يوم خميسٍ متلفع ٍ ٍبثوب الغرابة ،خارجا عن روتين الأيام العادية ، يحمل ُبين تلافيف سرواله ،صفات الفصول الأربعة. استقر في أواخر شهر شباط وحظي بقليل من الشبط واللبط لتطغى عليه رائحة الصيف، وهو يوم شتاء بالفطرة وصفة الخريف والربيع انتزعها لكسب مودّتي ،لأنني لعنته متشائما وأنا في طريقي إلى مؤسسة التأمين الوطني.
غُبار ٌخريفيّ ٌ يكتسح الفضاء، يمتص بشراهة شعاع الشمس ،ورياحٌ غربيةٌ باردةٌ ،تلسع شحمة الأذنين حتى الاحمرار،وشمسٌ صيفية ٌخجلت من الظهور في غير موعدها فاختبأت بآداب خلف الغيوم المتنادية ،وأعشاب خضراء نبتت هنا وهناك تبغي أشعة الشمس لتمسح الدموع بمنديلها الدافئ من لسع البرد .
الساعة الثامنة صباحا فتحت أبواب الرزق للناس الغلابى المحتاجين، ذوي القدرات المحدودة وذوي العاهات والأمراض المزمنة ،والعجزة والمُطلقات، وذوي الدخل المحدود والأيتام، وغيرهم .تفحّصت حالي بعد أن رأيت حال مَن حولي تذكرت أني املك نسبة معينة من العجز فاطمأنت نفسي لأنني تأكدت أني في المكان الصحيح .
وما أن شُقّ الباب، وإذ بالنهر يدفق في مجراه ،في طابور مُتعرّج ومُتفرق أحيانا، ليكتسب صفة العروبة ، ولنظهر للكمرات بأننا عرب ٌمن أهل الضاد .و لو وقف الطابور باستقامته عليّ بصفتي الأخير لطال السماء وطلب الرزق من الله سبحانه ،اقرب واصدق وأوفى من متاعب مؤسسة التأمين الوطني .
تتناقل الأفواه من واحد لآخر كتناقل صحون وجبة العرس في طابور متطوّع ، بان هناك خلف الحاجز شرطيا يحمل كرباجا، الحقد بالعينين يبحث عن إرهابي أو سلاح قد يكون اختبأ في الجيوب ودخل متخفيا، أو في جزادين النساء، ربما يكون قد انكمش وتخفى في زوايا الجزدان ،وإلا ماذا تراه يريد من هؤلاء المحتاجين ؟؟ حين يمنع الدخول لأي شخص ٍكان دون أن يخضع لوجبة الضيافة هذه، حتى وان كانت عجوزا مقعدة على كرسي العجزة تراه يتحسس الجلباب راميا الآداب، فداء قطعة سلاح، لو كانت بحوزتها لانتحرت قبل أن ترى هذه الوجوه المقززة .
دخلتُ القاعة ،كم ذهلت واغتظت، حين اكتشفت أنها مرصوفة بالناس كالفسيفساء لدرجة الاستفراغ ،حسبت أن دخولي القاعة سيُبشرني بخبر، ظنا أن نصف الناس قد قضوا حاجاتهم وغادروا وكان قد مضى من الوقت ساعة،لكن الأرقام في صدر الحائط تؤشر على الأدوار الأولى .أخذت مكاني على احد المقاعد وبدأت أقلّب صفحات التاريخ المخزون في تلافيف ذاكرتي ،والذي لبس الغبار حدادا لعدم الرجوع إليه ، لعلي أجد ما يخفف من مفاجأتي التي رمتني في قاع جُبٍ كجب يوسف النبي دون انتشال ، ولكني لم الق إلا ذئابا تتربص للمصايد والمكائد في هذه البلاد لتوقعني رهن الافتراس . انظر إلى أرقام الدور تارة وأخرى أقرأ الإعلانات لقضاء الوقت: (ممنوع التدخين )هذا جيد ،(ممنوع الخروج من القاعة)وان حدث وخرجت تعود من الباب الآخر طريق الطابور، اعتمدت الصيام عن الأكل والتدخين .وتركتهم يدخنون أعصابي ويأكلون عضلات جسمي الذاوي .
القاعة رغم مساحتها الواسعة تضيق بهذا الكم الهائل من المنتظرين .ما أشبهها
بغابة أحراش كثيفة ورياح الغضب الزائد تعصف بها شمالا ويمينا فتصدر أصواتا ما أقربها من التأفف ،والتأوه، من الم الرأس والإرهاق ،والأرقام في صدر الحائط تُفارقنا ببطء شديد، تطحن بالأعصاب على طاحونة جَرش بيد عجوز .وأنا انتظر والآخرين ممعنا ومطيلا النظر في عيون الأرقام وكأنني أناجي وأتناجى في قصة غرام معها ، حتى بدأت اشعر بإرهاق شديد، وارتفاع في ضغط الدم، وبصفتي مريض قلب قررت العودة إلى البيت بخفي حنين ،دون أن اقضي حاجتي حفاظا على صحتي وخوفي من العواقب،وذلك بعد انتظار ساعة ونصف وإشارة الأعصاب قد غمزت بلونها الأحمر .
في طريقي إلى البيت راودتني أفكار جمعت من المنطق كله ومن الأهمية كلها إذ ان طحن الأعصاب ببطء على صخرة الساعة المتبوئة صدر الحائط هازئة بجمهور المنتظرين ساخرة منهم ،وبطء تبدّل رقم الدور الذي يقضم عضلات القلوب ناهيك عما يعانيه المنتظرون من الم الوقوف والانتظار، وحرب الكلام ولغط الجمهور الموجع ،خاصة النساء منهم وهم كثر، ،واستهتار الجندي الباحث في الجيوب والجلابيب عن الأسلحة، ناهيك عن تأجج الغضب، حين تكتشف انك لست عند الموظف المطلوب ،وعليك أن تنتظر بالدور لموظف آخر ، ربما يكون خطا أيضا (أنت وحظك ) وربما تحصل في النهاية على جواب بعدم وجوده هذا اليوم .
كل ذلك يؤدي إلى توتر الأعصاب، وارتفاع في ضغط الدم، وألم الرأس وغيره من مضاعفات ،كيف لا والغالبية الساحقة منهم تعاني أصلا من أوضاع مادية وصحية سيئة ،. شهدتُ بعيني مَن أصيب بتوتر أعصاب وبدا يصرخ فاقدا أعصابه، وشن هجوما بالكرسي على الحراس، ومَن أصيب بألم الصدر ونقل إلى المستشفى ولا ادري ما قد يحصل لأولئك الذين عادوا بسياراتهم إلى البيوت ،وهذا ما دفعني للكتابة في هذا المجال .
نعم هؤلاء المرضى ،(وكلهم مرضى)يُصابون بالمضاعفات في مكتب التأمين الوطني بسبب حرق الأعصاب، يُعالجون في المستشفيات حسب حالاتهم المرضية، يعودون إلى بيوتهم أبرياء . ومرة أخرى يعودون إلى مكتب التأمين لمواصلة عملية حرق الأعصاب وهكذا دواليك ولا ادري إذا كان احد قد نوّه لهذه الظاهرة لإدارة المؤسسة .
،ما أشبهها بدورة المياه الشتوية حين تُعاني المياه من حرارة الشمس في عرض البحار وطول انتظارها وتعاني أيضا من الاكتظاظ والبرد . تهرب إلى الجو وهناك تتآخى وتتعانق وتلتحم غيوما ترقص على مزاج الريح ثم تسقط مطرا إلى حضن أمها أو بيتها الأرض ومن حضن الأرض إلى البحار وهكذا !
أخيرا أناشد مرضى القلب بشكل خاص، أن يحاولوا قدر الإمكان عدم اللجوء إلى هذه المؤسسة بمفردهم وان فعلوا فليعلموا مسبقا ما ينتظرهم هناك وأنصحهم التسلّح بأعتى صواريخ الصبر وهدوء اهرم العُميان سنا وان يطحنوا أعصابهم مع وجبة الإفطار قبل التوكّل!
(كوكب أبو الهيجاء)
