تحل هذه الأيام الذكرى الـ66 لنكبة العصر الحديث التي حلت بالشعب العربي الفلسطيني، فيربيع وصيف 1948، هذه النكبة التي تمثل الجرح الفلسطيني الذي لم يندمل ولم يُضمد بعد. بل ما زال ينزف وينزف باستمرار جرعات من الألم والدم والدموع، وحسرات المرارة والمعاناة والاضطهاد لا تفارقه، تتواصل مع تواصل حكام إسرائيل وتعنُّتهم بعد أكثر من 66 عامًا على ارتكاب الجريمة الإنسانية والإمعان في التنكر لمسؤوليتهم التاريخية عن المأساة الإنسانية والأخلاقية والسياسية التي حلت بالشعب الفلسطيني. إسرائيل تواصل ارتكاب نكبة ومأساة وراء أخرى، وحولت معيشة الإنسان والمواطن الفلسطيني إلى جحيم قابل للانفجار. لم يسلم الشجر ولا البشر ولا الحجر من طغيانها وهمجيتها، حطمت ودمرت البيت والحجر، كي لا يدخل في صميم النضال والمقاومة الشعبية. هدمت البيت على من وما فيه، وها هي تهدم في القدس الشرقية وفي قرانا العربية، وتعتدي وتنتهك حرمة الأقصى المبارك والأماكن المقدسة للمسلمين والمسيحيين، لم يسلم الشجر ولا حبات التراب. صادروا الأرض وما عليها واقتلعت إسرائيل كل شجرة لها علاقة بالمواطن الفلسطيني ومعيشته وصموده في أرضه، فما كان نصيب آلاف أشجار الزيتون سوى الإعدام، في محاولة لضرب معيشة واقتصاد الفلسطينيين، وهي بذلك تقتل الأحلام والأمل بالسلام والتعايش بين كلا الشعبين.
لم تتورع آلة وماكينة الاقتلاع والهدم والتجريف في إحراق الأرض الفلسطينية، غير مكترثة بالمزروعات والزراعة والأشجار المثمرة. لان الاحتلال الأسود اللاشرعي من الصعب وهذا طبيعي في مثل هذه الحالة، ان يتعايش مع اللون الأخضر ومنظر الطبيعة والجغرافيا الفلسطينيين. فالاحتلال الاسرائيلي البغيض والوحيد عالميًا والزائل لا محالة، لا يعرف معنى التعايش الا مع اللونين الأسود والأحمر. فهما الوجه البشع للصهيونية ولحكام إسرائيل في إبقاء الجسد الفلسطيني ينزف باستمرار.
تعمّدت الحركة الصهيونية قبل أكثر من مائة عام وفيما بعد حكام إسرائيل، ان يعمدوا الشعب الفلسطيني بالحديد والنار والدم والدموع في مسيرته التحررية الطويلة نحو الحرية والاستقلال، مستنجدين بحلفائهم من المستعمرين الأوروبيين والأمريكيين.
يكاد لا يمر يوم الا وآلة القمع والإرهاب والحرب والاحتلال ومستوطنوهم من القطعان الداشرة، الا وتغتال وتقتل عمدًا مع سبق الإصرار والترصد مواطنًا فلسطينيًا سواء كان شيخًا أو امرأة أو شابًا أو طفلا، على حاجز عسكري أو في حقل زيتون أو في مظاهرة سلمية احتجاجية ضد بناء جدار الفصل العنصري، أو ضرب منطقة معينة في قطاع غزة بالصواريخ الانشطارية المدمرة التي يذهب ضحيتها العشرات من النساء والأطفال والشيوخ.
الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل وشركاؤهم من المستعمرين الغربيين، هم من اوجد المأساة والنكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني، ليس قبل 66 عامًا فحسب وإنما منذ بداية الهجرة الصهيونية إلى فلسطين مع بداية القرن المنصرم ووعد بلفور المشؤوم بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، هذا الوعد الاستعماري كان محط أطماع الصهيونية في نهب فلسطين بأكملها وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه، فضاعت الأرض والوطن وتشتت الشعب خارج الحدود وفي المنافي النائية. فهل يوجد أبشع من هكذا جريمة بحق شعب من شعوب الأرض.
إن ضياع وتشتيت وإرهاق وإزهاق الدم الفلسطيني وتبديد حقوقه المغتصبة والمشروعة في إقامة دولته المستقلة هي سياسة متعمدة تمارسها أطراف يمينية في الحكومة الحالية التي يتزعمها نتنياهو لقطع الطريق نحو أي تسوية قادمة، تفي بمتطلبات الحد الأدنى من التسوية العادلة. هذا الموقف الإسرائيلي المتعنت يجد له تأييدًا من وراء الكواليس الدبلوماسية في نهج وممارسات بعض الأقطار العربية في منطقة الخليج العربي من عرب أمريكا.
إن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة عاجلا أم آجلا لا يفي بالمتطلبات الإنسانية والشرعية في حل القضية الفلسطينية حلا عادلا. فهذه الحلول ليست منقوصة فحسب، فالمسؤولون المباشرون سواء كانوا إسرائيليين أم أمريكيين الذين اوجدوا النكبة يحملون في برنامجهم السياسي وصفات من الحلول والعلاج السريع الذوبان، فما عليهم الا ان يجدوا حلا وعلاجا شرعيًا وعادلا لمشكلة ملايين الفلسطينيين المشتتين في أرجاء المعمورة.. لهذا يجب الاعتراف والإقرار بحق العودة فلا عودة عن حق العودة مهما تكدست أنواع الحلول والمبادرات، ولا يصح الا الصحيح.
(كويكات/ أبو سنان)
