قصة المواطنة وحاضنتها

single

لم تكن قصة المواطنة وقائمتها في الاردن اختراعا انتخابيا لتسجيل حالة اختراق بهدف النجاح والوصول إلى مجلس النواب، مع أن هذا كان هدفا  في صُلب اهتمامات القائمين على التحالف السياسي الذي ولّد "قائمة المواطنة"، من حيث اختبار مدى مصداقيتها ومدى انحياز الأردنيين لها، سواء من أبناء المدن أو الريف أو البادية أو المخيمات، ولكن هدف تشكيلها يعود  لأهمية أن يكون لها صوتا  متواصلا  مميزا  معبرا  عن مكنونات "المواطنة" ومضمونها ورفع شأن دلالاتها تجسيدا  للعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين كافة الأردنيين ولصالحهم جميعا ، مثلما كانت مشاركتها تستهدف تعزيز الشرعية الدستورية لمؤسسات الدولة على طريق تحقيق جملة من الإصلاحات الديمقراطية، على طريق التحول الديمقراطي السلمي ووفق التدرج والمرحلية وصولا  إلى حكومات برلمانية حزبية، نتاجا  لصناديق الاقتراع وعبر وسيلتها، فهي إذًا لم تكن مشروعا  انتخابيا فحسب، بل كانت ولا تزال مشروعا  وطنيا، وظف الانتخابات كوسيلة ومحطة للوصول إلى الهدف، وهي المواطنة المتساوية لكل الأردنيين، من هنا طالبت المواطنة في صلب برنامجها إلغاء الكوتا وإلغاء الدوائر المحلية وصولا  إلى القوائم الوطنية الكاملة لكل الأردنيين بشكل متدرج وعبر مراحل تراكمية متتالية.
وبداية، لا بد من التسجيل أن قائمة المواطنة عكست التحالف بين أربعة مكونات سياسية  هي 1- التيار الشعبي الأردني الذي أتشرف بالانتساب إليه مع المرشحين في قائمة المواطنة وهم: رايق كامل وصالح درويش وأحمد الفاعوري ونضال العرابي، وهو مشروع  سياسي قيد التأسيس والبناء والحضور.
   2- حزب الرسالة الذي يقوده الوزير السابق حازم قشوع ومعه وليد عرندس وداود غبن وطلال الجبور وسامر أبو شندي وضرار الرفاعي ومحمد السعيد.
   3- وشخصيات اجتماعية من رجال الأعمال عادل القاسم وعبد الكريم الحموري. 4- وقيادات من حزب جبهة العمل القومي ( قيد التأسيس ).
تحالف المواطنة تم على أساس سياسي، لم يكن مستحدثا  أو طارئا ، بل هو برنامجي الانتخابي  حرفيا ، وأعيد التأكيد  عليه حرفيا ، وسبق أن خضت الانتخابات النيابية على أساسه، ونجحت عضوا  في مجلس النواب الأردني عام 1997 تحت مظلته، وفي هدى مضمونه، ويقوم على ركيزتين هما:
الأولى: العمل من أجل أردن ديمقراطي تعددي يحتكم للقيم الدستورية، وحقوق المواطنة، ونتائج صناديق الاقتراع، وصولا  لحكومات برلمانية حزبية، تسوده العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين كافة الأردنيين، ولصالح كل الأردنيين، أبناء الريف والبادية والمدن والمخيمات.
الثانية: دعم الشعب العربي الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير وسلطتها الوطنية، وخياراتها السياسية الكفاحية، لاستعادة كامل حقوق الشعب الفلسطيني المنهوبة: حقه في المساواة والاستقلال والعودة، بما فيها الدولة المنشودة وعاصمتها القدس، وحق اللاجئين في العودة إلى المدن والقرى التي طردوا منها عام 1948، إلى اللد ويافا والرملة وحيفا وبئر السبع وصفد، واستعادة ممتلكاتهم على أرضها.
فالبرنامج، ليس عصا سحرية لحل مشاكل الأردنيين، وليس مضمونا  يهدف لشق الأردنيين، بل لوحدتهم، وتماسك نسيجهم، وأنصارهم في الهوية الوطنية الأردنية الجامعة، وجعلهم جميعا ، ودفعهم، انعكاسا لوطنيتهم الأردنية، وقوميتهم العربية وديانتيهم الإسلامية والمسيحية، وما يتوفر لهم من تعددية قومية أو دينية: شركس شيشان أكراد دروز، ليكونوا جميعا  في خندق الوفاء للقضية الفلسطينية، باعتبارها، قضيتهم المركزية بعد الأردن، وأمنهم الوطني، حيث لا أمن ولا استقرار للأردن، بمعزل عن أمن فلسطين وحريتها وعودة شعبها واستعادة ممتلكاتهم على أرضها، ولذلك كان شعار القائمة هو الأردن أولا  وحرية فلسطين، عين على الأردن والأخرى على فلسطين.
تحالف قائمة المواطنة تحالف سياسي، اعتمد في تمويله على شخصيات من رجال الأعمال، وتم تغذية احتياجاتها المالية من جانبهم ولم يعد ذلك سرًّا ، ولم يتم من تحت الطاولة بل تم ذلك علنا   يقف في طليعتهم توفيق شاكر الفاخوري وفوزي الحموري ونجاتي الشخشير وفطين البداد وهاشم الزهيري إضافة إلى مساهمات المشاركين المرشحين حازم قشوع ورايق كامل ووليد عرندس وغيرهم، ومع ذلك فقد عانت "قائمة المواطنة" من أزمة مالية بسبب عدم قدرتها على تغطية كامل احتياجاتها وهذا أحد أسباب إخفاقاتها في عدم تحقيق نتائج مميزة، إضافة إلى تشتت جهود التحالف الذي عانى من الانقسام وعدم التوافق السياسي بين مكوناتها، ولذلك كان أداء فرق التطوع متواضعا  يعكس التردد والتذبذب، فالعاملون في التيار الشعبي يجدون أنفسهم في خندق المعارضة المتزنة، بينما يسود سلوك العاملين في حزب الرسالة على زيادة جرعة الولاء إلى حد التزلف والنفاق، مما أفقد روح المواطنة بريقها الذي اكتسبته بفعل مضمونها السياسي، وشعاراتها والمرشحين من أعضائها من ذوي الماضي السياسي المشرف، إلى جانب " هواة " لا هوية سياسية لهم يتقلبون ما بين المضمون والشعار تارة، ويتنصلون منه تارة أخرى، وفق القاعدة الانتخابية التي يلتقون معها، فالرسالة، رغم تمسكه بالمواطنة فهو بلا لون سياسي يميزه، ولونه باهت بلا مضمون.
ومع ذلك، ورغم الاتهامات الظالمة التي رافقت قائمة المواطنة من تمويل من حركة فتح تارة ومن منظمة التحرير الفلسطينية  تارة أخرى ومن محمد دحلان تارة ثالثة ، فقد فرضت قائمة المواطنة نفسها كقائمة سياسية بامتياز أقلها أنها حصلت على عدد الأصوات التي حصلت عليها قائمة النهوض الديمقراطي المشكَّلة من أحزاب يسارية وقومية لها تاريخ ناصع، ومميز، وهذا يدلل على جدية التحالف الذي طبع " المواطنة " رغم التراخي السياسي من قبل بعض أطرافها وشخصنة توجهات بعضهم وقلة الخبرة لدى بعضهم الثاني وضعف وضمور بعضهم الثالث، ومع ذلك نجحت القائمة ووصلت إلى مجلس النواب، مثلها مثل ثماني عشرة قائمة وصلت بمقعد واحد يتيم.
لم يكن نجاح حازم قشوع نموذجيا ، وسيبقى أداؤه هو المعيار، فهل يفي بالمضمون السياسي الذي عبَّرت عنه المواطنة، كقائمة وطنية معارضة للسياسات الرسمية بطريقة مدنية سلمية حضارية ديمقراطية، أو يتخلى عنها، ليظهر كعادته الولاء الأعمى للسياسات الرسمية ويتباهى بالموالاة التي رفضتها وتخلت عنها أحزاب وسطية تتفوق عليه وعلى حزبه بالولاء والتبعية ولكن من موقع النقد والتدقيق والتعددية.
قد يهمّكم أيضا..
featured

وثبت دموعي على الوجنات.. وصرخوا "يششش" على الدم

featured

احقا انتهت الحملة العسكرية ؟

featured

منع الأذان - دافع ايديولوجيّ جائر حاقد

featured

تعليمٌ على حافة الهاوية

featured

فلتستمر وتزداد المصالحات السورية

featured

أعطونا الطفولة أعطونا السلام

featured

"يهودية الدولة" ما بين الجبهة والتجمّع

featured

في التطرف والإرهاب وأسبابهما