مساهمة في النقاش حول الهوية الفلسطينية
في الذكرى الـ 63 للنكبة الفلسطينية، والتي صادفت ذكراها في الـ 15 من أيار الحالي، تعبيرا عن اليوم الذي أعلن فيه عن قيام دولة إسرائيل وانهيار الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية على كامل التراب الوطني الفلسطيني أو إقامة الدوله في الوطن وقتل هذا الشعب وتهجيره وتحويله، بين عشية وضحاها، من صاحب الأرض والتاريخ إلى لاجئ لا يملك ابسط حقوق المعيشة من مأكل ومشرب إلى البيت إلى العمل إلى الهوية، بودي التطرق الى قضية مهمة باعتقادي ان تناولها في هذه الفترة بالذات يلائم الأحداث الجارية من محاولة تجسيد حق العودة بأسلوب جديد خلاق، يفرض أجندته على الواقع السياسي ويخص النكبة والهوية الفلسطينية والمشترك بينهما ومساهمة متواضعة من طرفي في مسألة الهوية الفلسطينية.
في الواقع ان مقالي هذا يأتي تعليقا وردا على مقال الرفيق أيمن عودة الرائع والغني بالمعلومات المهمة (مساهمة في النقاش حول الهوية الفلسطينية 06/05/2011) الذي انتظر مقالاته واقرأها بتمعن وتروٍّ لانها تطرح أسلوبا جديدا متميزا في النقاش بعيدا عن التنظير والافكار الكسموبوليتية .
النكبة
1948، السنة التي اختفت فيها البلاد والشعب
كان المؤرخ اللبناني قسطنطين زريق أول من استعمل مصطلح"النكبة" لوصف أحداث 1948 وذلك في كتابه "معنى النكبة" الصادر في آب 1948. وهي السنة التي طردت فيها الحركة الصهيونية وعصاباتها شعبنا الفلسطيني من بيته وأرضه فخسر وطنه لصالح إقامة الدولة اليهودية- دولة إسرائيل . وتشمل أحداث النكبة، احتلال معظم أراضي فلسطين من قبل الحركة الصهيونية، وطرد ما يربو على 750 ألف فلسطيني وتحويلهم إلى لاجئين، كما تشمل الأحداث عشرات المجازر والفظائع وأعمال النهب ضد الفلسطينيين، وهدم حوالي 500 قرية وتدمير المدن الفلسطينية الرئيسية وتحويلها إلى مدن يهودية.وطرد معظم القبائل البدوية التي كانت تعيش في النقب ومحو الأسماء الجغرافية العربية وتبديلها بأسماء عبرية وتدمير طبيعة البلاد العربية الأصلية من خلال محاولة خلق مشهد طبيعي أوروبي.
وفي مقالة حديثة للمؤرخ الفلسطيني، الياس صنبر، كتب يقول: "ينعطف التاريخ الفلسطيني المعاصر في وقت حاسم: عام 1948، ففي تلك السنة اختفت البلاد والشعب من الخرائط والقواميس.
ولكن الذكرى الـ 63 تأتي هذه السنة في ظروف مميزة وجديدة على المنطقة وعلى القضية الفلسطينية فهي:
تأتي بعد الثورات العربية والانتصارات التي حققتها والزخم الكبير الذي اعطته للشعب الفلسطيني المنكوب ولقضيته العادلة.
تأتي بعد المصالحة الفلسطينية في مناطق السلظة الفلسطينية هذه المصالحة التي شحنت وقوّت المفاوض الفلسطيني بأنه يمثل كافة ابناء المناطق المحتلة.
تأتي بعد زيادة العزلة الاسرائيلية والتي زادت السلطة بها يمينية ومن المفارقات انه كلما زادت اسرائيل يمينية تحسن وضع الفلسطينيين عالميا.
وعليه وبعد هذه الظروف ربما لن يكون هذه السنة حل للقضية الفلسطينية ولكنها مؤشرات ايجابية لتحول مهم في تاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي . .
الهوية الفلسطينية
ايلان بابي : "الصهيونية أنجح حركة قومية في التاريخ، لأنها وجدت لتخلق شعبا واحدا، فإذا بها تخلق شعبين"!
فلسطين لم تكن يوما من الأيام دولة، لا تاريخيا و لا حاضرا
الهوية هي مجموع الرموز والصفات المشتركة بين أعضاء أية مجموعة، وهذه الرموز تعبر عن أفكارها وعواطفها وقيمها وتطلعاتها وكافة أشكال سلوكها . ان الهوية تتمثل في ثلاثة أطر: تبدأ بإطار الفرد ذاتا مستقلة وتمثل هويته الشخصية المتمايزة عن غيره بشكل أو بآخر، وتنطلق نحو الهوية المجتمعية التي تصبغ مجتمعا بعينه بقيم وسلوكيات ومنظومة حياة مختلفة عن المجتمعات الأخرى وقد تكون هذه الهوية اما الهوية العائلية او هوية الحي وتتسع الى ان تصبح هوية القرية او المدينه او الى منطقة جغرافية محددة لتمييزها عن منطقة اخرى، فهناك مثلا هوية قرية او مدينة معينة تختلف عن هوية قرية او مدينة اخرى او هوية الجليل وهوية المثلث، لتصل الى الهوية القومية او الوطنية الجامعة وهنا يجدر التنويه ان الهوية الفردية أي الشخصية تختلف اختلافا جذريا عن الهوية الجماعية فالاولى مكتسبة وديناميكية ومتغيرة باختلاف الزمان والمكان اما الهوية القومية فهي مصقولة وموجهة يتم بناؤها عبر توجية القيادة والاستراتيجيات المفروضة التي يعبأ الفرد بها وآخر انواع الهوية هي الهوية الإنسانية، التي تلتقي فيها هوية الأفراد والمجتمعات عند قضايا إنسانية تغيب فيها حدود الدول والمجتمع والذات .
في بناء الهوية الجماعية تدخل مركبات عدة اهمها الدولة. وانا اقول هنا انّ فلسطين لم تكن يوما من الأيام دولة، لا تاريخيا و لا حاضرا. ومنذ وجودها فهي تتبع الحضن الأم، سوريا الطبيعية، وهذا مثبت علميا وقد مرت تسميات عدة على فلسطين فهي بيت المقدس على زمن الخلافة الإسلامية تعبيرا عن البعد الديني للمنطقة ولقدسية مدينة القدس، ولكنها جغرافيا كانت دائما جنوب الشام وكما هو معروف في زمن الخلافة الاسلامية حتى نهاية الامبراطورية العثمانية لم يكن هناك تقسيم قومي. الهوية كانت هوية دينية اسلامية جامعة فالكل يتبع للدولة الاسلامية، حتى انهارت الامبراطورية العثمانية وتجلت مباشرة عدة قوميات غير متبلورة : الاتراك العرب الكرد والارمن الخ... ولم تستطع القومية العربية التبلور بالشكل الكامل لان معاهدة سايكس بيكو كانت قد قسمت الوطن العربي الى مناطق بحدود اصطناعية لا تتماشى مع الواقع الحياتي للسكان وهنا اوافق الرفيق أيمن عودة ان شمال فلسطين اقرب الى الجنوب اللبناني منه الى جنوب فلسطين.
منذ اتفاقية سايكس بيكو أخذت، وما زالت، تتشكل في فلسطين هويتان هما: الهوية الفلسطينية والهوية الإسرائيلية، وهما مختلفتان من حيث ظروف النشأة والتواصل في الزمان والمكان، وبالتالي من حيث القوة والتماسك أو الضعف .
كانت هوية الفلسطينيين، قبل المشروع الصهيوني، هي الهوية العربية- الإسلامية. وهي هوية غنية بالرموز اللغوية والدينية والحياتية . ومع بداية المشروع الصهيوني، الذي ولد في نهاية القرن التاسع عشر وتحقق بعدما جزأ الاستعمار الأوروبي الوطن العربي إلى ممالك وجمهوريات ضعيفة وتابعة، بدأت الهوية الفلسطينية في التبلور بعد الاستفراد بها كفسيلة من فسائل الهوية العربية-الإسلامية؛ فكان عليها أن تنمو وتقاوم وحدها عوامل نفيها وتحطيمها واقتلاعها، من خلال الصراع مع قوى قاسية وغير مكافئة لها . وهكذا بدأت تتبلور هوية فلسطينية ضمن الهوية العربية - الإسلامية. إذًا هناك مشروع بدأ منذ أكثر من قرن لبلورة هوية إسرائيلية لها مكوناتها اليهودية والغربية مقابل هوية عربية - إسلامية فرض عليها المشروع الصهيوني أن تنمو كهوية وطنية فلسطينية في مواجهة الهوية الإسرائيلية. وتعمل إسرائيل اليوم كل ما في وسعها لنفي هذه الهوية بمكوناتها الأساسية، وهذه المكونات هي مثل أية هوية أخرى: مجتمع (مجموعة سكانية)، أرض تعيش عليها المجموعة، رموز مشتركة نتجت عن تفاعل أعضاء المجموعة مع البيئة الطبيعية ومع بعضهم البعض.
الحكاية الفلسطينية ارتبطت سياسيا، ووجوديا، بتشكُّل هوية نقيضة، هي الهوية الإسرائيلية التي قامت على إنجازها الحركة الصهيونية، والتي وصفها إيلان بابه مرةً بأنها "أنجح حركة قومية في التاريخ، لأنها وجدت لتخلق شعبا واحدا، فإذا بها تخلق شعبين!". ولا شك أن القانون العام الذي انطبق على الحالة الفلسطينية ينطبق، كذلك، على الحالة الإسرائيلية، على الرغم من الفارق الجوهري بين تشكُّل الحركة الصهيونية كحركة قومية استيطانية مرتبطة بمشروع استعماري ممركز أوروبيا، وكون الحركة الوطنية الفلسطينية حركة تحرر وطني أصلانية مناوئة لها.
يستدل مما ذكر اعلاه انه لم تكن هناك هوية فلسطينية جامعة وقد دلت الكثير من الابحاث عن عدم تواصل سكان الجليل مع المثلث والنقب قبل الـ 48 . وقد تواصل سكان الجليل مع لبنان وسوريا وسكان المثلث مع الاردن وغزة والنقب مع مصر وعليه باعتقادي ان اقصى درجات الهوية قد وصلها الفلسطينيون حتى النكبة هي الهوية المحلية او البلدية ويستدل على هذا بغياب قيادة جماعية اثناء المواجهات مع العصابات الصهيونية ، فابن نابلس مثلا كان يدافع عن نابلس وليس فلسطين وابن صفورية كان يدافع عن صفورية وليس عن فلسطين وكذلك ابناء كل القرى والمدن الفلسطينية وللتذكير فقط فعملية شوتير:عندما قامت ألوية كارميلي، الأسكندروني، والغولاني بمهاجمة واحتلال المثلث الصغير جنوب حيفا في غضون فترة الهدنة الثانية (07/1948) المكون من خمس قرى: إجزم، عين غزال، جبع، كفر لام، والصرفند. ويرجى الملاحظة هنا بأن هذه القرى الخمس هي القرى الوحيدة في فلسطين التي شكلت خطة للدفاع المشترك، وباقي القرى كانت تقاتل كل على انفراد مع بعض النجدات الفردية المتفرقة هنا وهناك . لهذا السبب كان بإمكانهم المقاومة والاستبسال على الرغم من شح الأسلحة . وقد استغل الصهاينة نقطة الضعف هذه للإستفراد بمهاجمة القرى الفلسطينية وهكذا سقطت فلسطين من قلة التنظيم والعمل المشترك.
في مقالته يسأل الرفيق أيمن وبحق لماذا تشكلت هوية لبنانية وسورية ولم تتشكل هوية فلسطينية ؟
للاجابة على هذا السؤال نؤكد ان الدولة احد اهم شروط بناء الهوية الجماعية والوضع في فلسطين اختلف عما هو عليه في سوريا او لبنان او العراق او حتى الاردن فقد سعت الدول الاستعمارية آنذاك بريطانيا وفرنسا الى تأسيس جيوش موالية لها في هذه الدول، والجيش هو عماد الدولة، ولكنها منعت ذلك في فلسطين وحدها عن باقي الدول العربية بحجة ان الجيش البريطاني هو جيش البلاد . وحتى عندما احتد الصراع مع العصابات الصهيونية، كما هو معروف، منعت بريطانيا (بالتآمر مع الحركة الصهيونية ) الفلسطينيين من حمل السلاح وقصة سجن عكا واعدام الفلسطينيين الابطال محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي لانه قبض عليهم وبحوزتهم سلاح للدفاع عن الوطن . وسعت بريطانيا بكل ثمن، تمهيدا لطريق استيلاء الحركة الصهيونية على البلد، منع الفلسطينيين من بناء جيش الذي هو اساس الدولة حتى انها وبرغم حاجتها للمجندين في الحرب العالمية الثانية رفضت تجنيد الفلسطينيين في صفوفها، بينما كان المصريون والعراقيون والاردنيون يقاتلون في صفوف القوات البريطانية . نقطة اخرى لم تساهم في بناء الهوية، عدم وجود جواز سفر فلسطيني بل كان BRITISH PASSPORT وفي اسفل الصفحة كلمة فلسطين، حتى العملة الفلسطينية لم تستقل فلسطينيا فكان مكتوب عليها باللغة العبرية (א"י) أي انه لم تكن دلالة على الدولة والهوية حتى بالرموز.
النكبة والهوية الفلسطينية
فصلت إسرائيل، عام 1948، بين المجتمع الفلسطيني وأرضه، وهي بذلك وجهت ضربة قوية لمكونين أساسيين من مكونات الهوية الفلسطينية الوليدة الهشة ، هما الأرض التي استولت عليها، والفلسطينيون الذين فقدوا مصادر رزقهم واستقرارهم وأمنهم وهويتهم السياسية، فقسم منه بقي في الضفة الغربية التي ضُمت إلى الأردن، وقسم كان في قطاع غزة الذي تولت مصر إدارته. وعاش اللاجئون إما في الضفة والقطاع أو في دول الجوار، وظل جزء منهم يعيش في وطنه داخل الكيان الإسرائيلي الجديد في عزلة عن سائر أبناء وطنهم، وكان لهذه النكبة انعكاسات شديدة على الهوية الفلسطينية.
صحيح أن الهوية الفلسطينية لم تنشأ بواسطة تهجير عام 1948؛ ولكن الحدث بقي جزءا هاما من التاريخ والتجربة الجماعية الفلسطينية، وعلامة على ضياع فلسطين ككيان فيزيائي وولادتها كدلالة وطنية. وبدأ من هنا التعامل مع العرب الفلسطينيين كفلسطينيين، كلاجئين فلسطينيين، وحدتهم المأساة والمعاناة والقهر والذل واستعمال كلمات مثل القضية الفلسطينيةً، حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وفي ضوء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي المتواصل؛ وجدت الجغرافيا-التاريخية الفلسطينية نفسها منحازة، بشدة، لأهداف الكفاح الوطني وهدف إقامة الدولة، كما وجدت نفسها في حاجة لدحض الرواية الصهيونية عن حرب عام 1948. وظلت تدور حول مجموعة من الرموز "المجسدة" والباحثة عن إعادة كتابة وتصوير عام 1948 عاملا مكونا لهوية اللاجئين ولهوية الفلسطينيين عامة. وتتوالى الاحداث على الصراع الصهيوني الفلسطيني، حيث ان النكبة والمرتبطة بالحركة الصهيونية وما تبعها من قيام دولة اسرائيل اجج وسارع في بناء الهوية الفلسطينية. كما وكان لاقامة منظمة التحرير الفلسطينية العامل الاساس في بداية بلورة الهوية الفلسطينية الجامعة لدى اللاجئين، ويوم الارض المرحلة المفصلية الثانية في بناء الهوية الفلسطينية لنا، العرب الذين يعيشون في وطنهم، ولكنها هوية مغايرة نوعا ما عن الهوية الفلسطينية للاجئين. ومن ثم اتفاقات اوسلو، كانت المرحلة المفصلية الثالثة في بناء الهوية لدى الفلسطينيين في مناطق السلطة، ويستدل من تطورات الامور السياسية والرغبة في تشكيل الهوية الفلسطينية الجامعة لكل ابناء الشعب الفلسطيني، ان الاتجاه هو نحو تكوين هوية جامعة . ويعود السبب ايضا في ذلك الى استمرار الحركة الصهيونية في القضاء على المعالم والرموز الفلسطينية وتنكرها لحق العودة المركب الاساس في الهوية الفلسطينية الحديثة. ومن هنا نستنتج ان الصهيونية، عبر النكبة واحتلال الارض، ساهمت بشكل فعال وعن غير قصد في تكوين الهوية الفلسطينية واستمرارها بمحاربة الحلم الفلسطيني يزيد وبتسارع في بناء الهوية الفلسطينية الجامعة والسؤال الذي ينشأ هنا هو: هل يعني انهاء الصراع التخلي عن ركيزة اساسية للهوية الجامعة للفلسطينيين- النكبة وحق العودة- وعلى وجه الخصوص في غياب الحل العادل، ومع الأخذ بعين الاعتبار ان الهوية الوطنية الفلسطينية لم تتبلور في نطاق دولة؟ فالدولة القومية الحديثة هي عماد تبلور الهويات القومية في العديد من الحالات، والحالة الفلسطينية هي من الاستثناءات الواضحة، ولها ارتباط وثيق بالصراع الوجودي مع اسرائيل وبالنكبة وما تبعها كعنصر مكون لهذه الهوية. ولهذا فان الصراع حول الهوية قائم ما دام لم يوجد حل عادل وشرعي للقضية الفلسطينية.
(كفر كنا)
