنه يعيش في غابة من النصب المفبرك وعليه أن يكون يقظا وحذرا طول الوقت.
آخر حلقات البرنامج كانت تدور حول طريقة ذبح الدجاج الذي يتعرض للتعذيب في مصنع النقانق "زوغلوبك" وقد اظهرت الكاميرات التي وضعت لمراقبة العمال، الطريقة القاسية والمعاملة السيئة التي يقومون بها تجاه هذا الطائر المسجون في الاقفاص الذي لا حول له ولا قوة، واظهرت التفاصيل كيف تحتوي الاقفاص مئات الدجاجات وتقوم احدى الماكنات بقلب القفص وفتحه تجاه القاع ورمي الدجاجات مرة واحدة في القاع للذبح، وعندها يحاول بعض الدجاج الفرار او تخليص نفسه من بين القضبان التي غالبا ما يعلق رأس أو رجل احدى الدجاجات بينها، لكن العامل القاسي يقوم بنزع الرأس أو الرجل أو الجناح بطريقة روتينية ثم يرمي الدجاجة في القاع للسلخ.
لقد حاول مقدم البرنامج ان يبث الحزن والشفقة والعطف ويظهر ملامح الرحمة على وجهه، ولعن أصحاب المصنع - زوغلوبك - الذين يتجاهلون حقوق الحيوانات والطيور وابرز الوثيقة التي يجب ان يعمل بها اصحاب مصانع اللحوم وهي عدم تعذيب الحيوانات والطيور قبل ذبحها – وكان قبل عام قد بث حلقة عن ذبح الابقار عن طريق الضرب أو الصعقات الكهربائية – واخذ يندد ويشير الى البند الذي يؤكد ان من يخالف هذا القانون يسجن ثلاث سنوات، وحتى اليوم لم يسجن أحد من هؤلاء الذين يعذبون هذه الحيوانات .
في الوقت الذي كان مقدم البرنامج – رافي جينات – يهدد ويتوعد الذين يتعاملون مع الدجاج بهذه القسوة ولا يحترمون مشاعرها، كان هناك الآلاف من اليهود يقفون ضد اطلاق سراح الاسرى الفلسطينيين يحملون شعارات التحريض والكره للعرب، يتناسون الاحتلال ومصادرة الأراضي والاستيطان اليومي والجدار العازل والحواجز العسكرية وسرقة المياه وغيرها من أساليب التضييق والخناق والاذلال والسجون المفتوحة يوميا للأسرى الجدد - نعرف أن السلطات الاسرائيلية تطلق سراح عشرين فلسطينيا وفي اليوم التالي تدخل عشرين آخرين كأنها متخصصة " في لعبة الذي يخرج من الباب يدخل من الشباك ".
المتظاهرون اليهود الذين اعتبروا خروج الاسرى الفلسطينيين من السجون هو خطيئة قاتلة يمارسها القادة في الدولة متنازلين عن الدم و الحق الصهيوني،يعرفون في اعماقهم أين تكمن الحقيقة التاريخية وكيف كان الظلم للشعب الفلسطيني.
السلطات الاسرائيلية اطلقت سراح 26 من الاسرى الفلسطينيين وهي الدفعة الثانية حسب سلم المفاوضات الذي بالنسبة للسلطة الفلسطينية سلم موسيقى يعزف عليه رجال السلطة الفلسطينية اغاني الانتصار أما بالنسبة للقادة الاسرائيليين فهو سلم للوصول الى أكبر عدد من المستوطنات وأكبر نسبة من قضم الارض، ان نتنياهو الآن أشبه بعنز له قرنان قرن المفاوضات وقرن الاستيطان والقرنان يغزان في بطن الشعب الفلسطيني.
الاسرى الذين خرجوا اعترفوا بالخداع المبرمج فقد صرح الاسير المحرر احمد عبد العزيز من جنين أن الأسرى وقعوا على ورقة تنص على حرمانهم من السفر خارج الاراضي الفلسطينية لمدة 10 سنوات اضافة الى منعهم من التنقل خارج حدود محافظة الاسير المحرر لمدة عام، باختصار من السجن الصغير الى السجن الكبير.
وأيضا وقع الاسرى المحررون على عدم ممارستهم أي نشاط سياسي او عسكري او تنظيمي، وفي حال اخلوا بهذا الشرط فسيتم اعتقالهم ويعاد الحكم السابق الذي صدر بحقهم قبل الافراج عنهم.
اذًا ما الفرق بين سجن وسجن ؟! وعلى ماذا كانت الاهازيج والاغاني واستقبالات فلسطينية حين يتحول الاسرى بكامل بطولاتهم وتاريخهم في المقاومة الى شباب مذعور، خائف، محاصر، مساجين بقيود مربوطة بخيوط اسرائيلية، حيث تمد السلطات الاسرائيلية الخيطان كيفما يرون هم، السؤال كيف صمتت السلطة الفلسطينية على هذا الذبح العلني للمشاعر والاحاسيس الوطنية ؟! كيف وافقت أن يكون الاسرى رهائن مرة اخرى داخل السجن البيتي ؟!
برنامج (كول بوتيك) يفضح السلوك القاسي والوحشي للعمال نحو الدجاج، فيبكي غيظا وقهرا على الوحشية البشرية، وفي ذات اليوم كانت ذكرى مجزة كفر قاسم 29/ 10/ 1956 التي راح ضحيتها 49 من نساء واطفال وشباب وشيوخ تمر بهدوء، لم تذكرها وسائل الاعلام الاسرائيلية ولم يذكرها من باب الندم أي رجل سياسي اسرائيلي، كأن هذه المجزرة حصلت في احدى الدول الافريقية، ولم تحصل هنا تحت سمع وبصر الجميع من بينهم مسؤولون ما زالوا يعيشون ويعرفون خبايا ملفات هذه المجزرة.
إن الشعب الذي يحزن ويقيم القيامة لتعذيب دجاجة قبل ذبحها ويحاول اصلاح الوضع كي يتم الذبح بدون اهانات لمشاعرها، ولا يحزن لتعذيب ومحاصرة وذبح شعب قد نضعه في خانة الانفصام الانساني والحزن المزيف.
هل نكرر قول الشاعر الثائر العراقي جميل صدقي الزهاوي الذي قال بسخريته:
"وقتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر
تعالوا نهتف عاش الدجاج... عاش.. عاش.. لأن الدجاج وعلى ما يظهر له قيمة وجودية أكثر منا.
