"قانون التظاهر" دليل على الإمعان فى الفشل

single

*وأخيرًا تفتّقت الأذهان العبقرية والألباب الفهيمة في الحكومة الانتقالية المصرية عن استصدار قانون يشرع إطلاق الخرطوش والرصاص على المتظاهرين! ولا أدرى إن كانت هذه الخطوة تهدف إلى الحد من التظاهر أم إلى حشد الشارع بالمظاهرات وشراء عداوات كل الأطياف التي كانت تحجم عن النزول إلى الشارع خوفًا من ركوب الإخوان عليها!*



مساكين هم القائمون على الأمر فى البلاد وعلى رأسهم الفريق أول عبد الفتاح السيسي، فأغلب الظن أنه الحاكم الفعلي للبلاد، لا أجزم بشىء ليس لدى عليه دليل، لكنه يبدو فى ما يبدو أن الجميع يتجاهل الرئيس عدلى منصور، ويسب رئيس الحكومة حازم الببلاوي، ويختلف على محمد إبراهيم، لكنه يؤله السيسي، وبما إنه لا يوجد أحد تم تحويله إلى إله سواه، فلا يجافينا الصواب إن ظننا أنه الحاكم الفعلي، الخلاصة يعني، هو مسكين، ومن معه ويسيرون خلفه ويأتمرون بأوامره مساكين، ومن يطبلون له ويمسكون بالصاجات ويرقصون له كأبدع من نعيمة عاكف فى الإعلام المصرى مساكين أيضا. جميع السالف ذكرهم يخطون نهايتهم، للأسف، بأيديهم، وهذا ما لا كنت أرغب فيه البتة.
قد أوضحت عدة مرات قبل ذلك أننى لا أرغب فى فشل ثالث، لأن الإجهاض المتكرر الذى تعاني منه مصر قد يؤدي إلى العقم، وهو ما ليس فى صالح البلاد أو العباد، بل إنه ليس فى صالح الفسدة واللصوص، فما الذى سيتمكنون من سرقته إذا أجدبت مصر؟
أنتم فشلة، أنت فاشل يا سيادة الفريق، أنت فاشل يا د. ببلاوى، أنت فاشل يا محمد إبراهيم... أنت راجل طيب يا عدلى منصور. لقد فشلتم جميعا وتلجؤون إلى التغطية على فشلكم بإصدار قوانين قمعية، والتعمية عليها بصراخ عالٍ عبر إعلامكم المريض المحموم، وعبر لجانكم الإلكترونية التى لا تختلف عن لجان مرسي. فشلتم وما كان لكم أن تفشلوا أبدًا، لقد أخطأتم خطأ فادحًا في حق أنفسكم وفي حق الوطن، بل وفى حق المنطقة العربية. أنتم أحضرتم العفريت وفشلتم فى صرفه، أنتم اتخذتم من آلام الوطن وأوجاعه وقتلاه وجرحاه سلمًا لتصعدوا إلى قمة الديكتاتورية وسط تأييد شعبي، لن يلبث أن يتحول، وها هو قد بدأ يتحول، فما عليكم من هذيان الإعلام واللجان الإلكترونية، أنتم تعلمون تمام العلم أنكم لم تعودوا تحظون بالدعم الشعبي الذى كنتم تتمتعون به منذ شهرين فقط، أنتم تعلمون أنكم أوغلتم فى الجريمة، أنتم تعلمون أنكم تجاهلتم مشكلات المواطن الملحة، بل إنكم تعلمون جيدًا أن جماعة الإخوان المسلمين أهون شأنًا من أن تنظم التظاهرات المستمرة والمتزايدة ضدكم.
أنتم فشلتم وما كان لكم أبدًا أن تفشلوا. لقد صبر الناس وصبروا، لأنهم يخافون على أوطانهم، ولأن جماعة الإخوان حقًا جماعة فاشية وتدميرية ويجب الخلاص منها، ولأنهم وضعوا آمالهم العريضة على من أشار إليهم بـ«هذا الشعب الذى عانى طويلًا ولم يجد من يحنو عليه»، فظنوا أنه قد آن أوان الحنو... هوّ ده الحنو؟ كفاية.. ماتحنوهاش أكتر من كده.
أنتم فشلتم وما كان لكم أن تفشلوا، فقد نصحكم الناصحون، فاتهمتم كل من يرغب فى تقديم نصيحة مخلصة بعيدًا عن التطبيل والتهليل بأنه طابور خامس وجاسوس وعميل، شأنكم فى هذا شأن جماعة الإخوان المسلمين التى تعاملت مع الناصحين بوصفهم كفرة ومشركين وملحدين ومنافقين، حتى سقطت بلا رجعة.
تاجرتم بدماء جنود مساكين، لتقننوا المحاكمات العسكرية للمدنيين، ولتصدروا قانونكم العفن بشأن التظاهر، والذى ينص على استخدام الخرطوش والرصاص الحى ضد المتظاهرين! وكأن «الداخلية» كانت تنتظر مثل هذا القانون لتقتل وتفقأ الأعين، ثم أطلقتم طباليكم يرددون أن دول العالم المتحضر لديهم قوانين تنظم التظاهر! والله؟! اذكر دولة من دول العالم المتحضر لها تاريخ فى فقء العيون حتى أصبحت العيون المفقوءة رمزًا مصريًّا.
فشلتم وما كان لكم أن تفشلوا، لأننا ائتمناكم، فلجأتم إلى الحل الأمنى فقط، ولم تلتفتوا إلى احتياجات «هذا الشعب الذى عانى كثيرًا ولم يجد من يحنو عليه»، بل أعدتم له جهاز الداخلية يمارس ذات البلطجة والظلم والقمع، بدعوى أن «الداخلية يموت منها ضباط وأعصابهم تعبانة»... ومن فرط الخزى «يُعلّم» الإرهابيون على وجه الداخلية، ولا تملك هى أن تفعل شيئا سوى أن تقتص ممن لم يجرم فى حقها، مثل الذى وقع منه عشرة جنيهات فى المنور، فخرج إلى الشارع يبحث عنها لأن إضاءته أقوى.
أنتم فشلتم وما كان لكم أن تفشلوا، فالشعب المصرى خلع جماعة الإخوان بسبب مشكلات وجرائم ارتكبتها الجماعة، فإذا بكم جميعا تقترفون ذات الجرائم، وتتسببون للمواطن فى المشكلات ذاتها، وبدلًا من تدارك الأمر، سرتم فى غيكم، وأبيتم الاستماع إلى النصح، وكما أنني يوم 29 نوفمبر 2012 كتبت على مدونتى «أن ما يقوم به الإخوان فى حكمهم سيسلم البلاد إلى حكم عسكري ورقابهم إلى المشنقة»، وكما قلت قبلها لمبارك: «أنتَ راحل»، أقول لكم: «أنتم تخربون البلاد، وسينهار البنيان عليكم... وعلينا نحن أيضًا للأسف».


*قانون تقنين قتل المواطنين*


من أمارات الفشل إصدار قانون تقنين قتل المواطنين، المسمى بقانون التظاهر. هذا القانون الذي إن دلّ على شيء فإنما يدل على الإمعان فى الفشل، واتخاذه كمنهاج يسير عليه القائمون على الأمر.
ربما يدفعهم إلى اقتراف المزيد من الحماقة، أولئك الذين دائمًا يتهمونهم بأن أيديهم مرتعشة، وأنا مش فاهمة إيه حكاية الأيدي المرتعشة دي؟ يعني يقتلوا كام عشان تبقى إيديهم مش مرتعشة؟ كم من المعتقلين يجب القبض عليهم؟ كم من الأحكام الجنونية التى وصلت إلى حبس شباب 17 عامًا فى جنحة وحبس فتاة أربع سنوات لأنها كانت تسير فى تظاهرة؟ وأخيرًا تفتّقت الأذهان العبقرية والألباب الفهيمة عن استصدار قانون يشرع إطلاق الخرطوش والرصاص على المتظاهرين! ولا أدرى إن كانت هذه الخطوة تهدف إلى الحد من التظاهر أم إلى حشد الشارع بالمظاهرات وشراء عداوات كل الأطياف التى كانت تحجم عن النزول إلى الشارع خوفًا من ركوب الإخوان عليها.
قابل أحد ضباط الجيش زوجى مصادفة، وقال له: خلّي نوارة تخف علينا شويّة، إحنا بيموت منا كتير قوى أكتر بكتير من الأعداد اللي بنعلنها، وبنعمل اللي نقدر عليه، ومش بنقول على خسايرنا عشان الروح المعنوية.
أنا أَخِف؟ أَخِف أكتر من كده إيه؟ ده أنا بقيت ريشة فى مهب الريح العاتية التى تجتاح البلاد. مَن منا يريد القتل لضباط الجيش وجنوده؟ لكن السياسات المتّبعة ستزيد من عدد القتلى ولن تحد منها، وقد أشرت عدة مرات إلى ضرورة اتخاذ إجراءات تبتعد عن الحلول الأمنية، خصوصًا فى التعامل مع مَن لم يقتل أو يدمّر، لكنه مقتنع بآراء، لا تعجبني شخصيًّا، إلا أنه فى نهاية الأمر صاحب رأي وفقط. وقد كتبت قبل ذلك سلسلة بعنوان «النصيحة واجبة قبل القلبة»، وقلت إن الحلول الأمنية ستدفع الناس دفعًا إلى نسيان كل جرائم الإخوان التي اقترفوها على مدى عام ونصف العام، ولن يذكروا منهم سوى القتلى والمساجين، وقلت إن الإعلام الاستقطابي الجوبلزي سيؤدّي فى النهاية إلى إصابة الناس بالغثيان الجماعي، وقلت إن المداحين هم مَن أوردوا مبارك ومرسى موارد التهلكة، وقلت إن اعتماد التخوين لكل ذي رأي مخالف يشبه كثيرًا اعتماد التكفير الذى انتهجته الجماعة طوال فترة حكمها، وقلت إن المظالم التى قامت عليها دولة مبارك هى التى أوصلت جماعة الإخوان إلى الحكم، ولم يكتشفهم الناس على حقيقتهم إلا حين رفع عنهم الظلم، وقيل لهم: الحكم أهو.. اتفضّلوا! فطفقوا يحدثوننا عن القرد والقرداتي، ويدفعون بجحافلهم لضرب النساء وتعذيب الناس وتلفيق التهم وإتيان كل فاحشة مورست ضدهم فى عهد مبارك، فلفظهم الناس طواعية، دون الحاجة إلى قانون إرهاب أو قانون تظاهر، أو إعلام التطبيل والتهييج، أو كل السياسات المتّبعة والتي تشعر عددًا لا بأس به من الناس بأنهم أكلوا على قفاهم للمرة الألف، وأنه يتم استخدام عنوان «الحرب على الإرهاب» لسلبهم حريتهم، ومكتسباتهم التي بذلوا من أجلها الدماء والأعين، خصوصًا مع تجاهل احتياجات الناس، وشعورهم الدائم بالمرارة، وبأنهم لا يكافِأون، بل على العكس، تتم معاقبتهم عقوبة جماعية سواء صبروا أو نفد صبرهم، تحركوا، أو سكنوا، رضوا أو تبرّموا، وأخيرًا يصدر قانون لا يحظر التظاهر فحسب، بل يعطى قوات الأمن شرعية القتل وفقء الأعين، وكأن الداخلية كانت تنتظر قانونًا كهذا لتقتل وتصيب. هذا قانون لا يعطى الداخلية حقًّا تمارسه بالفعل، بل هو رسالة إلى جموع الشعب: اللي حيتقتل مالوش ديّة عندنا، ومطرح ما تحط راسك حط رجليك، وفكك بقى من موضوع القصاص اللي كلت دماغنا بيه ده. طيب ليه الشر ده؟ ولماذا كل مَن يحكم مصر يصعد على سلم ثم يدفعه بعيدًا، فالإخوان صعدوا على سلم الديمقراطية ودفعوه بإعلانهم غير الدستوري الذي أفقدهم شرعيتهم، والسلطة الانتقالية الحالية صعدت على سلم التظاهرات ثم تدفعه بعيدًا.
طب نصيحة بقى، ولا أسأم من ترديد النصيحة حتى ألقى الله: حين يريد شعبًا أن ينزلك من فوق قمة رفعك إليها، سينزلك مهما اتخذت من احتياطات، فمن الأفضل لك إذن أن تحتفظ بالسلّم الذى صعدت عليه حتى تنزل من فوقه بكرامتك، خير لك من أن يتسلّق الناس قمتك ويدفعونك من شاهق فتلقى مصير كل مَن دفعوا السلم بعيدًا، وسلامة جدور رقبتك.. آه والله زمبؤلك كده.



(عن "التحرير" المصريّة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لن تفلتوا بريشكم من معاقبة جرائمكم

featured

ترانسفير أم الحيران يواجهنا جميعًا!

featured

رد الاعتبار لثورة عام 1929 كثورة الفلاحين الفلسطينيين المناهضة للامبريالية والصهيونية والاقطاع!

featured

توظيف الدين بما يتعارض مع رسالته السماوية

featured

صباح الورد، والشوك

featured

خير رسالة أوجدها الحزب الشيوعي للشعب

featured

الخطر الداهم .. يهودية الدولة

featured

انتخابات تحت شرعيّة التطرف