على ضفاف القرن العشرين، وحتى عام 1974، نحن الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية؛ كذلك الأحزاب والقوى والتيارات الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية، والدول العربية، ناضلنا وعملنا على مدى أجيال متتابعة، وبرامج متباينة وكثيراً ما كانت ولا زالت متناقضة، من أجل صيانة الحقّ القومي، والوطني الفلسطيني، وعلى قاعدة تحشيد وتكتيل كل الطاقات العربية، طاقات الشعوب والدول، لحماية فلسطين، ومحاصرة ودحر المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، حملت هذه الأفكار التيارات الفاعلة جميعها في ذلك السياق التاريخي؛ بأشكالها الوطنية والقومية التعددية. كما كان هناك تيار ذو طبيعة دينية منهجية، يسعى لحل هذه المسألة على قاعدة شعار نظري أوسع، تقوم على تحشيد كل الطاقات في بلدان العالم المسلم، لم يكن فاعلاً إيجابياً في صف المشروع النهضوي القومي العربي والوطني على مساحة القرن العشرين، بل كان سلبياً تحت سقف الأنظمة اليمينية والمحافظة العربية، بشأن القضايا العربية والدولية، وماذا كانت النتيجة؟
// ماذا كان الحصاد ؟
في الممارسة العملية، المشروع الاستعماري الصهيوني شق طريقه، بسلسلة متراكمة من "الإنجازات". وبالمقابل، المشروع النهضوي، الوطني والقومي، لحقت به سلسلة من التراجعات، أو الهزائم، بعد إضاعة عدد من الفرص التاريخية الاستثنائية (1939 ـ 1947 ـ 1948)؛ في بداية تاريخ قضيتنا الوطنية والقومية الفلسطينية، وصولاً إلى النكبة الوطنية والقومية الكبرى عام 1948.
وبدلا من الإمساك بما تبقى من الأرض، وتثبيت شعبنا على أرضه في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة والقدس الشرقية، حصل تواطؤ بين المشروع الصهيوني، ممثلاً بدولة العدو الناشئة والكولونيالية البريطانية، وبين الأنظمة العربية الإقطاعية القائمة حينذاك؛ على أساس المعادلة الإسرائيلية ـ الصهيونية: "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". قامت دولة اسرائيل على 77% من الأرض الفلسطينية، وما تبقى أرضاً وشعباً جرى إلحاقه أو تقاسمه بين دولة العدو والدول العربية المجاورة؛ وبدلاً من التمسك بما بقي في اليد، وبناء دولة فلسطين المستقلة عليه، حتى يتأسس طرحٌ جديدٌ في اليوم التالي لإقامة هذه الدولة؛ يقوم على ضرورة استئناف النضال للوصول إلى حل ديمقراطي، شامل وعادل؛ عنوانه الكبير دولة فلسطينية ديمقراطية موحدة، على كامل أرض فلسطين التاريخية، من البحر إلى النهر، بدلاً من ذلك، تمت عملية التواطؤ التي ذكرت، وقامت دولة "إسرائيل"، وما تبقى من الأرض جرى إلحاقه بالدول العربية المجاورة، القدس والضفة الفلسطينية ألحقت بالأردن، الأراضي الفلسطينية التي دخلها الجيش السوري جرى إلحاقها بالجولان والأراضي السورية، ووضع قطاع غزة تحت الإدارة الملكية الإقطاعية المصرية، وعليه؛ فقد ضاع حق الشعب الفلسطيني في تثبيت وجوده على أرضه، بدولة فلسطينية مستقلة، تمثل خط الدفاع الأمامي عن الحقوق الوطنية بتقرير المصير والدولة والعودة، وعن الأقطار المجاورة، كما تم توزيع واقتسام الشعب الفلسطيني بين "إسرائيل" والدول العربية المجاورة.
وتالياً؛ واصلت القيادات الصهيونية مزاعمها، انطلاقاً من مقولة: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وأما فلسطين فكانت في الماضي، واليوم هي "إسرائيل"، وما تبقى هو أراضٍ لدول عربية، وللفلسطينيين .. ولم يكونوا يذكرون كلمة (شعب فلسطيني). وقد أصبح اليوم بعض هذا الشعب "عرب إسرائيل"، وما تبقى هم "عرب البلدان العربية". وبذلك؛ ضاعت القضية الوطنية الفلسطينية بين عامي 1948 حتى 1967، وأخذت عنواناً يتيماً هو "قضية اللاجئين".
في حزيران/ يونيو من العام 1967، ونتيجة هزيمة الأنظمة العربية أمام "إسرائيل"، كان النهوض العملاقي للثورة والمقاومة الفلسطينية، ولكن هذا النهوض الكبير لم يأت من فراغ، بل هو نتاج ما أوردنا آنفاً، بالإضافة إلى أن نهج النضال في إطار تجميع وتحشيد كل القوى والطاقات العربية باتجاه فلسطين، وعلى طريقها، قد أنجز خطوة كبرى بعد نكبة 1948، وبعد النهوض القومي والوطني الحداثوي العظيم؛ بدءاً من ثورة 23 تموز/يوليو 1952، من أجل نهضة مصر والأقطار العربية المجاورة، وكذلك سلسلة التحولات الوطنية والقومية الطبقية الكبرى، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، على يد قادة ثورة (23 تموز) الناصرية والتيار الوطني والقومي العريض، بمختلف ألوان طيفه، والذي استولد لاحقاً وحدة سورية ومصر، بالجمهورية العربية المتحدة، ومن ثم ثورة 14 تموز 1958 في العراق، والنضال أو الصراع من أجل توسيع الجمهورية العربية المتحدة، لتشمل العراق، في إطار اتحادية تتمثل فيها قوى الطّوق القومية الأساسية.
لكن انهيار وحدة مصر وسورية، وسقوط الجمهورية العربية المتحدة، أي فكيّ الكماشة باتجاه فلسطين، وانخراط قادة ثورة 14 تموز في العراق، للتصادم مع الجمهورية العربية المتحدة، أدى إلى تسريع حركة المراجعة المتراكمة في صفوف قوى التحرر والتقدم العربية، بما فيها الاتجاهات الفلسطينية، والتي انخرطت بالكامل في إطار حركة التحرر الوطني العربية (قوميون، بعثيون، ناصريون، يساريون، وطنيون ثوريون وتقدميون)، وهذه المراجعة هي التي ولدّت بالتراكم أيضا التململات باتجاه صيرورة وطنية فلسطينية قائمة بذاتها، وبمعادلة جديدة تجمع بين القومي والوطني، بدلاً عن مصادرة القومي للوطني أو انعزال الوطني عن القومي، على قاعدة أن المتراس الأمامي يجب أن يكون بيد الشعب الفلسطيني، دفاعاً عن هويته الوطنية، وعن مجموع الحقوق العربية، في الصراع المرير ضد المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، وقد بدأت التململات منذ ذلك الزمن مسبوقة بتململات أولية على يد القوى والقيادات الوطنية في قطاع غزة، مسنودة بمصر عبد الناصر، ولاحقاً بالجمهورية العربية المتحدة ... لماذا ؟! ...
لأن قطاع غزة لم يتم إلحاقه وضمّه كاملاً بالإدارة المصرية، كما حصل مع الأراضي الفلسطينية الأخرى، وعليه احتفظ القطاع بعنوان فلسطيني، بدأت التململات في غزة، باتجاه البحث عن صيرورة قائمة بذاتها فلسطينياً، بينما في أقطار الطّوق العربية المجاورة لفلسطين المحتلة "الأردن ، سورية ، لبنان"، وفي القواعد الخلفية المساندة عربياً، لم تبدأ هذه العملية في السياق الزمني الذي بدأت فيه في قطاع غزة، وكان حينذاك في ذلك السياق خطّان: خط بدأ يتململ في غزة باتجاه استعادة الحضور الوطني الفلسطيني، وخطّ في جميع الأقطار العربية المشرقية، حافظ على المقولة التي تقول بتحشيد كل الطاقات العربية نحو فلسطين، وتحت راية "الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين"، بالإضافة إلى خط لم يكن ذا فعل أو تأثير جاد في الحركة الفلسطينية والعربية، هو الاتجاه الديني المذهبي، والذي وجّه اهتمامه إلى مراكز بعيدة جداً عن خطوط التماس مع العدو الإسرائيلي الصهيوني.
//انهيار وحدة مصر وسوريا ... المراجعة الجديدة
بقي الوضع على هذه الحال حتى انهيار وحدة مصر وسورية، وعلى أساس هذا الانهيار، تفكك فكّا الكماشة على جوار وطوق الأراضي المحتلة عام 1948، أي حول دولة "إسرائيل" التوسعية العدوانية، بعد ذلك، جرت مراجعة جديّة، وكان السّباق لإجراء هذه المراجعة بخطوات عملية هو الرئيس جمال عبد الناصر، عام 1964 بعد أن تكرّس الانفصال بين جناحيّ الجمهورية العربية المتحدة، واتضح لعبد الناصر أن لا أفق ولا خطط ملموسة؛ مصرية أو سورية أو عربية، تجاه فلسطين، فأطلق صيحته الشهيرة: "آن للشعب الفلسطيني أن يأخذ قضيته بيده" ودعا لعقد أول قمة عربية، وهي انعقدت فعلاً في الإسكندرية عام 1964، من أجل بناء هيكلية جديدة، سياسية ونضالية، لشعب فلسطين. وهكذا؛ في قمة الإسكندرية كان إطلاق بناء منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية، إطاراً جامعاً لكل الشعب الفلسطيني، في كافة أماكن تواجده، مع اشتراط شرطين بارزين، بقرار القمة العربية، الشرط الأول: ألا يشمل هذا الإطار الضفة الغربية والقدس العربية، التي كانت بيد الإدارة الأردنية. والشرط الثاني: القوات المسلحة الفلسطينية في كل بلد ترتبط برئاسة أركان ذلك البلد، وعليه عندما انعقد المؤتمر الأول لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة (ودعوة) أحمد الشقيري في القدس العربية، احترم هذا المؤتمر والتزم؛ بأن منظمة التحرير لا تضم الضفة الغربية أو القدس، باعتبارها جزءاً من أراضي الدولة الأردنية، وتم أيضاً التشريع لإلحاق القوات المسلحة الفلسطينية برئاسة أركان جيوش الدول العربية، قوات عين جالوت بمصر، وقوات القادسية بالعراق، وقوات حطين بسورية، وهكذا ولدت منظمة التحرير إطاراً سياسياً مجرداً من "الأنياب"، وبعدما حاولت المنظمة أن تلعب دوراً فاعلاً، اتضح أن قدرتها محدودة، ومقيّدة بقرارات قمة الإسكندرية، والقمم العربية الأخرى بعدها؛ مما دفع ـ في ظل هذه الظروف، خصوصاً بعد انهيار وحدة مصر وسورية ـ باتجاه بناء حركة وطنية فلسطينية جديدة؛ وكان في مقدمة الذين دعوا إلى ذلك، مجموعات فلسطينية (معظمها من قطاع غزة) تواجدت في الخليج، وشكلت النواة الأولى لمنظمة "فتح"؛ ومجموعات من سوريا بدعم وتشجيع حزب البعث، في إطار صراع حكم البعث مع عبد الناصر، وفي أقطار الطوق العربية، جرت محاولات على يد القوميين العرب، تحت عنوان "شباب الثأر"؛ وأيضاً تحركت مجموعات فلسطينية في سورية ولبنان، ممثلةً بجبهة التحرير الفلسطينية ـ طريق العودة برئاسة شفيق الحوت، وجبهة التحرير الفلسطينية، التي أصبحت فيما بعد الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، بعد أن انفكّت عن ائتلاف الجبهة الشعبية الرباعي (جناحا القوميين العرب، اليساري الديمقراطي والقومي، جـ. ت. ف.، منظمة فلسطين العربية)، وعليه؛ بدأت تتراكم هذه المحاولات، لكنّ العمل الجاد لم يبدأ فعلياً إلا بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967.
في هذا السياق أيضاً، لاحظنا أنه منذ البداية، تداخلت الحالة الفلسطينية مع الصراعات العربية ـ العربية، ومن هنا؛ كان الجهد الجهيد لسوريا النظام البعثي، والعراق النظام البعثي، مع محاولات إطلاق اتجاهات فلسطينية، تقوم بعمليات داخل "إسرائيل"، والوجه الأبرز لهذا المسار كان الصراع بين البعث (في سوريا والعراق) وبين عبد الناصر على النفوذ في المنطقة، وكان الإحراج أيضاً لعبد الناصر، والذي أخذ يتعمق أكثر فأكثر بسبب الصراع بين هذه الدول، لذا ظلّت المحاولات الأولى متواضعة جداً، قبل هزيمة عام 1967، وحينها؛ وقعت كل الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال، إضافةً إلى سيناء والجولان. وسنة 1968 احتلت "إسرائيل" أراضٍ أردنية في وادي عربة، وفي مثلث أم قيس. بعدها نهضت المقاومة الفلسطينية بفصائلها المتعددة، التي تناسلت بشكل كبير، على إيقاع ردود الفعل على الهزيمة، وعلى إيقاع زلزال هذه الهزيمة أيضاً، جرت مراجعة جديدة للأفق الفكري والسياسي والتنظيمي والاجتماعي، وبرامج العمل، والوسائل النضالية الناجعة للرد، على يد التيار الوطني والتيار اليساري الثوري الديمقراطي.
انطلقت مقاومة الفصائل الوطنية والقومية، لتحمل شعارات عامة، وهي لم تستخلص شيئا كثيراً من هزيمة حزيران/ يونيو 1967، مما أدى إلى الانطلاقات أو التحولات المتسارعة في الحالة الفلسطينية، وفي عموم حركة التحرر والتقدم العربي، خاصةً في مصر (وثيقة برنامج 30 مارس 1968، عمليات تطهير وتحديث الجيش)، الزلازل والتصفيات الداخلية في النظام البعثي في سوريا والعراق، وفي عدد من بلدان المشرق العربي والمغرب العربي.
وفي صفوف التيار اليساري الثوري الديمقراطي في الحركة الفلسطينية والقومية خصوصاً حركة القوميين العرب تحولات يسارية ثورية كبرى، بدأت في أواخر الخمسينيات، تطورت مع التحولات الطبقية الاجتماعية والسياسية في ثور 23 يوليو في مصر والجمهورية العربية المتحدة، ثورة واستقلال الجزائر، انهيار وحدة مصر وسوريا، ثورة 14 يوليو 1958 في العراق، ثورتي اليمن سبتمبر/ أيلول 1962 شمالاً وأكتوبر 1963 جنوباً، وجاء زلزال هزيمة 1967 حاسماً في مسار التحولات اليسارية الكبرى الجديدة وغير المسبوقة، وهي تحولات فكرية وثقافية واجتماعية وسياسية، دعت إلى بناء مقاومة فلسطينية مسلحة، تجمع بين: "أيديولوجيا السياسة وأيديولوجيا السلاح"، أو بين "سلاح السياسة وسياسة السلاح"، أي بين الأفق التحليلي الاشتراكي العلمي بيد، والسلاح المادي باليد الأخرى، وهذا شكل بداية انطلاق قوى اليسار الثوري الفلسطيني الجديد، إلى جانب قوى اليمين والوسط الوطني والقومي، الذي لا يحمل سوى شعارات عامة. وهنا بدأت الطروحات من أجل إعادة بناء حركة المقاومة الفلسطينية، بأفق جديد يتجاوز منظمة التحرير، بأفقها السياسي العامّ وتركيبها المبني على تشكيلات فردية، لتكوين منظمة تحرير ائتلافية من فصائل وقوى وشخصيات تمثل الجبهة الوطنية العريضة، على برنامج القواسم الوطنية المشتركة.
//منظمة التحرير ... التأسيس الجديد
وصلت منظمة التحرير إلى الطريق المسدود بعد هزيمة 1967 مباشرة، واستمر هذا الوضع عام 1968، وفي مطلع عام 1969، أدركت منظمة التحرير أنها تقف أمام حدود العجز؛ وكذلك، وصلت الدول العربية في مؤتمر الخرطوم "قمة الخرطوم"، إلى نتيجة مماثلة، بأن القيادة الحالية ـ حينذاك ـ لمنظمة التحرير المتمثلة في الأفراد الذين تناسلوا من أبناء العائلات التي أورثتنا نكبة 1948 قد فشلت. ولذا؛ في قمة الخرطوم نفسها، وبعد انتهاء أعمالها، طلبت الدول العربية من الأستاذ أحمد الشقيري ومن اللجنة التنفيذية للمنظمة أن ترحل (تستقيل)، عاندت المنظمة بدايةً، مما أدى إلى الإطاحة بالشقيري على يد الأغلبية في اللجنة التنفيذية، وتسلّم الأستاذ يحيى حمودة رئاسة اللجنة التنفيذية بالوكالة، لكن هذا التغيير لم يؤد إلى نهوض منظمة التحرير، فوصلت إلى حدّ الاستقالة.
حال ذاك، بدأت المباحثات من قبل اللجنة التنفيذية برئاسة يحيى حمودة، وبدفعٍ من مصر، لتدخل فصائل المقاومة منظمة التحرير، وتتشكل منها ومن الشخصيات المستقلة هيئات منظمة التحرير، وفعلاً فقد جاءنا يحيى حمودة على رأس وفد إلى عمان، وكان يضم عبد القادر يغمور، فايز الصايغ، عبد المجيد شومان وآخرين، وبدأ التباحث مع لجنة من المقاومة الفلسطينية، وكانت هذه اللجنة مشكلة من ياسر عرفات وأبو إياد ونايف حواتمة وضافي الجمعاني: "فتح، الجبهة الديمقراطية، الصاعقة"، لأن الرفاق في الجبهة الشعبية أحجموا حينها عن المشاركة في هيئات منظمة التحرير وفي أعمال هذه اللجنة، وكانت اللجنة وبتكليف من مصر وموافقة الدول العربية، واضحة جداً في القول بأن على فصائل المقاومة في المنظمة أن توافق على أن تحتل فتح 40% من مقاعد المجلس الوطني ومن هيئات منظمة التحرير، بما فيها اللجنة التنفيذية؛ وتكون الرئاسة من فتح؛ وأن تتشكل الهياكل المعبر عنها بالمجلس الوطني واللجنة التنفيذية على قاعدة هذه النسب تحديداً. لم تكن حينذاك قيادة فلسطينية وسيطة، ومجلس مركزي؛ فهذا إصلاح لبناء الائتلاف الوطني بين فصائل المقاومة تمّ على يد صلاح خلف، نايف حواتمة، ضافي الجمعاني، مطلع عام 1970، حين كان عرفات في زيارة للصين. في هذا السياق، جرى التوصل إلى اتفاق، وأصبحت منظمة التحرير بيد فصائل المقاومة، بدءاً من المجلس الوطني، الذي تشكل وانعقد في أيلول سبتمبر 1969، وإخوتنا في الجبهة الشعبية أحجموا عن المشاركة في ذلك الوقت حتى عام 1971، بعد مجازر أيلول الأسود، وفشل كل محاولاتنا لحل التعارضات بالحوار والوسائل السلمية بين المقاومة وبين الدولة الأردنية، فنحن جميعاً لنا عدو أساسي ورئيسي مشترك، وهو الاحتلال الإسرائيلي، لكنّ العديد من التدخلات العربية والإقليمية والأمريكية وضغط العمليات الحربية الإسرائيلية المتواصل على الأراضي الأردنية (قرى الأغوار ومدن الشمال وخاصة إربد ...) دفعت إلى التصادم بين قوتين لهما مصلحة مشتركة واحدة في النضال للخلاص من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية.
//المقاومة وقضايا التعارض والتناقض الإقليمية
جرى تصعيد التعارضات وتحويلها إلى تناقضات رئيسة؛ بدلاً من التوحّد على التناقض الرئيس الحقيقي ضد العدو الإسرائيلي، وهذا التاريخ مازال يعيد نفسه كل فترة وبطريقة أو بأخرى، حصل هذا في الأردن، في لبنان، وبين المحاور الإقليمية والعربية، والعلاقات الفلسطينية ـ العربية، وأخيراً بين "فتح" و"حماس" هناك اليوم صراع على السلطة والمال والنفوذ، إذن؛ وصلنا إلى مرحلة انفجار التعارضات ـ كما أشرنا ـ ووقعت مجازر أيلول الأسود (1970)، ما أدى إلى تعميق الانفصام السياسي والمجتمعي والسيكولوجي بين المقاومة الفلسطينية والأنظمة العربية المجاورة، وهذا المسلسل تواصل فيما بعد؛ ومن هنا، كان الامتحان الذي فرض مراجعة جذرية على الجميع، وقد بدأت هذه المراجعة بعيد وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية والدولة الأردنية، برعاية القمة العربية التي انعقدت في أيلول، والتي في ختامها جاء "الوجع الكبير" برحيل عبد الناصر، ومنذ الأيام الأولى، بدأ التفكير: كيف تكون هذه المراجعة، وكيف ننقذ المقاومة من الاختناق بعنق الزجاجة !.
لذا بدأ العمل على صياغة جديدة لأفق جديد للشعب الفلسطيني، تقوم على حق تقرير المصير، ولو خطوة خطوة، وعلى ضرورة إعادة بناء الكيانية الوطنية الفلسطينية، لتثبيت وجود الشعب الفلسطيني، وحقه في الوجود، وكانت الأفكار الأولية بتثبت حق تقرير المصير باتجاه إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وصيانة حق العودة. وفي ذات السياق حل قضايا التعارض والتناقض في العلاقات الفلسطينية ـ العربية بروح الجمع بين الوطني والقومي على برنامج القواسم المشتركة.
شخصياً كنت أول من بادر إلى تثبيت هذه الأفكار، حين كنت مختفياً في عمان، كوني مطلوباً للسلطات الأردنية حياً أو ميتاً، مقابل مكافأة مالية تعتبر أسطورية في ذلك الوقت، وقد التقيت في المكان السري الذي كنت موجوداً فيه، مع ياسر عمر عضو لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير ممثل الصاعقة، وإبراهيم بكر نائب رئيس اللجنة التنفيذية، وجلسنا على الأرض، وقلت أننا أمام وضع جديد يتطلب نقد الذات، وإجراء مراجعة شاملة لنخرج من عنق الزجاجة إلى أفق أرحب؛ يفتح أمام شعبنا طريقاً من أجل بلورة شخصيته وهويته الوطنية الفلسطينية، وحقه في الوجود، وتقرير المصير، في إطار دولة فلسطينية مستقلة. وهذا الحل أخذ يتبلور خطوة خطوة، إلى أن طرحت الجبهة الديمقراطية في آب/ أغسطس 1973 وقبل حرب تشرين/ أكتوبر 1973 النقاط العشر الشهيرة، ودخلنا في نقاش ساخن مع إخواننا في "فتح"، وخاصةً مركز الإعلام الفتحاوي والإذاعة الفتحاوية، وكذلك مع الفصائل الفلسطينية الأخرى، وحوار شامل في كل تجمعات شعبنا داخل الأرض المحتلة وبلدان اللجوء والشتات، وفي صف قوى وأحزاب حركة التحرر والتقدم العربيّة والأممية، وعلى المدار الدولي. وهنا اقترح مراجعة كتاب "البرنامج الوطني المرحلي" لنايف حواتمة وقيس عبد الكريم؛ وفيه النقاط العشر والردود عليها، بالنصوص الحرفية كما جرت في حينه.
// - الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
(يتبع)
