حين كانت المؤسسة الاسرائيلية بذراعها السياسية والأمني تكرّر سياسة التذاكي والكذب بالصمت عن التعليق على قصف منشآت سورية في محيط العاصمة دمشق، توالت التسريبات التي حملها صحفيون ومعلقون اسرائيليون على ألسنتهم من دون نسبها الى مصدر؛ وكان أقوى اعلانات تبني هذا القصف المريب في توقيته وموقعه، ذلك الذي حملته النشرة المجانية المسماة "يسرائيل هيوم"، التي يقول معلقون إن بنيامين نتنياهو هدم حكومته بسبب مشروع قرار تمهيدي يهدد بإغلاقها! هذه الصحيفة خرجت بعنوان عنيف واحتفالي معًا جاء فيه "ضربة على دمشق"، وأسهبت في استعراض العضلات وفي مهاجمة أعضاء كنيست قلائل اعتبروا الهجوم الجوي جزءا من دعاية نتنياهو الانتخابية.
العملية اسرائيلية بدون أدنى شك، ولا حاجة لقراءة بيان رسمي اسرائيلي يقرّ بذلك، بل يكفي الاصغاء الى "النغمة" التي تتحدث بها وسائل الاعلام، والمعلقون العسكريون خصوصًا في مثل هذه الأحوال. المشكلة الخطيرة ان هذه الاحتفالية بتوجيه ضربة داخل الاراضي السورية، تضع كل صحفي لا يوضّح خطورة الفعلة، في حظيرة واحدة مع المسؤولين السياسيين والعسكريين عنها، وعما تعنيه وتحمله وترمي اليه.
دمشق وطهران قالتا بواسطة وزيري خارجيتهما إن العدوان الاسرائيلي جاء لهدف رفع معنويات المجموعة الارهابية التي ألحق بها الجيش السوري ضربات موجعة في الأيام الأخيرة. ويزداد بروز هذا التقييم الايراني-السوري، في ضوء التقارير الاممية المفصلة الجديدة التي تؤكد وجود اتصالات ودعم وتزويد بتجهيزات غامضة من اسرائيل لتكفيريي القاعدة في جبهة النصرة. ومثلما اعتبرنا هذه السمسرة الاسرائيلية بالحرب مقامرة بسلامة وأرواح المواطنين الاسرائيليين، فالأمر نفسه ينطبق على هذا العدوان، والذي يبدو أنه طال شحنة اسلحة روسية مخصصة لحزب الله، مما جعل مسؤولي جيش الاحتلال الاسرائيلي يحضّرون الأجواء للآتي.. والذي قد يتجسد برد عسكري مؤلم من قبل المقاومة اللبنانية، كما نقلت قنوات اسرائيلية.
إن هذا العدوان، اضافة الى أنه يحمل بُعد التدخّل المباشر لدعم همج التكفير لتعميق مشروع التمزيق والتفتيت، فإنه يقع في باب المقامرة بدماء الاسرائيليين أنفسهم، في حال قرر المستهدف من العدوان الرد! – فإنه يأتي لخدمة المؤخرات السلطوية لرئيس حكومة اليمين ومن تبقى فيها من أحزاب التطرف الاستيطاني المنفلت.
إن أي مجتمع مواطنين سليم ومعافى يجدر به القول على الأقل: لا للمقامرة بدمائنا.. وهو ما ينتظر أيضًا من الأحزاب التي تطرح نفسها بديلا لنتنياهو؛ يجب عليها اثبات أنها قادرة على القول لا، حتى حين تكون الوسيلة سلاح جو يعربد في سماء سوريا.
