برنار هنري-ليفي – فيلسوف يقيم علاقات حميمية مع رؤوس الأموال!
* من أجواء المحافل الثقافية البرجوازية في فرنسا.. الايديولوجيا تغيب، او تميع على الأقل، لتظهر على شاكلة أوليغارشية من اليمين أو اليسار والتي بالرغم من تنويعاتها المهنية والايديولوجية، تبقى متضامنة وموحّدة في الدفاع عن مصالحها*
احتفلت المجلة التي أسسها برنار-هنري ليفي عام 1990 تحت اسم "قواعد اللعبة" La Règle du jeu بعيدها العشرين في نهاية العام 2010، في مقهى "فلور" الذي كان يرتاده فيما مضى جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار، مقابل كنيسة "سان جيرمان دي بريه". تغيّرت الأزمنة والحيّ أيضاً. فالترف الكبير قد أسقط الوجودية. ولمناسبة هذا العيد، استقبل الـ"فلور" العديد من المدعوّين. جمهورٌ متنوّعٌ، فيه المثقفون المعترف بهم، والصحافيّون من أصحاب المكانة، وبعض رجال السياسة المهمّين. أوليغارشية (طغمة) الآداب والفنون والصحافة والإعلام أكثر منها نخبة الأعمال والسياسة. لكنّها كغمة غير مجرّدة من السلطة في زمن الاتصال الجماهيري الذي نعيشه.
لكن الجوّ داخل الجدران المهيبة للـ"فلور" ليس منشغلاً بالأعمال، ولا بالاستراتجيات السياسية. فالجمهور المزدحم هناك يبدو في ارتخاءٍ ومزاحٍ خاصّين بالمناخات الاجتماعية، حيث يكتسب اللقاء طعم التواطؤ القديم اللذيذ وتسود الحميميّة والاجتماع العائليّ الذي يضجّ بالأخبار، وحيث تتراجع العداوات لصالح تفاهمٍ معلنٍ وضامنٍ للمستقبل. امتياز المدعوين ينسجم مع هذه الذكرى الاحتفالية لولادة مجلّة فكريّة وأدبيّة وسياسيّة. يسيل الشمبانيا بغزارة وسخاء لا يعادلهما سوى الرقيّ الاجتماعي البادي على الساهرين. لا تغطّي السلطات المشاركة هنا نفس مجالات تلك في الدوائر الباريسية الكبيرة، لكنّها تكملها خصوصاً لجهة السيطرة التي يمكن لهذا المجتمع المصغّر أن يمارسه على وسائل الإعلام الكبيرة والنشر الثقافي. فالسلطة مرتهنة لهذه التجمّعات التي تركّز، خلف مظهر الخفّة الاجتماعية، الدور والقدرة على اتخاذ القرارات وتحديد الاستراتجيات وتوجيه الحياة الثقافية والسياسية.
يُظهر الاحتفال بميلاد مجلة برنار-هنري ليفي رأسمالاً ثقافياً كبيراً، من خلال وجود "نخبة ثقافية" يمكن الاعتراض على بعض ميزاتها، لكّنها تمثّل سلطةً ضخمةً في أجهزة إنتاج المواد الثقافية. الأدباء كانوا كثر، من فيليب سوليرز إلى ميلان كونديرا، مروراً بكريستين أنغو. وتشكيلة جميلة من الإعلام المكتوب مع لوران جوفران، مدير صحيفة "ليبراسيون"، وإيتيان موجوت نظيره في "الفيغارو"، وفرانز-أوليفيه جيزبير، مدير مجلة "لوبوان"، أو أيضاً موريس زافران، مدير مجلة "ماريان" ونيكولا بريمو، المدير المنتدب لصحيفة "لوكانار أنشينه".
في جانب الإذاعة، كان هناك منتخبٌ نوعيّ: جان لوك هيس وفيليب فال، وهما على التوالي رئيسَي مجموعة "إذاعة فرنسا" و"فرانس أنتير". ونذكر من عالم التلفاز: ميشال كوتا، المديرة السابقة لمحطة "فرنسا 2"، وتييري أرديسون ومارك-أوليفيه فوغييل، دون نسيان المعنيّ الأوّل بالسهرة، برنار-هنري ليفي، الذي بالإضافة إلى علاقاته بالمحطات العامة، جُدّد له لخمسة أعوامٍ في 2009، وبطلبٍ من نيكولا ساركوزي، في رئاسة مجلس الرقابة على محطة "أرته Arte" حيث كان عضواً منذ العام 1993.
لكنّ ضيف "فلور" ليس مقطوعاً عن عالم الأعمال. فهو وبحسب دليل الشخصيات المعروفة Who’s who إبن أحد رؤساء الشركات. ففي العام 1997، اشترى السيد فرنسوا بينو شركة تجارة الأخشاب الخاصّة بعائلة ليفي. وهناك ودّ مستمرّ بين الفيلسوف ورجل الأعمال. فالسيد بينو، من خلال دوره كحامٍ للفنون والآداب، لا ينسى مدّ يد المساعدة لمشاريع برنار-هنري ليفي ومن بينها إنتاج الأفلام. وهو يكتب افتتاحية دوريّة في مجلّة "لوبوان"، المملوكة من السيد بينو. السيد كزافيه نيل، المساهم الرئيسي والمدير التاريخي لمجموعة "إيلياد" (Free)، صاحب الثروة المهنيّة الثانية عشرة في فرنسا بحسب مجلة Challenges كان هناك يمثّل أرباب العمل المرتبطين بالإعلام والاتصالات. شارك في السهرة أيضاً أحد مالكَي صحيفة "لوموند"، السيد بيار برجيه، الرئيس والمدير العام السابق لشركة "إيف سان لوران".
لم يكن هذا العيد ليمثّل الطغمة دون حضور العالم السياسي. إذ لم تحلّ قساوة الطقس دون قدوم السيدة سيمون فايل والسادة برونو لومير (حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية")، لوران فابيوس (من الحزب الاشتراكي)، فرنسوا بايرو ("الحركة الديموقراطية") وهوبير فيدرين (وزير الخارجية الأسبق الذي طلب من برنار-هنري ليفي تقريراً حول أفغانستان) للالتحاق بأصدقائهم في "سان جيرمان دي بريه".
في "فلور"، كان المدعوون كثر، بحيث لا يعرفون بعضهم بعضاً بصفةٍ شخصية. والفرصة كانت مؤاتية لنسج العلاقات، بما أنّ تلك اللقاءات من شأنها تعزيز الرأسمال الاجتماعي. وكانت أيضاً لحظةً نفيسة لتدعيم العلاقات التي تربط بين المجموعات الفرعية للأوليغارشية، بين عالم الأعمال وبين الثقافة والسياسة. فالأوليغارشية تتكوّن من مجمل هذه الشبكات والتنويعات في المجتمع الراقي، وتطال مختلف مجالات النشاط الاجتماعي. وسط جوّ من التواطؤ اللعوب الذي يسود كلٌّ من هذه الفئات داخل البورجوازية الكبيرة. دارت هذه السهرة الاحتفالية بمجلة La Règle du jeu في حيٍّ مطبوعٍ بطابع نشاطٍ ثقافي وفنّي يتراجع اليوم، ولو أن ذكراه ما تزال حيّة في هذه الأمكنة.
أمّا سهرات البورجوازية الكبيرة في الأعمال والسياسة، فتحصل في الأحياء الراقية التقليدية. في نوادٍ مثل Union interalliée أو نادي السيارات Automobile أو الفروسية Jockey Club أو في أحد صالونات القصور في الدائرة الثامنة. اختيار المدعوين يكون فيها أكثر دقّة مما يحصل عند برنار-هنري ليفي في "فلور". لكنّ المبدأ هو نفسه: جمع النخب من خلال تنويع مجالات نشاطها الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك ميولها السياسية.
يتناقض التجانس الإيديولوجي لأعضاء الدوائر الباريسية الكبيرة، اليمينيّة بغالبيتها العظمى، مع شيءٍ من تداخلٍ للحدود السياسية في مقهى الـ"فلور" حيث ينتمي بعض المدعوين أمثال جاك لانغ، لوران فابيوس أو آرنو مونتيورغ، إلى اليسار المتنوّع والتعدّدي. تنافرّ لا يجب أن يوهمنا. فإذا كانت الطبقة المسيطرة توفّر مروحةً واسعةً من الآراء، فهي تبرهن عن تمسّكٍ لا لبس فيه بالرأسمالية الضامنة لمداخيلها المريحة.
فوجود تيارات على درجةٍ متفاوتة من الاهتمام بالشأن الاجتماعي لا يعيد النظر بالنظام المالي ويمكّن لليمين المحافظ أن يتساهل مع وجود يسارٍ معتدلٍ لا يهدّد مصالحه الأساسية. ولكن هل ما زلنا إزاء "يسار" أو أمام مجرّد بديلٍ عن يمين فقد اعتباره اليوم بسبب رئيس جمهورية لم يرتدي ثياب وظيفته حتّى الآن؟ بعض هؤلاء الشخصيات من "اليسار" مقرّبون من السيد دومينيك ستروس-كان، بينما السيد فيدرين هو عضوٌ في مجلس إدارة لويس فيتون-مويت-هينيسي، المجموعة التي يسيطر عليها السيد برنار أرنو.
فالأوليغارشية من اليمين أو اليسار وبالرغم من تنويعاتها المهنية والايديولوجية، تبقى متضامنة وموحّدة في الدفاع عن مصالحها. هكذا يحيلنا احتفال الـ"فلور" إلى مجتمع البلاط كما حلّله نوربير إلياس عندما كتب: "من خلال آداب السلوك، يقوم مجتمع البلاط بإبراز نفسه، وكلّ فرد يتميّز عن الآخرين، لكنّ جميعهم مجموعين يتميّزون عمّن هم غرباء عن الجماعة؛ وهكذا يؤمّن كلّ فردٍ وكذلك الجماعة البرهان على قيمة وجودهم المطلق".
كما تلعب الشكليات الاجتماعية بمناسبة أعياد الميلاد والزواج أو مجرّد المآدب والكوكتيلات أو افتتاح المعارض، وغيرها من حفلات افتتاح الأوبرا، دوراً في تعبئة الطبقة المسيطرة بمختلف تشكيلاتها. والسخرية التي يوجّهها غالباً المحكومون، سواءً انتموا إلى الفئات الوسطى أو الشعبية، إلى هذه الستعراضات الأوليغارشية، تعبّر في الواقع عن رفض وضعية المسيطر عليهم. لكن هذا الإنكار عن طريق السخرية يحول دون تقدير الفائدة الاجتماعية التي توفّرها المشاركة في احتفالات البورجوازية الكبيرة، الضرورية لحسن سير العمل بالآليات الجماعية لمن يجمعون بين أيديهم الثروات والسلطات.
إذ لا جديد في هذا الاجتماع البرّاق في الـ"فلور"، باستثناء تعظيم الإبراز من خلال نشر تقريرٍ مفصّل للسهرة في المجلّة التي كانت سبباً للاحتفال بميلادها. وقد أنزل التقرير الذي يتضمّن أسماء المدعوّين على شبكة الانترنيت في موقع المجلة على الإنترنت، الذي فتح مجاناً أمام الجمهور العريض، كما حصل بالنسبة للاحتفال بانتخاب السيد نيكولا ساركوزي رئيساً في 6 ايار/مايو في مطعم الـ"فوكيتس".
المال يعرض صحّته الجيدة ونجاحاته من دون عقد. والطبقة المسيطرة تتباهى خلافاً لما كان يتفاداه أصحاب الثروات القديمة. وهذا الانكشاف لآليات السلطة يظهر المسيطرين فاتحين، مطمئنّين لمستقبلهم، حيث يبدو لهم وكأنّهم فازوا في صراع الطبقات الذي يتحدّث عنه أحدهم، السيد وارن بوفيت. لكنّ الأزمة المالية ورفض هذا المجتمع الذي لم تعد مظالمه قابلة للاحتمال، تعيد النظر، مرّةً جديدة، بهذه الاستعراضية للسيطرة، وتنذر بمرحلةٍ جديدةٍ من التحفّظ الحذر.
*عالما اجتماع، ومديرا أبحاث في المركز الوطني للدراسات العلمية – عن لوموند
دبلوماتيك
