لن أَفي والدتي حقَّها إن كتبتُ صباحيَّتي عنها في عيدها، الذي يُصادف اليومَ الخامس من هذا الاسبوع، ولن أستطيع مكافأتها على كلِّ ما قدَّمته لي في حياتها، عندما كانت قواها تسمح لها ببذله، فقد كانت تُعطي بكرم وَجُود إلى آخر حدِّ مقدرتها، وأعطت بسخاء دون حساب أو احتساب المردود، فهي كلُّ وجودي..
أشعر بإحساسها وأحاسيسها الرَّقيقة والعذبة كلَّما سمعَتْ صوتي وتحيطُني الفرحة كلَّما أنصتُ لجوابها ودعائها وحركتها.
لن أَفي والدتي حقَّها! أَفي هذا اليوم فقط أذكرُها! أم أَنَّ ذِكرها يفيض على جنبات عقلي، ويسير على صحن لساني، بوتيرة كلِّ نبضة في عروقي وشراييني وكلِّ خفقانٍ وسُكونٍ لفؤادي، فأمِّي "نبضُ قلبي، نِدايَ إن وجعتُ" وكلُّ يوم من حياتي معها هو عيدي، وكلُّ لحظة أعيشُها بقربها وأشعر بنفَسِها الدَّافئ هو يومي الأجمل الذي لا يُعوَّض ولا يعود، فأمِّي هي مهجة قلبي ولساني وكياني ووجداني ولها كلُّ عرفاني ورضواني، فمن جسدها خرجْتُ إلى حياتي وتحت رعايتها ورفقها ورفقتها حبوتُ ودرجتُ ومشيتُ منتصبَ القامة إلى آني هذا.
يا أمَّ خالد، أنت الآن وفي كلِّ آن "حُبِّيَ البَاقِي إِلَى الأَبَد"..
لكنَّ اليومَ، تحديدًا، هو عيد الأم، يومٌ مخصَّصٌ للأمِّ في جميع مناطق مسكونة وطننا العربي، ففيه أتذكَّر سردَ والدتي لي عن معاناتها الشَّديدة، منذ أَن كنتُ جنينًا في رحمها العطر إِلى أن خرجتُ إلى النُّور رضيعًا، بعد أن تحمَّلت مشقَّة الطَّريق من حيِّ وادي النِّسناس إلى مستشفى روتشيلد، حيفا، حيث كانت "تُعلَّق" في وريدها الأمصال والأدوية وتُجرى لها الفحوص..
فقد كانت تحكي لي بشغفٍ، وأسمعُها بلهفٍ، عن كلِّ ما رافقها من عُسر الحمل وصعوبة الولادة، إلى يُسر رؤيتها لي في حضنها الدَّافئ في يومي الأوَّل على هذه البسيطة وهنائها وغِبطتها ورغدها في احتضاني بين ذراعيْها، فضلاً عن الحبِّ والعطاء والإيثار والتَّفاني الذي لَم تبخل عليَّ به لحظة، فقد كانت تُطلق عنانها لحنانها دون كبح.
لقد كانت قدماي تطأ الجنَّة يومًا بعد يوم، حين كنتُ أسير على خطاها، مجازًا وواقعًا، والآن وأنا في حضرتها وبقرب سريرها الذي تنام عليه، أطلب رضاها، رضاك يا أمِّي فتستيقظ بعد أن كانت تُسيطرُ عليها السِّنة لتُجيبني "الله يرضى عليك يمَّا" فأشعر بطمأنينتي، بعد أن أُطمئن نفسي أنَّ تلك السَّاعة ما زالت بعيدة، ويُمكننا أن نكون معًا أكثر وأكثر مما شئتُ من الوقت، ومما شاءت الأقدار لها، لأنَّ الأعمار بيد الرَّفيق الأعلى، وتكون أمنيتي بأن يبقى ذلك الحين، إلى ما شاء الله، خارج حدودي ووجودي، إلى أجلٍ غير مُسمَّى، مع أنِّي على درايةٍ وواقعيَّة، أنَّ اليومَ حين يحلُّ بحلَّته السَّوداء، سأقف أمامه مكتوف الأيدي، لا حول لي عليه ولا قوَّة، دون اعتراض على هذا المكروه، الذي أشعرُ به أحيانًا راحةً أبديَّةً لنفْس المريض .
رضاك يا أمِّي في عيدك، وابقَيْ عندنا ما شئت، فما اليومُ إلا في أوَّله..
